الجزائر- “القدس العربي”: رغم انطلاق الحملة الانتخابية في الجزائر منذ خمسة أيام، لم تحسم السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات في القوائم النهائية التي ستدخل سباق التشريعيات المقررة في 2 تموز/يوليو المقبل إلا مساء السبت، مع تسجيل إقصاءات مؤلمة طالت العديد من الأحزاب والقوائم، بعد أسابيع من الجدل الذي أثارته المادة 200 من قانون الانتخابات والشروط المرتبطة بصحة الترشيحات.
وقد جاء الإعلان عن القوائم المقبولة والمرفوضة في وقت كانت فيه الأحزاب قد شرعت فعليا في حملاتها الانتخابية وعلقت صور مرشحيها ونظمت تجمعاتها الميدانية، ما جعل بعض قرارات الرفض المتأخرة تثير استياء واسعا لدى التشكيلات المعنية وبعض المترشحين الذين أصيبوا بالذهول من هذا القرار، حتى أن هناك من أصدر بيانات يعتذر من المواطنين الذين أظهروا مساندتهم بعد إعلان الترشح.
وخلال ندوة صحافية بالمركز الدولي للمؤتمرات بالعاصمة، كشف رئيس السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات بالنيابة كريم خلفان أن عملية دراسة ملفات التصريح الجماعي بالترشح أسفرت عن قبول 793 قائمة تضم 9854 مترشحا عبر مختلف الدوائر الانتخابية داخل الوطن، منها 613 قائمة تحت رعاية 32 حزبا سياسيا، إضافة إلى قائمة واحدة في إطار تحالف حزبي و125 قائمة حرة.
عملية دراسة ملفات التصريح الجماعي بالترشح أسفرت عن قبول 793 قائمة تضم 9854 مترشحا داخل الجزائر
أما بالنسبة للجالية الوطنية بالخارج، فقد تم قبول 54 قائمة تضم 432 مترشحا، منها 47 قائمة تحت رعاية 16 حزبا سياسيا وقائمة تحالف واحدة وست قوائم حرة، مقابل رفض 12 قائمة تضم 96 مترشحا كلها مقدمة من تسعة أحزاب سياسية.
وبصفة إجمالية، عالجت السلطة 854 ملف تصريح جماعيا بالترشح عبر مختلف الدوائر الانتخابية، قبلت منها 793 قائمة، في حين رفضت 61 قائمة تضم ما مجموعه 842 مترشحا.
وتظهر المعطيات التي قدمتها السلطة أن نسبة النساء بلغت 21 بالمئة من إجمالي المترشحين، بما يعادل 2032 مترشحة، فيما مثل الشباب أقل من 40 سنة أكثر من نصف المترشحين بـ5304 مترشحين، أي ما نسبته 54 بالمئة. كما بلغ عدد المترشحين الحائزين على مستوى جامعي 4673 مترشحا، أي نحو 47 بالمئة من المجموع العام.
وفي ما يتعلق بأسباب رفض الترشحات، أوضح خلفان أن أبرزها تعلق بوجود 1762 مترشحا اعتبروا “معروفين لدى العامة بالصلة بأصحاب المال والأعمال المشبوهة”، إضافة إلى 1141 مترشحا صدرت بحقهم أحكام سالبة للحرية دون أن يرد إليهم اعتبارهم قانونيا. كما تم تسجيل 571 حالة لعدم استيفاء شروط الترشح القانونية.
وشملت أسباب الرفض أيضا ما يعرف بالتجوال السياسي بالنسبة لـ72 مترشحا، وعدم التسجيل في الدائرة الانتخابية بالنسبة لـ62 مترشحا، والتأثير على حرية اختيار الناخبين أو حسن سير العملية الانتخابية بالنسبة لـ60 مترشحا، فضلا عن أسباب مرتبطة بالوضعية الجبائية وعدم استكمال الوثائق القانونية أو شغل وظائف تتنافى مع الترشح.
أما على مستوى القوائم، فقد بررت السلطة قرارات الرفض بعدم استيفاء العدد القانوني للمترشحين في عشر قوائم، وعدم استكمال شرط التزكيات الشعبية في 16 قائمة، وعدم احترام شرط تخصيص نصف الترشحات للشباب في 14 قائمة، وعدم إيداع ترشيحات بديلة بعد إسقاط بعض الأسماء في 18 قائمة، إضافة إلى حالات أخرى مرتبطة بالتمثيل النسوي أو المستوى الجامعي.
ورغم صدور هذه الأرقام الرسمية، فإن الأنظار اتجهت بشكل خاص إلى عدد من الإقصاءات التي مست أحزابا وشخصيات سياسية معروفة، بعضها وقع بعد انطلاق الحملة الانتخابية، ما زاد من حدة الجدل حول المسار الانتخابي.
ومن أبرز هذه الحالات سقوط قائمة حركة البناء الوطني بولاية الجزائر، أكبر دائرة انتخابية في البلاد بـ31 مقعدا. وأفادت مصادر من الحركة التي يرأسها عبد القادر بن قرينة أحد أبرز الموالين للرئيس عبد المجيد تبون، أن القائمة فقدت أهلية الترشح بعد إسقاط مترشحين اثنين وعدم التمكن من تعويضهما ضمن الآجال القانونية، ما أدى إلى إلغاء القائمة بالكامل. ويكتسي هذا القرار أهمية خاصة بالنظر إلى أن الحركة كانت قد حصدت ستة مقاعد في انتخابات 2021 بالعاصمة، ما يجعل غيابها عن المنافسة هذه المرة تطورا بارزا في المشهد الانتخابي.
كما أثار قرار إلغاء قائمة حزب جيل جديد بالدائرة الانتخابية الأولى في فرنسا، الخاصة بمنطقة إيل دو فرانس، ردود فعل داخل الحزب. وأكد رئيس الحزب لخضر أمقران أن القائمة كانت قد حصلت على الموافقة النهائية واستوفت جميع الإجراءات القانونية، بما في ذلك الفصل في الطعون والمصادقة على ورقة التصويت، قبل أن يتم إبلاغ الحزب بعد ثلاثة أيام من انطلاق الحملة الانتخابية برفض أحد المترشحين، وهو ما ترتب عنه إلغاء القائمة بأكملها. واعتبر الحزب أن القرار يثير تساؤلات بشأن استقرار القواعد المنظمة للعملية الانتخابية ويؤثر على ثقة المواطنين في المسار الانتخابي.
وفي دائرة الجالية أيضا، برزت قضية النائب عبد الوهاب يعقوبي، نائب الجالية الجزائرية بالخارج، الذي أعلن استبعاده من الترشح لعهدة جديدة تحت راية حركة مجتمع السلم، رغم إيداع ملفه وفق الإجراءات القانونية، حسب ما أكده في بيان مطول. وقال يعقوبي إن قرار الرفض استند في البداية إلى شبهة تتعلق بحالة تناف، قبل أن يتم خلال مرحلة الطعون التذرع حسبه، بسبب آخر يتعلق بالصلة بالمال والأعمال المشبوهة، وهو ما نفاه بشكل قاطع، معتبرا أن القرار حرمه من خوض الاستحقاق الجديد.
وانسحبت الإقصاءات على كل التشكيلات السياسية بما فيها أحزاب الموالاة الكبيرة، ففي ولاية ورقلة جنوب شرق البلاد، أعلن المكتب الولائي للتجمع الوطني الديمقراطي خروجه من سباق التشريعيات بعد رفض قائمته بسبب تطبيق المادة 200 من قانون الانتخابات. وعبرت قيادة الحزب محليا عن أسفها لهذا القرار، مؤكدة أن مناضلي الحزب كانوا يراهنون على مشاركة قوية في هذا الموعد الانتخابي.
نسبة النساء بلغت 21 بالمئة من إجمالي المترشحين، بما يعادل 2032 مترشحة، فيما مثل الشباب أقل من 40 سنة أكثر من نصف المترشحين بـ5304 مترشحين، أي ما نسبته 54 بالمئة
كما شهدت ولاية غليزان إقصاء قائمة جبهة التحرير الوطني من السباق الانتخابي، في خطوة أثارت استياء واسعا وسط مناضلي الحزب ومنتخبيه المحليين. وأرجع عدد من المنخرطين هذا الوضع إلى الصعوبات التي واجهتها عملية تعويض المترشحين الذين تم إسقاطهم في مراحل سابقة، ما أدى في النهاية إلى عدم استكمال الشروط القانونية المطلوبة. واعتبر كثير من مناضلي الحزب أن غياب الأفلان عن المنافسة في الولاية يمثل حدثا غير مسبوق، بالنظر إلى المكانة التي ظل يحتلها الحزب في الاستحقاقات السابقة.
وكانت السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، قد كشفت عن تسجيل 2370 طعنا أمام المحاكم الإدارية ضد قرارات رفض الترشحات، قبل منها 120 طعنا فقط تخص مترشحين وقوائم مترشحين، بينما تم رفض 2250 طعنا، ما يعكس حجم النزاعات التي رافقت مرحلة دراسة الملفات والفصل فيها.
ومع اتضاح الصورة النهائية للقوائم المعتمدة، تبدو الانتخابات التشريعية لهذه الدورة الانتخابية فريدة من نوعها من حيث النقاش السياسي الذي رافق الإقصاءات التي طالت آلاف المرشحين وأسقطت قوائم حزبية بأكملها. وتنص المادة 200 في فقرتها السابعة على اشتراط ألا يكون المترشح “معروفا لدى العامة بصلته بأوساط المال والأعمال المشبوهة، وتأثيره بطريقة مباشرة أو غير مباشرة على الاختيار الحر للناخبين وحسن سير العملية الانتخابية”.