ظل صراع الفتوات والحرافيش في الحارة المصرية يُشكل ملمحاً مهماً في الصورة السينمائية لفترة طويلة، بتأثير ما كتبه نجيب محفوظ عن هذا العالم الغامض المحكوم بالحديد والنار، بعيداً عن سُلطة الحكومة والقانون.
فبخلاف رواية «الحرافيش» الشهيرة التي أُخذت عنها مجموعة أفلام مثل «الحرافيش والجوع والمُطارد والتوت والنبوت»، ظهرت حكايات وقصص أخرى استعرضت جزءاً من الفلكلور الشعبي كان من بينها قصة «سعد اليتيم» التي كتبها الكاتب الراحل يسري الجندي، وتحولت إلى فيلم روائي طويل أنتج عام 1985، كتب له السيناريو – السيناريست عبد الحي أديب وقامت ببطولته نخبة من أشهر نجوم السينما المصرية والعربية، محمود مرسي وفريد شوقي وتوفيق الدقن وأحمد زكي ونجلاء فتحي وشويكار وكريمة مختار وأحمد بدير ومحمد وفيق وإبراهيم عبد الرازق وغيرهم.

وقد ركز السيناريو بشكل تجاري على المعارك التي دارت بين البطلين الرئيسيين من فتوات الحارة، فريد شوقي ومحمود مرسي، كانعكاس للصراع التقليدي بين قوتين متضادتين، تسعى كل منهما للسيطرة على مقاليد الحُكم في الحارة الشعبية، وقيادة المغلوب على أمرهم من العامة والدهماء وقليلي الحيلة، وهم الطبقة التي تُمثل الشعب الأعزل الذي يعتمد في بقائه على حماية الفتوات والبلطجية، والعيش في كنفهم نظير دفع الجباية.
تلك هي فلسفة النص الروائي الذي كتبه يسري الجندي واستخدم فيه لغة الإسقاط للتعبير عن فكرته الرئيسية القاطعة بأن البقاء دائماً للأقوى في ظل غياب القانون، وهو المفهوم الذي قام المخرج أشرف فهمي بتفعيله في كل تفصيله من تفصيلات الفيلم الإنساني الرومانسي السياسي الأكشن، وهي خلطة جاءت مكوناتها الثرية بشكل مقصود ومُتعمد لإبراز أكثر من معنى في إطار واحد. ولو حاولنا تحليل المشاهد الرئيسية كلا على حدة، سنجد أن العلاقة بين أحمد زكي «سعد اليتيم»، ونجلاء فتحي «صباح» ابنة الفتوة بدران، تُمثل البُعد الرومانسي للفيلم بمثاليته ومراميه الخيرة الطيبة، كأنها المُعادل الآخر لممارسات الشر والقتل والدماء.
وأيضاً، ترمز مشاهد التكية والدراويش وشخصية «كرامات» التي جسدتها كريمة مختار، إلى الخير المُطلق وحالة الصوفية المُنزهة عن المُكتسبات المادية والأطماع البشرية، غير أن هناك إشارة قوية، أو ربما عدة إشارات ذات دلالة بليغة إلى الوجود الصهيوني وضلوعه في الصراعات الدائرة بين الأشقاء العرب، وهو ما تضمنه الدور المحوري لتوفيق الدقن، المُرابي اليهودي الساعي إلى امتلاك التكية واغتصابها، بدعوى أن جده مدفون فيها وأنه صاحب الحق في حيازتها.
وفق هذه المعطيات تعددت المحاور وتداخلت المفاهيم، وبات للفيلم أكثر من قراءة، وللأبطال والحدوتة الدرامية أكثر من توظيف، وهو ما نجح المخرج أشرف فهمي في تضفيره داخل وحدة واحدة لربط العناصر الدلالية بعضها ببعض لتتجلى المعاني وتتكشف للمُتلقي كل الأبعاد بغير غموض أو لبس. ولعل المعارك الضارية التي دارت رحاها بين الفتوتين، «الهلباوي» فريد شوقي «وبدران» محمود مرسي، أوحت بفداحة الفتنة التي تسبب فيها العنصر اليهودي «موسى» توفيق الدقن، ذلك الرجل الماكر الذي تخلى عن مبادئ ديانته كرسالة سماوية وأخذ يُشعل الحرب بين القوتين المتصارعتين لتحقيق مآربه الشيطانية، والحصول على مكاسب تاريخية ليست من حقه، وهنا يتجلى الإلماح إلى القضية الفلسطينية بوصفها قضية كل العرب وأصل الصراع بينهم وبين القوى الصهيونية.
الغريب أن المخرج أشرف فهمي، بدأ فيلمه بجريمة قتل بشعة ومؤامرة دنيئة راح ضحيتها الرجل الطيب التقي محمد وفيق، الفتوة الحقيقي للحارة ورجل العدل فيها، كأن المعنى المراد تضمينه، هو أنه لا وجود للمثالية في واقع يأكل فيه القوي الضعيف ويستحل دمه، في إشارة إلى قتل قابيل لأخيه هابيل، حيث قتل بدران أخاه فاضل من أجل المال وحُب التملك والسيطرة، من دون جريمة أو جريرة غير انحياز فاضل لمبدأ العدالة ومحاولته إنصاف الفقراء.
وفي محاولة لتحقيق الأمنية الغالية على كل مواطن مصري وعربي، انتهت الأحداث بما لم يكن متوقعاً، رغم وقوع العديد من الضحايا وأعمال الحرق والشنق والإبادة، إذ تم القصاص من بدران محمود مرسي وتزوجت صباح من سعد اليتيم، وقُضي على جحافل الظُلم وذيولهم من الصبية والمُرتزقة وتهيأت الحياة لاستقبال الأجيال الجديدة لتنعم بالأمان والاستقرار في ظل قانون عادل وتطهير للواقع من رموز الفساد والجباية والظُلم وعملاء الاستعمار والمُرتشين والمُرابين والمُرتزقة، وعرف «زكريا» أو سعد اليتيم سليل الحسب والنسب من هو؟ ومن قتل أباه وأمه؟ وسر لوثة «حنجل» أحمد بدير الذي ظل طوال الأحداث يردد نداءه.. فين أراضيك يا زكريا؟ إشارة إلى الاسم الأصلي للبطل أحمد زكي الذي صار الفتى القوي الهُمام، الذي تحسب له الحارة ألف حساب بعد سنوات الضنى والظُلم.
كاتب مصري