«عموما، فإنّ اكتشاف تجربة وطنية متميزة والتعبير المشروع عنها في الفن هو ما يميز أدب أمة عن أدب أمة أخرى» يقول ماريوس بيويلي، وفي سياق مختلف يقول لورنس بويل، «إن المتخيلات أو الحكايات التاريخية تبدو ملاذا واضحا للمشروعات الأدبية التي تسعى إلى تمثيل التجربة الوطنية وتحليلها وتفسيرها».
من يتابع النتاج الروائي الإماراتي في السنوات الأخيرة يجد أن كثيرين ممن حملوا على كواهلهم شرف التجربة الأدبية، كانت الحكاية التاريخية ملاذا لمشروعاتهم يسعون من خلالها لتثبيت تجربة وطنية من خلال الأدب، للدفاع عنها وتحليلها وتفسيرها، وهذا ما سيميز، ويمكن القول إنه على الطريق الصحيح ليميز الأدب الإماراتي عن غيره من التجارب الأدبية في العالم العربي وفي العالم. ورواية مريم الزرعوني «سنوات الـمَغَر – هوامش من سيرة الغريب» (مركز أبو ظبي للغة العربية 2025) تجربة جديدة في سبيل تثبيت وجهات النظر الوطنية والتاريخية من خلال الأدب والفن، فماذا قدمت لنا في سبيل ذلك؟ وأين السردية والفنية في مشروعها القائم في أساسه على همّ وطني؟
هي قصة «غريب» الشخصية المحورية في الرواية، من جزيرة أبو موسى، حيث كان يعمل في الحفر في «الـمَغَر»، وهو التراب الأحمر المنتشر في الجزيرة، ولد هناك، انتقل مع عائلته إلى الشارقة، بعد وفاة الأم التي تدفَن في الجزيرة، ثم يعود إليها للعمل مع المهندس ديفدسن الذي مات ابنه آرون قبل مجيئه إلى الجزيرة، فيحظى غريب باهتمامه بوصفه تعويضا عن حضور ابنه، ومن هناك تبدأ هوامش سيرة «غريب» بالحضور، يسردها رواة لا يخطرون على بالٍ أحيانا.
تبدأ الرواية مع حضور «جوديث» التي نعرف في ما بعد أنها صديقته الممرضة البريطانية، وتحضر سهيلة الأم بين الحين والآخر بوصفها متتبعة حياة ابنها من عالمها، ويحضر الأب والأخ وما يقومان به من غدر تجاه نواياه الحسنة في المقابل، ويظهر الأصدقاء والعم وابنه، العم الذي تبدأ مرحلة تعلم التجارة عنده، وتنتهي بمشروع شراكة بينهم، وبين كل ذلك نتابع أسفار هذا الغريب الذي يستقر في بو شهر وفي الكويت، ويتزوج منيرة التي تموت ويتهم بقتلها، ويعود أخيرا إلى دبي ويثبت انتماءه إلى بلاده «الإمارات» التي تتوحد، خلال متابعة سيرة غريب، ولحصوله على جواز السفر هم أساسي أراده النص، ومنه انطلقت الكاتبة في رأيي، فابن الجزيرة التي «تحتلها» إيران، ابنها إماراتي، فهي إماراتية، وهنا نقطة انطلاق تعبر عن هم وطني سيطر على أفكار الكاتبة حتى في الرواية، وحادث الطائرة عام 1983، ولأسباب سقوطها، وبين من ومن كانت الحرب في تلك المرحلة، ووجود غريب فيها بعد أسفار طويلة، رمزية مقصودة أدتها الرواية في المسار نفسه.
بدأت المقال بقولين لأمريكيين عن قصد، فالتجرية الإماراتية، ولا أقصد الأدب فقط، مشابهة إلى حد كبير مع فوارق كثيرة، لعل أبرزها بالنسبة إلى الأدب هو المرحلة الزمنية التي ينهض فيها هذا الأدب مع نهضة البلاد، وفي سعي البلاد لتكون حاضرة بين الأمم، يأتي دور المثقف والمبدع الحريص عليها، والمتبني لسردياتها وحكاياتها، وهذا ما فعلته مريم الزرعوني.
النص جدير بالقراءة ومتابعة سيرة غريب الغريبة، وحضور الواقعي فيها كان ضروريّا، وقد طعّمته الكاتبة بغرائبية محببة غير معقدة، خصوصا مع ظهور طيف الأم بين الحين والآخر، ولكن الأبرز، وكان أساسا في التركيب الشكلي للنص، هو الرواة، فكنت أحيانا تجد نفسك أمام شخصية تروي، ولكن العجيب عندما كان يروي عن غريبٍ مرآة وصخرة وفونوغراف وسيارة وطائرة.. وغيرها الكثير، وهنا جديد ومحاولة للتجريب واضحة في الرواية.
العودة إلى الجزيرة وترابها الأحمر «المغر»، كان مقصودا، وكأن النص كله يقول «هذه الجزيرة إماراتية»، ونحن نريد تثبيت انتمائها بكل السبل، والرواية واحدة منها، ونهاية الرواية مع الاجتماع العائلي بين غريب وأمه وزوجته ومن حضر، واضح أنه كان على أرض الجزيرة التي حوت جسد الأم وذاكرة الطفل الذي حملته شخصية غريب أينما حل، دليل على ترسيخ تلك القناعات على الرغم من نهاية السيرة المأساوية لابن الجزيرة.
مآخذ على الرواية مرتبطة بلغتها، فكأن الزرعوني «الشاعرة» استمرت بالتحكم بالروائية في مواضع كثيرة أثناء السرد، ولكن ليست تلك هي المشكلة الكبيرة، ولكن تنقل السرد بين كل تلك الشخصيات والأدوات والأماكن.. التي سردت، كانت اللغة التي تحدثت فيها أحيانا غير منطقية وغير مستساغة، فكيف لسيارة لاند روفر أن تقول «أرتجُّ بالقدر الذي يجعل الأحزان تتخثّرُ في الجوف وتطفو، تمثُل للعيان، مهما استمات المرء في الاستتار، كشجوةٍ تختضّ، فتطفو قطع الدسم على سطح اللبن». وقس على ذلك في مواضع كثيرة.
أما المأخذ الثاني فهو أن ربط المناطق بعضها ببعض ومحاولة القول إنها واحدة، وذكر أسماء تلك المناطق بوصفها معروفة للمتلقي كانت تحتاج إلى شرح أحيانا، فأنا عرفتها لأنني أعيش في الإمارات، ولكنها لن تكون واضحة للمتلقين الآخرين، ووجهة النظر المقصود منها هذا الأمر للتأكيد على أن جزيرة أبو موسى إماراتية لم تصل كما توختها الكاتبة، وكان التركيز أحيانا على ذلك يأخذ من العمق الذي كان يجب أن تتوخاه العلاقات بين الشخصيات وبين مكونات النص من أمكنة وأزمنة وأحداث وغيرها.
الرواية مشغولة بعناية وشغف وهمّ واضح يتملك الكاتبة، عملت على التوثيق بشكل واضح، وعلى التجريب والتجديد بشكل كبير، وأوصلت لنا قصة «الغريب» غريب، الذي أثبت انتماءه في النهاية إلى بلاده، وهو ما تفاءلت فيه الرواية حول إثبات انتماء الجزيرة وكل أرضٍ محتلة، بكل السبل التي يراها أبناؤها متاحة.
كاتب لبناني