سوريا: إياكم والتحزب!


كان يمكن لانعقاد الجلسة الأولى لمجلس الشعب أن يمر بلا لغط كبير لولا أن ملابسات عدة سبقته ورافقته، كشفت عن هواجس لدى السلطة من هذا الكيان السياسي الجديد حتى لو كانت هي من اختارت أعضاءه. فقد نالت طريقة تشكيل المجلس بواسطة التعيين، المباشر جزئياً وغير المباشر جزئياً، ما يكفي من الانتقادات التي عبرت عن عدم رضى واسع طوال الأشهر الماضية. ومنذ اكتمال نصاب المجلس (باستثناء ثلاثة أعضاء هم حصة السويداء) واظب ناطقون باسم السلطة على التبشير بـ»قرب انعقاد» أولى جلساته، لكن التسويف استمر أسبوعاً بعد أسبوع. وأخيراً تم تحديد موعد مؤكد، ثم تم تأجيله دون تبيان الأسباب ودون تحديد موعد بديل. وهو ما أثار تكهنات وتساؤلات عما وراء الأكمة. غير أن السلطة ومؤثريها لم يبخلوا في الكشف عن خفايا ما يدور خلف الأبواب المغلقة.
وكانت المفاجأة الأولى هي تلك التعليمات التي أصدرتها اللجنة العليا للانتخابات لأعضاء مجلس الشعب بشأن طريقة انتخاب رئيسه ومكتب الرئاسة، الأمر الذي من المفترض أن يكون من شأن المجلس نفسه باعتباره سلطة مستقلة تضع نظامه الداخلي بنفسها. ثم كشفت التسريبات عن دعوة أحمد الشرع أعضاء المجلس لمأدبة غداء قبل يوم واحد من جلسته الافتتاحية، وبخهم أثناءها وحدد لهم صلاحياتهم! ونقل عن أحد المشاركين قوله إن من استقبلنا كان أبو محمد الجولاني، لا أحمد الشرع!
وكانت ثالثة المفاجآت ظهور أحد المؤثرين المقربين من السلطة داخل مبنى البرلمان وتوجيهه «رسالة» قال إنها «توعوية» لأعضاء المجلس، حذرهم فيها من «التحزب». لكنها تجاوزت «التوعية» والتحذير إلى التهديد بدلالة استخدامه لكلمة «إياكم!». واشتهر هذا المؤثر بمواكبته لعملية «ردع العدوان» التي انتهت باستيلاء هيئة تحرير الشام على السلطة في دمشق بعد فرار رأس النظام السابق إلى روسيا، فكان بمثابة «مراسل حربي» لتلك العملية، من الواضح أنه كوفئ على ذلك بأن بات بوسعه أن ينطق باسم السلطة، بصورة غير رسمية، ويضرب بسيفها. وقال أيضاً ما معناه إن من فاتهم القطار في الاستيلاء على السلطة عسكرياً يحاولون التسلل إليها من خلال إنشاء تكتلات وأحزاب سياسية!
كانت إطلالة هذا المؤثر عبر مقطع الفيديو مفيدة حقاً من حيث تعبيره الصريح عما يدور في ذهن السلطة من أفكار وهواجس واظبت على التكتم عليها أمام الرأي العام، لتصدّر بدلاً منها كلاماً تظن أنه مطلوب ومقبول من ممثلي الدول التي انفتحت على حكام سوريا الجدد. فنحن نفهم من الكلام الأخير للمؤثر إياه أن السلطة هي غنيمة اغتنمها من كانوا أشطر فسبقوا غيرهم ولن يتخلوا عنها لأحد او يقبلوا فيها شركاء. نتذكر هنا مقالة لمستشار الشرع أحمد موفق زيدان طالب فيها الإخوان المسلمين صراحةً بحل تنظيمهم. كما نتذكر كلام أحمد الشرع نفسه الذي قاله لبعض أعضاء الائتلاف المعارض بأنه يرحب بهم كأفراد لكنه يرفض التعامل معهم ككتلة سياسية.

 واضح أن السلطة تنظر بعين التوجس إلى فكرة وجود كيان سياسي ربما يقتطع شيئاً من السلطة المطلقة التي تتمتع بها حالياً

عبر أحد النشطاء السياسيين من مؤيدي سلطة هيئة تحرير الشام، على صفحته في منصة فيسبوك، عن استغرابه الشديد من «هذا الخوف من مجلس الشعب»! نعم، واضح أن السلطة تنظر بعين التوجس إلى فكرة وجود كيان سياسي ربما يقتطع شيئاً من السلطة المطلقة التي تتمتع بها حالياً. صحيح أن أعضاء المجلس معينون من قبل السلطة نفسها، ولكنهم ليسوا جميعاً من الدائرة الضيقة «الموثوقة». والنفس أمارة بالرأي المستقل! على أي حال فإن تشكيلة المجلس تضم أشخاصاً يمكن أن يعتبروا «معارضين» ضمن البيئة السنّية أو الإسلامية أو المحافظة، حسب تقديرات الكاتب حسام جزماتي المعروف بمتابعته الدقيقة للبيئة الإسلامية في سوريا. يضاف إليهم ممثلون عن الأقليات، كرد وعلويين ومسيحيين، لزموا الصمت في مجموعة واتس آب شكلها أعضاء المجلس قبيل انعقاده، وتسربت الآراء التي تم تداولها فيها إلى السلطة، الأمر الذي يفسر قسوة الشرع عليهم في مأدبة الغداء المشار إليها.
وفي مقالةً مستقلة نشرها مؤخراً، كشف جزماتي عن معلومات حصل عليها قبل أشهر مفادها أن النية عند السلطة كانت إقامة نظام ملكي، لكن ممثلي دول داعمة حذروها من خطورة ذلك، فاستجابت لتلك النصيحة وأصدرت إعلانها الدستوري الذي كرس النظام الجمهوري القائم.
المفارقة أن نظام الأسد كان جمهورياً بالاسم، ملكياً بالفعل، وخاصةً بعد عملية التوريث التي حصرت القيادة في عائلة واحدة، لكنه لم يجرؤ يوماً على تكريس ذلك في دستور. في حين أن السلطة الجديدة عبرت عن رغبتها في تحويل النظام إلى ملكي، وفقاً لهذه الرواية، لكنها تراجعت عن ذلك تحت ضغط خارجي. وهي متوجسة من فكرة وجود برلمان مستقل عن السلطة التنفيذية، ومن احتمال ظهور أحزاب أو تكتلات سياسية، مع العلم أن التيارات السياسية الموجودة حالياً، وأغلبها في المنافي، هي في غاية الهزال ولا تشكل تهديداً للسلطة. نتذكر ماضي المجموعة الحاكمة قبل استيلائها على السلطة، بتحولاتها من جبهة النصرة إلى هيئة فتح الشام وصولاً إلى هيئة تحرير الشام، وكيف أنها لم تتحمل وجود فصائل منافسة فقامت باحتوائها أو تصفيتها تباعاً وصولاً إلى سيطرة أحادية بلا منافسين. هذا هو تصور المجموعة الحاكمة لما يجب أن تكون عليه الأمور من وجهة نظرها في حكم سوريا.
لكي تكتمل الصورة نشر أحد الكتاب في منبر إلكتروني مقرب من السلطة مقالة يهجو فيها فكرة الحزب السياسي الذي يشكل، في رأيه، تهديداً للحرية الفردية! وكأننا نتحدث عن مجتمع يعلي من قيمة الفرد وحريته، لا عن مجتمع منقسم إلى طوائف وعشائر وجماعات متناحرة، قد يخفف من غلواء انقساماتها تكريس حياة سياسية سليمة من أحزاب وتيارات أيديولوجية لا تقوم دولة حديثة متماسكة في غيابها. وكأن الكاتب لا يعرف أن سلطة دمشق الانتقالية تتدخل في ملبس الناس ومسلكهم ومأكلهم، ويسأل مقاتلوها الناس عن دينهم وطائفتهم.

٭ كاتب سوري



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *