ذات يوم غير بعيد كانت تسيبي ليفني وزيرة خارجية دولة الاحتلال، زعيمة حزب «كاديما»، وطامحة إلى أن تكون ثاني امرأة تترأس حكومة الكيان الصهيوني بعد غولدا مائير. وعلى سبيل استكمال شخصيتها الفارقة عن الأخيرة، سجّلت ليفني هذا التمايز، الدراماتيكي: إذا كانت مائير تريد من اتفاقية سلام سورية ــ إسرائيلية أن تتيح لها التبضع في سوق الحميدية الدمشقي الشهير، فإنّ «المهمّ عندنا ليس سلام فتح السفارات وتناول طبق الحمّص في دمشق، بل وقف تهريب الأسلحة إلى حزب الله عبر سوريا، وعلاقاتهم القوية مع إيران».
فما الذي، اليوم، بعد ترحيل «حزب الله» وإيران من سوريا، وانطواء صفحة 54 من عمر «الحركة التصحيحية»، وفرار الأسد الوريث، وتبدّل أقدار سوريا على أكثر من نحو بنيوي ونوعي؛ يضيفه بنيامين نتنياهو ووزير حربه يسرائيل كاتس إلى السوق وطبق الحمّص، عبر وصلة المَسْرَحة، والأحرى الحديث عن التبختر والاستعراض الطاووسي، أعلى قمة جبل الشيخ السوري المحتل؟
ثمة، أولاً، انتخابات الكنيست المقبلة حيث تتنوّع عادة طرائق دغدغة الأحاسيس، الأشدّ انحطاطاً وابتذالاً وتعطشاً للتوسع والهيمنة والاستيطان والعربدة لدى ناخبي نتنياهو وكاتس؛ خاصة إذا كانت سياقاتها تُبعد الأنظار قليلاً أيضاً عن فضائح نتنياهو ذات الصلة بتحذيرات محمد بن زايد قبيل «طوفان الأقصى»، وقد تحسّن حظوظ الليكود الهابطة ومقاعد نوّابه التي تبدو سائرة إلى تناقص.
ولكن ثمة ما لا يقلّ أهمية في لائحة العناصر التي دفعت نتنياهو وكاتس إلى قمة جبل الشيخ، أي مرارة خسران نظام في سوريا ظلّ، منذ خريف 1970 وحتى نهايات 2024، بمثابة حارس متطوع أمين على الاحتلال الإسرائيلي لسهول الجولان وهضابه وتلاله؛ لا يسمح لقطيع ماعز أن يتخطى الخطوط المتفق عليها، فكيف بعصا راعٍ أو بندقية صيد! وإذا كان نتنياهو، منذ فرار الأسد الابن، قد مارس ألعاب الحواة في التغطية على خسران خدمات آل الأسد؛ فإنه لم يتورع، مراراً، عن إبداء مشاعر مختلطة من الإحساس بالمفاجأة والأسف والحزن صبيحة 8 كانون الأول (ديسمبر) 2024، ساعة استفاق وسائر أجهزته الأمنية على حقائق سوريا الجديدة الصاعقة.
بذلك فإنّ الصعود إلى قمّة جبل الشيخ يستكمل، أيضاً، ما بدأه نتنياهو فور سقوط نظام آل الأسد: قصف ما تبقى من أسلحة ستراتيجية لدى جيش سوري لم تعد مهامه منحصرة في القتال لصالح الاستبداد وارتكاب المجازر، ثمّ التدخل لصالح سعار الهلوسات الانفصالية لدى حكمت الهجري في السويداء، والتوغل هنا وهناك في الجولان وريف القنيطرة والجنوب السوري…
ولا عجب، رغم حضور المفارقة، أنّ سوريا في ناظر نتنياهو وحكومته (الأشدّ يمينية وعنصرية وفاشية على امتداد تاريخ الكيان الصهيوني) يمكن أن تشكّل هذا المستوى أو ذاك من الافتراق عن خطّ البيت الأبيض الراهن؛ إنْ لم يكن على لسان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفسه، فعلى الأقلّ بموجب تصريحات ممثله في المنطقة توم براك (الذي ذهب إلى درجة مناقضة رئيسه، على نحو مفاجئ والحقّ يُقال، حين ذكّر بأنّ الجولان أرض سورية محتلة بموجب القانون الدولي).
ومن حيث المبدأ، يمكن الافتراض بأنّ نتنياهو يصعب أن يطيق سوريا الجديدة، إذا استذكر سوريا القديمة التي وافقت على قرار مجلس الأمن الدولي رقم 338، الأمر الذي عنى الاعتراف بأنّ دولة الاحتلال جزء لا يتجزأ من تكوين الشرق الأوسط السياسي والجغرافي. ثمّ حين تواصلت المفاوضات، سرّاً أو علانية، في عهد الأسدَين الأب والابن، خلال ولايات إسحق شامير وإسحق رابين وشمعون بيريس وبنيامين نتنياهو وإيهود باراك وأرييل شارون وإيهود أولمرت…
وبين سوق الحميدية وجبل الشيخ ثمة محتد سوري راسخ لا يُمحى ولا يُزال، أياً كانت جرائم الحرب والاحتلال والاستيطان، صحبة وصلات المسرحة، سواء بسواء.