ماذا يميز أفلام شهيرة مثل «للقبض على لص» To Catch Thief (1955)، لكاري غرانت وغرَيس كيلي، و»كيف تسرق مليون» How to Steal a Million (1966)، لأودري هيبورن، ونسختي فيلم «قضية توماس كراون» The Thomas Crown Affair (1968 و1999)، وكان الأول لستيف مكوين والثاني لبيرس بروسنان، وسلسلة أفلام «أوشن» Ocean، التي مثّل أغلبها جورج كلوني وبراد بت، والمكونة من خمسة أفلام حتى الآن و»اللص الجيد» The Good Thief (2002) لنك نولتي، كانت جميعا عن طريقة رومانسية ومثيرة للأعجاب لسرقة مبالغ كبيرة من المال أو تحف فنية. وتُظهر هذه الأفلام اللص بتميزه بالوسامة الواضحة، وأحيانا بمستوى تعليم مرموق وبأنه ذو مبادئ وأخلاق رفيعة وجذاب الشخصية، ويعتمد على ذكائه الخارق وقابلياته الجسدية وعلمية غير عادية لمن قاموا بها. على سبيل المثال أشعاعات الليزر التي يخترقها السارق أو السارقة، مثل كاثرين زيتا جونز في فيلم «الإيقاع في الفخ» Entrapment (1999).
ولا يتعرض السارق لأي أذى جسماني.. وتعجب الفتاة الجميلة دائما به وكأنه يقوم بعمل لإنقاذ البشرية، بل إنها تساعده على تحقيق هدفه مهما كان ذلك ضد القانون والمصلحة العامة. وينجو السارق عادة من العقاب ويتحول إلى بطل. وتبدو السرقات في هذه الأفلام كعملية ساحرة مليئة بالمغامرات وأصحاب المليارات.
دعونا ننتقل من عالم السينما اللامع إلى عالم الواقع القاتم، ونطرح السؤال التالي؟ هل هنالك علاقة بين العالمين، وهل هناك في الواقع ما يدعم صناعة السينما في ما تعرضه؟ لنبدأ بشخصية السارق في الحياة الحقيقية. إنه ليس ثريا أو وسيما أو متعلما، بل هو مجرم عادي غير متعلم ومعتاد على العنف، وعلى الأغلب ذو علاقة بالعصابات الخطيرة وتجارة المخدرات وعديم الاهتمام بالقيمة الفنية للتحفة المسروقة، بل لا يعرف أحيانا قيمة ما يسرق. أما طريقة السرقة، فهي بدائية للغاية وسبب نجاحها سوء أنظمة الأمن في المتاحف والمعارض والحظ، كما أن هدف السرقة محاولة بيعها بسعر أقل بكثير من قيمتها الحقيقية، وأثبتت التجربة صعوبة هذا، أو استعمالها كضمانة لقرض من عصابة. ومن الأمثلة الفكاهية لمشكلة التعامل مع المسروقات اللص الهولندي أوكتاف درهام، الذي قام عام 2002 بسرقة لوحتين من متحف فان كوخ في أمستردام بسهولة، إلا أنه ترك الكثير من الحبال والسلالم وقبعة، ما يعني الكثير من أدلة الحمض النووي، فألقي القبض عليه. وعلى الرغم من الهوة الكبيرة بين عالمي السينما والواقع، فهناك حالات نادرة للغاية يقوم فيها اللصوص بسرقة اللوحة ووضع نسخة مزورة منها مكانها، فبهذه الطريقة لن يكتشف أحد السرقة أصلا. وتتم هذه السرقات على يد موظفين داخل المتحف لأنها تستغرق وقتا طويلا، وكانت أشهرها في روسيا ومصر. ويتعرض لهذا النوع من السرقة كذلك أصحاب المجموعات الخاصة للتحف الفنية، حيث يكتشفون أن عاملي شركة النقل، أو من قام بالترميم، أو وضع الإطار للوحة قد قاموا بسرقة اللوحة الأصلية وتسليم نسخة مزورة منها.

وأهم مشاكل لصوص التحف الفنية من المتاحف هي، ما العمل بعد السرقة؟ ولهذا السبب تمتاز هذه الأفلام السينمائية بأنها تركز على عملية السرقة نفسها بينما تهمل ما يحدث بعد ذلك، فأحيانا يقوم السارق بإتلاف التحف المسروقة عندما يشعر بالضيق الشديد بسبب ملاحقة سلطات الأمن له، لأنها الدليل الدامغ على ارتكابه الجريمة. وفي الكثير من الحالات يجد اللصوص أنفسهم غير قادرين على بيع اللوحات المسروقة لأنها ببساطة شهيرة ومن الصعوبة إخفاؤها عن أعين الأجهزة الأمنية، فمثلا سرق لص لوحة للرسام الهولندي الشهير رمبرانت من متحف فرنسي عام 1971، ولم يستطع بيعها في السوق السوداء لسنوات طويلة، على الرغم من أنه خفض السعر من خمسة ملايين دولار الى خمسة وعشرين ألفا فقط، من دون أي نجاح. وكلما عرض الأمر على أشخاص جدد، عرف بأمره عدد أكبر من الناس مما سهل القبض عليه في نهاية المطاف.
أما إذا كانت التحفة مصنوعة من معدن نفيس، فسيكون مصيرها على الأغلب الانصهار لبيعها كسبيكة مما يدمر قيمتها التاريخية والفنية. وإذا كانت مصنوعة من المجوهرات، فإنها تقسم ويعاد صقلها، وأما بالنسبة لطريقة الحفاظ على المسروقات، فإنها عادة بالغة البدائية وغالبا ما تؤدي إلى الإضرار بالتحف المسروقة. ولهذا السبب أخذت سرقات اللوحات تقل مؤخرا على الرغم من زيادة سرقات المتاحف والمعارض في السنوات الأخيرة.
تظهر بين الحين والآخر فكرة قيام أحد أصحاب المليارات بتكليف جهة إجرامية بسرقة معروضات معينة من أحد المتاحف كي يضمها إلى مجموعته السرية أو بيعها. وقد دعم هذه الفكرة ادعاء لص قبض عليه بتهمة سرقة من متحف عام 2008 في البرازيل، أنه قام بالمهمة لصالح رجل أعمال في المملكة العربية السعودية. ولكن الخبراء يشككون في صحة هذه الفكرة ويسمونها «حالة الدكتور نو» لأنها ظهرت في فيلم «الدكتور نو» لشخصية جيمس بوند الذي عرض عام 1962. وكشفت بعض المصادر عن قيام اللصوص أحيانا بسرقة معروضات ثمينة من متحف ثم عرض إعادتها على شركة التأمين مقابل مبلغ كبير، ولكنه أقل من قيمتها، وأن شركات التأمين تقبل هذا العرض، فتعاد المسروقات وتوضع في أماكنها في المتحف من دون الكشف عن ما حدث.
إذا ظن القارئ أن أنظمة الأمن في المتاحف والمعارض بالغة التعقيد ومحصنة بشبكات إشعاعات الليزر السينمائية، فسيصاب بخيبة أمل كبيرة عند معرفته الحقيقة، فهذه الإشعاعات لا وجود لها في الحقيقة. ولكن بعض المتاحف تستعمل أجهزة رادار تعمل بأشعة الليزر، وهي غير مؤذية على الإطلاق. ومن الغريب أن أغلب المتاحف ومعارض اللوحات الشهيرة تستعمل أنظمة أمن بدائية نسبيا. ومما يجعل سلامة المعروضات أكثر سوءا أن المتاحف ليست حصون منيعة لأنها مفتوحة للزوار، وتحدث أغلب سرقات المتاحف في أوقات فتح المتاحف، كما أن حراس المتاحف ليسوا جنودا من القوات الخاصة، بل، أشخاص عاديون ومعظمهم من كبار السن.
ومن المعروف أن بعض السرقات الشهيرة اعتمدت على متعاونين من داخل المتاحف، حتى إن السرقة بأكملها قد تتم على يد أحد الموظفين كما حدث في المتحف البريطاني الشهير. وتزداد الصورة قتامة حين نعلم أن الكثير من السرقات تحدث أثناء أعمال الصيانة في المتاحف. وبعض أنظمة الأمن في المتاحف بالغة السوء، ففي عام 1990 رن اثنان من الشرطة جرس متحف أيزابيلا ستيورت غاردنر في بوسطن في الولايات المتحدة الأمريكية أثناء الليل. وفتح أحد الحرس الباب ليكتشف أن الشرطيين كانا في الحقيقة لصين متنكرين في زي الشرطة. وكانت النتيجة سرقة لوحات بقيمة ثلاثمئة مليون دولار، ولم يعثر على اللوحات المسروقة أو اللصوص حتى الآن. وفي الساعة السادسة والنصف من صباح الثاني والعشرين من شباط/ فبراير عام 1994 كسر لصوص شباك الطابق الأول من متحف منش في العاصمة النرويجية ودخلوا لسرقة لوحة «الصرخة» الشهيرة والخروج بها. ونجحوا في تحقيق ذلك خلال خمسين ثانية، كما تركوا رسالة في المتحف يشكرون الإدارة فيها على سوء أنظمة الأمن. ولحسن الحظ تم العثور على اللوحة الشهيرة بعد ذلك. ولكن حكاية اللوحة لم تنته حيث اقتحم لصوص مقنعون ومسلحون عام 2004 المتحف أثناء ساعات العمل مهددين العاملين والزوار وسرقوا اللوحة نفسها بالإضافة الى لوحة ثانية، ولكن أحد المارة صورهم أثناء هروبهم وتم العثور على اللوحتين في حالة متضررة. ولم تستغرق هذه السرقة أكثر من دقيقة واحدة. وهنالك طبعا سرقة متحف اللوفر العام الماضي، التي لم تستغرق أكثر من ثماني دقائق وتمت سرقة أشهر المجوهرات التاريخية في فرنسا.

وعلى الرغم من ازدياد سرقات المتاحف في العالم مؤخرا، تدعي الشرطة الفرنسية أن سرقات المتاحف في فرنسا لم تزدد في السنوات الأخيرة، فعددها ما يزال يتراوح بين الخمس عشرة والخمس والعشرين في السنة الواحدة، وكأن هذا العدد مقبول جدا بالنسبة لها. ومع كل ذلك تعد أجهزة الأمن سرقة المتاحف من عمل أغبياء عالم الإجرام. ولكن في الوقت نفسه نجد هؤلاء «الأغبياء» قادرين بسهولة على القيام بسرقة المتاحف، فمن هو الأغبى اللصوص أم إدارة تلك المتاحف؟ وعلى الرغم من أن الكثيرين منهم ينتهي بهم المطاف في السجن، فالأضرار التي يسببونها هائلة ٳذ فقدت فرنسا وألمانيا وإسبانيا بعض أشهر آثارها بسبب السرقة، لأنها كانت على شكل حلي من الذهب أو المجوهرات. ويقدر مكتب التحقيقات الفدرالي أن القيمة الإجمالية للمسروقات من المتاحف العامة والمجموعات الخاصة والمعارض حوالي ستة مليارات دولار سنويا.
لم تستند قصص الأفلام السينمائية على سرقات حقيقية للقطع الفنية، على الرغم من اقتباسها أحيانا بعض التفاصيل الصغيرة من الواقع، ولكن الفيلم الأقرب إلى حادثة حقيقية كان «الدوق» The Duke الذي عرض عام 2020 وكان من تمثيل جيم برودبينت وهيلين ميرن، وكان عن سرقة حدثت عام 1961.
هنالك أسئلة كثيرة تطرح عن سبب نجاح هذه الأفلام السينمائية. وقد يكون السبب أن خطورة عمليات السرقة فيها تثير المشاهد. وقد يكون السبب الحقيقي أن كلا من المشاهدين يتمنى أن يكون السارق بشكل غير إرادي، فالجميع يريد الثراء السهل وأن يصبح بطلا وسيما يثير إعجاب النساء لا سيما أن السارق في الفيلم ينجو دائما. وفي نهاية المطاف نستطيع القول، إن السينما تبيع لنا الوهم، لكن المتاحف والتراث الإنساني يدفعان الثمن الحقيقي.
باحث ومؤرخ من العراق