سكان غزة يواجهون عيد الأضحى ببدائل فردية


غزة – «القدس العربي»: عشية عيد الأضحى في غزة هذا العام، يواجه السكان ظروفًا معيشية صعبة تلقي بظلالها على مظاهر العيد المعتادة، وفي مقدمتها ذبح الأضاحي، الذي أصبح خارج قدرة كثير من العائلات بسبب ارتفاع الأسعار وتدهور الأوضاع الاقتصادية.
وفي ظل هذا الواقع، تظهر محاولات فردية بسيطة للتعامل مع غياب هذه الشعيرة بشكلها التقليدي، عبر البحث عن بدائل محدودة تعكس روح المشاركة والتكافل بين الجيران، رغم ضيق الإمكانيات وشدة الظروف.

أحكام الأضحية

أكد القاضي الشرعي عمر نوفل أن الأضحية في الشريعة الإسلامية تُطلق على ما يُذبح من بهيمة الأنعام فقط، وهي الإبل والبقر والغنم والضأن، مشددًا على أن غير هذه الأصناف لا يجزئ في الأضحية مهما كانت قيمته أو نوعه.وأوضح في حديث مع «القدس العربي» أن الأضحية سنة مؤكدة للقادر عليها، وأن الشرع حدد وقت ذبحها ابتداءً من بعد صلاة عيد الأضحى وحتى غروب شمس ثالث أيام التشريق، مبينًا أن الذبح قبل صلاة العيد أو بعد انتهاء الأيام المحددة لا يكون أضحية شرعية.

تعكس روح الصمود والتكافل

وأشار إلى أن الظروف الإنسانية الصعبة التي يعيشها أهالي غزة، وما يرافقها من فقر وحصار وانعدام توفر الأنعام، تسقط الأضحية عمّن عجز عن أدائها، مؤكدًا أن الله لا يكلف نفسًا إلا وسعها، وأن غير القادر لا يأثم شرعًا.وبيّن القاضي نوفل أن الطيور بمختلف أنواعها، كالدجاج والحبش، لا تجزئ في الأضحية، كما أن توزيع اللحوم الطازجة أو المجمدة أو تقديم قيمتها المالية لا يأخذ حكم الأضحية الشرعية، وإنما يدخل في باب الصدقة والإحسان، وله أجره وثوابه عند الله.
ودعا إلى التمييز بين مفهوم الأضحية، بوصفها شعيرة محددة بأحكام شرعية واضحة، وبين أعمال الصدقة والتكافل التي تبقى مطلوبة ومحمودة في كل وقت، خاصة في ظل الظروف الراهنة التي يعيشها أبناء الشعب الفلسطيني.

فرحة بديلة

ويتوقع أن يمر العيد على ياسر السلطان دون القدرة على ذبح الأضاحي كما اعتاد في السنوات السابقة، نتيجة ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة المعيشية وصعوبة تأمين احتياجات أساسية كثيرة.
ويشير ياسر إلى أنه يفكر في هذا العيد بطريقة مختلفة، إذ يخطط، في حال تعذر الذبح، لشراء كمية من اللحم المجمد وتوزيعها على بعض الجيران من العائلات القريبة يوم وقفة عرفة، مؤكدًا أن هذه الفكرة تأتي من واقع معيشته وظروفه الشخصية، وليست ضمن أي إطار تنظيمي، وإنما محاولة بسيطة للتكيف مع الواقع.
ويضيف أنه سيحاول قدر الإمكان توزيع الكمية المتاحة بشكل مباشر وبسيط بين عدد من الأسر في محيط سكنه، مع مراعاة الأوضاع الصعبة التي يمر بها الجميع، مشيرًا إلى أن الأولوية ستكون لمن حوله من الجيران الذين يواجهون ظروفًا معيشية مشابهة.

القاضي‭ ‬الشرعي‭ ‬نوفل‭: ‬الظروف الصعبة‭ ‬تسقط‭ ‬الأضحية‭ ‬عمّن‭ ‬عجز‭ ‬عن‭ ‬أدائها

ويرى ياسر أن غياب الأضاحي هذا العام لا يلغي روح العيد بالكامل، لكنه يغير شكلها، إذ تبقى قيم المشاركة والود بين الناس حاضرة رغم محدودية الإمكانيات، مؤكدًا أن أي مبادرة فردية بسيطة بين الجيران يمكن أن تخفف من ضغط الحياة اليومية وتمنح شعورًا بالتضامن في ظل الواقع القاسي.

غياب الأضاحي

وتقول السيدة أم الحسن الخليلي إن اقتراب عيد الأضحى هذا العام يعيد إلى قلبها مشاعر الحزن والحنين إلى الأيام التي كانت تستقبل فيها العيد وسط عائلتها، ورائحة الأضاحي تملأ الشوارع، وأصوات الأطفال تعكس فرحة المناسبة، لكنها تؤكد أن الحرب المستمرة على قطاع غزة منذ أشهر طويلة، وما رافقها من إغلاق ومنع دخول اللحوم والأضاحي، جعلت العيد مختلفًا وثقيلًا على الأهالي الذين فقدوا كثيرًا من تفاصيل حياتهم المعتادة. وتوضح أن عدم قدرتها على تقديم الأضحية للعام الثالث على التوالي يؤلمها بشدة، خاصة أنها اعتادت في كل عيد مشاركة أبنائها وأقاربها هذه الشعيرة التي تحمل معاني الرحمة والتكافل وصلة الرحم، وتضيف أن أكثر ما يحزنها هو رؤية الأطفال داخل مركز الإيواء وهم يسألون عن العيد والطعام واللحوم، في وقت تعجز فيه كثير من العائلات عن تأمين أبسط الاحتياجات اليومية.
ورغم الظروف القاسية، قررت أم الحسن أن تتمسك بروح العطاء بما تستطيع تقديمه، إذ أخذت كيسين من الطحين إلى أحد المخابز وخبزتهما، ثم وزعت الخبز على العائلات التي تسكن بالقرب منها داخل مركز الإيواء في بداية العشر الأوائل من ذي الحجة، مؤكدة أن الناس باتوا يحاولون إدخال الفرح إلى قلوب بعضهم بأبسط الإمكانيات المتاحة.
وتقول إن الأضحية قد تغيب بسبب الحرب والحصار، لكن قيم المشاركة والتراحم ما زالت حاضرة بين الأهالي الذين يتقاسمون الطعام والخوف والأمل، بانتظار أن تعود الحياة والأعياد إلى غزة من جديد.
وفي النهاية، يعكس هذا الواقع الصعب في غزة كيف تغيّرت تفاصيل العيد تحت ضغط الظروف المعيشية، لكنه في الوقت نفسه يبرز استمرار قيم التضامن بين الناس رغم قلة الإمكانيات. فحتى في غياب مظاهر العيد التقليدية، تبقى محاولات المشاركة البسيطة بين الجيران دليلًا على تمسك السكان بروح التكاتف والتخفيف عن بعضهم البعض، بما يمنح العيد معنى إنسانيًا يتجاوز شكله المعتاد.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *