لاحتْ من بعيد
منذ أن نزلتُ تطوانَ، كانت لا تمر أيامٌ قلائل حتى أتطلع إليها من ساحل المضيق أو من الفنيدق، وهي تلوح لي؛ أحيانا من بعيد البعيد الذي يسحب وراءه نوستالجيا ثخينة، وأحيانا أقرب من أندلس أحلامي، تُراوده بغنج ونفس مكتوم. صارت سبتة، بالنسبة إلي، شأنا داخليا، علاقة ترقيم ذات رجع خاص في سيرورة خطابي الشخصي. حين زار الباحث التونسي محمود عباس العامري تطوانَ لمناسبة أكاديمية، وهو المسكون بتاريخ الأندلس، بل إن سؤالها المعرفي يحظى عنده بأهمية خاصة من خلال «ندوة الأندلس» التي يرعاها في سبيطلة (جامعة القيروان- تونس)، تواطأنا معا على العبور برا إلى سبتة، إلى باب سبتة، كأنا نريد أن نصل رَحِما ووشائج قربى. طوال الطريق التي ازدهرت في مطالع أبريل/ نيسان بألوان الزهر والنبات، كُنا نتنسم روائحَ من الفردوس المفقود، من الياسمين والخزامى والبنفسج والريحان وإكليل الجبل، وكان حديثنا يصطبغ بشذاها الشارد. ما إن بدا مرأى سبتة يقترب أكثر، وهي تربض خلف سياج حدودي من أسلاك شائكة يتلوى حولها مثل أفعى، وخلف الصمت المريب، حتى انقطع الحديث بغتة كأنه يفسح الهواء لنسمع هبوب ريح من خلل أشجار الزيتون والسنديان. ذهلتُ، وجواري محمود يحاول أن يلتقط ماذا تقول الريح. نزلنا من السيارة، وترجلْنا بضع خطوات. سرحنا بنظراتنا في المكان: بوابة يقوم عليها رجال بلباس عسكري ومدني، حركة اعتيادية لبشر يخرجون أو يهمون بالدخول، سيارات أجرة، شباب متفرقون كأن بهم جوعا يدغدغ أحلامهم للعبور، وخلف المشهد تراجيديا ما زالت تُروى.
يحاول محمود أن يفهم، ووجدتُ نفسي بغير ترتيب مسبق أقرأ عليه من هاتفي المحمول أبياتا من قصيدة محمد الحلوي (1922- 2004)، «في رحاب سبتة»: «لاحت رباها الخضر شاحبة الرؤى خلف الحدودِ/ حسناء ترفل في السلاسل والغلائل والقيودِ/ أجري وراها في جنونٍ وهي تُمْعن في صدودي/ كالفَجر طَلْعتُها الوضيئة، في ابتسامات الورودِ/ قد قاومتْ كر الزمان كأنها بنت الخلود/ وأبتْ روابيها الشوامخُ أن تطأطِئ للسجود/ شمخت بِعزتها كما كانت على عهد الجدودِ/ وقفتْ تراقب من بعيد زحف فتيتها الأسودِ/ لاحت فكفكفت الدموع وتاه عقلي في شرودِ». أقرأ بنبرةٍ حرى، بل نبرتُ أكثر على «زحف فتيتها الأسودِ» حتى كادت غصةٌ تشرق بي.
ما يجري في سبتة اليوم يُشْرع أكثر من حكاية ودرس، من سبتة المغربية إلى جيب الاحتلال الإسباني. هذا ليس مجرد عبور أو «هروب جماعي»، ولا هو بند على طاولة المستقوين بتاريخهم الإمبريالي المُخزي. إن سبتة وحدها درس عظيم لمن يريد أن يفهم، بل أن ينجو أمام تاريخ متسارع لا يرحم. درسها الذي ينتسج من قصص مأساتها التاريخية، ومن السردية الكولونيالية وأفقها العابر للحدود، ومن تراجيديا الوطن وضيق أفقه السياسي الذي يدفع فاتورته شبابٌ مغربي حالم بالتغيير ومعهم فقراء العالم ويائسوه، ثُم من مِنصات الخوارزميات الرقمية التي تزيف الوعي وتركب مع العابرين.
نور الدين الزويتني: من أجل سرديات بديلة
تُظهر موجة الهجرة الأخيرة للشباب نحو مدينة سبتة، أن الظاهرة لا يمكن اختزالها في مجرد عبور حدود أو بحث عن فرص اقتصادية، بل هي تعبير عن أزمة مركبة تتداخل فيها العوامل الاجتماعية والسياسية مع البنى الرمزية والتخييلية. فالشباب الذين اندفعوا نحو البحر أو اقتحموا الحدود لم يكونوا مدفوعين فقط بواقع البطالة وضيق الأفق السياسي، بل أيضا بما تراكم في مخيلتهم من سرديات تجعل من أوروبا صورة للفردوس الموعود.
إن الأدبيات الأكاديمية تشير إلى أن قرار الهجرة يتجاوز الحسابات المادية المباشرة، لأنه يتشكل عبر روايات ثقافية وصور ذهنية تُغذيها وسائل الإعلام، وشبكات التواصل، وقصص المهاجرين السابقين. كما يرى باحثون مثل غليك شيلر وسالازار، أن الهجرة فعل تخييلي بقدر ما هي فعل واقعي، حيث يتصور الأفراد أن عبور الحدود سيمنحهم حياة أفضل، حتى إن كان الواقع في الضفة الأخرى أكثر قسوة مما يتخيلون. بعبارة أخرى، إن الهجرة لا يمكن تفسيرها حصرا من خلال نماذج الدفع والجذب الاقتصادية. فبين الفقر وقرار الرحيل تتشكل بنية ثقافية أعمق قوامها المخيال الاجتماعي العابر للحدود، الذي تراكم تاريخيا من خلال الذاكرة الجماعية، والشبكات الأسرية، وتجارب الهجرة المتعاقبة. وفي المجتمعات الشبكية، يكتسب المشهد الإعلامي الدينامي للهجرة Migration Mediascape أهميته بوصفه الفضاء الذي يضخم هذا المخيال، ويوسع نطاق تداوله، ويكثف حضوره، ويعيد تحديثه باستمرار عبر الصور، والقصص، والمنصات الرقمية. طبعا لا ننكر أن الفوارق الاقتصادية قد تخلق الرغبة وإمكانية الهجرة، لكن المخيال الاجتماعي هو الذي يحولها إلى أفق جماعي للتطلع، بينما يتولى المشهد الإعلامي إعادة تدوير هذا الأفق وتعزيزه وترسيخه في الوعي الجمعي جيلا بعد جيل.
كخلاصة يمكن القول، إن الهجرة في المغرب، تبدأ بدرجة أكبر، داخل العالم الرمزي، الذي جعل أوروبا مألوفة للمغاربة عبر التاريخ، أكثر مما تبدأ عند الفنيدق، أو سبتة أو المطار. فشاشة الهاتف الذكي، والمهاجر العائد، والشبكات العائلية، وزائر الصيف، ومؤثر الهجرة، والقنوات والحسابات والمنتديات الافتراضية، جميعها تسهم في تضخيم الأفق العابر للحدود الذي ورثه المجتمع عبر تاريخه. ولذلك، فإن المشهد الإعلامي للهجرة لا يخلق الأفق العابر للحدود من العدم، بل يعيد إنتاجه وتضخيمه وترسيخه في المخيال الجمعي، حتى تغدو الهجرة في الوعي الشعبي ليست مجرد قرار فردي أو إمكانية واقعية، بل حقيقة اجتماعية متخيلة، تصبح معها الهجرة أفقا حضاريا متخيلا، ومسارا اجتماعيا مشروعا، وتوقعا ثقافيا تتوارثه الأجيال.
مع ذلك، تكشف الأحداث الأخيرة، وبشكل ملح، حاجةَ المغرب إلى تطوير قوته الناعمة، أو Soft Power، أي القدرة على صياغة سرديات مضادة تُعيد تشكيل خيال الشباب وتفتح أعينهم على إمكانيات داخلية بديلة. فبدلا من أن يظلوا أسرى لصور أوروبا كجنة الفردوس، ينبغي أن تُبنى روايات وطنية جديدة تُبرز فرص الإبداع وريادة الأعمال والانفتاح الثقافي داخل المغرب نفسه. إن الاستثمار في هذه القوة الناعمة، عبر التعليم والإعلام والسياسات الثقافية، يمكن أن يحد من انجذاب الشباب إلى سرديات الهجرة، ويمنحهم أدوات لتصور مستقبلهم في وطنهم. فمعالجة الهجرة إذن مسؤولية مزدوجة: إصلاح البنى الاجتماعية والسياسية التي تدفع الشباب إلى المغامرة، وفي الوقت ذاته – وبموازاة مع ذلك- بناء سرديات بديلة تُعيد توجيه خيالهم نحو الداخل، بما يعزز الانتماء، ويحد من نزيف الطاقات البشرية. ومن المفيد هنا النظر إلى تجارب دول أخرى نجحت في توظيف القوة الناعمة للحد من الهجرة، مثل بعض دول آسيا التي استثمرت في التعليم والإعلام لتشكيل صورة إيجابية عن الداخل، ما جعل الشباب أكثر ارتباطا بأوطانهم وأقل انجذابا إلى الخارج.
إيمان الخطابي: تكلفة «الجار السعيد»
استيقظتُ صباحا على صوت جلبة غير اعتيادية، أزحت ستار النافذة المطلة على الشارع. أعداد هائلة من الشباب المهرول على امتداد الشارع الأطول في المدينة. خطر لي للوهلة الأولى أن الأمر يتعلق بماراثون رياضي، لكن المهرولين كانوا بهيئات مختلفة وسحنات حالكة. أطفال ونساء وشباب يدبون مثل النمل في اتجاه خط سير واحد؛ خط الطريق الواصل بين تطوان وسبتة. انتظرت انتهاء خط العابرين واختفاءه، لكن الخط بدا متواصلا ولا شيء يبشر أنه سينقطع قريبا. تذكرت أحداث البارحة وصورة الفتاة التي وصلت سباحة إلى الثغر المحتل، استرجعت الجدل الذي أثير في مواقع التواصل الاجتماعي عن شارة النصر التي رفعتها الفتاة، عن تكلفة مقوم الأسنان الذي أبرزته ابتسامتها العريضة، عن ثمن لباس الغوص الذي ترتديه، عن سيارة والدها التي ادعى أحدهم أن ثمنها يقدر ببضعة ملايين سنتيم مغربي، عن ادعاء آخر أن الفتاة يتيمة الأب.. لغط كثير ولا شيء مؤكد سوى أن ما يحدث في هذا التوقيت، في هذه البقعة الأرضية من العالم، شيء مقلق ومهين ومؤسف. ساعات قليلة وانتشرت الفيديوهات والصور والأحداث والتصريحات والتحليلات مثل مفرقعات نارية.
لم أشعر في حياتي كلها بالشعور القاتم الذي شعرت به هذه الأيام؛ بهذا القدر من الهوان، بهذا القلق العميق على مستقبل أبنائي الذين أنجبتهم هنا، بهذا الجرح الذي لا أستحقه، بالحزن الكبير على كل أولئك الموتى والمفقودين والهاربين والعالقين، وحتى العائدين كرها إلى وطن لا يشعرون بالانتماء إليه، ولا يثقون أنه سيمنحهم شيئا مما يستحقون الظفر به. هل غُرر بكل هؤلاء الفارين؟ هل فروا من تلقاء أنفسهم؟ هل تم تحريضهم على ذلك؟ هل هناك مدعاة لهذا النزوح المأساوي؟
هل غرقت كل تلك الأرواح عبثا في أحد أجمل شواطئ المتوسط؟ هل تم تقديم هذه الأرواح المحرومة قربانا لإله؟
الأسئلة كثيرة وحارقة. وموقع مدينة سبتة الأسيرة، المحاذي للموجة التي تربط المغرب وتفصله عن القارة الأوروبية، هو حظنا كمغاربة، وسوء حظنا في الوقت نفسه. ولدت أنا وكثيرين هنا على هذه الحدود الملغومة، عشت ومكثت هنا، بينما هاجر إخوتي الستة وآلاف الشباب الباحث عن فرصة عيش أفضل.
قبل إغلاق معبر تاراخال في جائحة كوفيد، كان مجرد الانتماء لمدينة تطوان بشهادة الإقامة والسكنى، يخول لنا دخول سبتة، من دون حاجة لأي تأشيرة عبور. ندخل المدينة الصغيرة المتحزمة بالبحر منذ ساعات الصباح الأولى؛ نجوب شوارعها، نأكل في مطاعمها، نبتاع أغراضنا من متاجرها، نملأ رئاتنا بهوائها السعيد، ثم نعود أدراجنا آخر النهار، وفي القلب شيء من حسرة. مدينتان متجاورتان نابتتان في أقصى شمال افريقيا، واحدة عند أهلها، والأخرى عند محتلها، لكن واقعهما مختلف تماما؛ طبيعة الحياة مختلفة، مزاج العيش مختلف، ترددات الطاقة في المكانين التوأمين مختلفة. الألوان والسحنات والروائح ولغة الأجساد أيضا مختلفة… فوارق سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية، عمقت هذا الجرح النازف باستمرار في بقعة جغرافية، وجدت نفسها أمام مرآة عاكسة. مواطنون شاهدوا نموذجا لتدبير حياة كريمة بمقدرات متواضعة على مقربة منهم، فطمعوا بمثله وحلموا به. عقود طويلة من الارتماء في عرض البحر بدل تغيير ما يجري فوق اليابسة، عقود طويلة من مراقبة الجار السعيد، بدل انتزاع الحق في السعادة والكرامة.
محمد ميلود غرافي: المغرب بسرعتين
ما يثير الاستغراب أمام ما رأيناه على شاشات تلفزيونات العالم (ما عدا تلفزيون المغرب الرسمي) ومواقع التواصل الاجتماعي ليس هو الحدث نفسه، بل شكل الحدث وطريقته وتوقيته وسرعته. بالنسبة للحدث نفسه، لو فتحت أبواب الهجرة نحو الشمال الأوروبي لخلت افريقيا كلها وجزء كبير من آسيا من شعوبها. هذا أمر لا غرابة فيه في ظل الفارق الحضاري والاقتصادي والاجتماعي بين العالم الغربي وبقية بلدان العالم. لكن الأمر الغريب والمؤلم هو أن يدخل هذا الكم الهائل إلى سبتة في أقل من يومين بتلك الطرق التي شاهدناها جميعا، وكأن المغرب يعيش حربا فظيعة، أو كأن أوروبا هي فعلا جنة الإلدورادو.
هذه الهجرة الجماعية الفريدة من نوعها نحو سبتة المحتلة، تحمل دلالات شتى، منها بشكل خاص أن الشباب المغربي يفضل العيش تحت الاحتلال الإسباني للأراضي المغربية على العيش داخل وطنه. وهذا ما يدق ناقوس الخطر في حاضر هذا البلد الذي يمشي بسرعة فائقة في بنياته التحتية، ويراوح مكانه في مجال التعليم والصحة والشغل. ثم هناك شيء آخر لا يقل أهمية يستدعي من المسؤولين في هذا البلد وضع مسار التنمية الاقتصادية والتنمية البشرية وكرامة المواطن فوق سكة واحدة. ذلك أن الذي عاش مرحلة الثمانينيات من جيلي يدرك أن أحلام شباب الهجرة غير الشرعية قبل التسعينيات كانت بدوافع اقتصادية بحتة. أحلام شباب اليوم بمن فيهم الكثير من أبناء الطبقات الوسطى، تتجاوز ذلك إلى البحث عن قيم معينة منها، خاصة قيم الكرامة والإحساس بالمواطنة الحقة. ماذا يعني أن تسكت حكومة بكاملها والتلفزيون العمومي بكامله عما حدث، إن لم يكن ذلك استخفافا بالمواطنين الذين يشكل احترامهم الأدنى أن تجيب السلطات المعنية على تساؤلهم المركزي: كيف يحصل هذا الحدث في بلد تشهد له الدول العظمى بخبرته في المجال الأمني والاستخباراتي؟ لماذا يُترك المواطن المغربي لمدة أسبوع تقريبا في حالة من الاستغراب وعرضة لتفسيرات هيتشكوكية تتراوح بين المؤامرة الخارجية والتواطؤ الداخلي وغيرهما؟
الحقيقة الثابتة هو أنه مهما كانت أسباب هذه الهجرة الجماعية ومهما كان الواقفون وراءها فإنها، تدل على أن شبابنا ما زال يحلم بمغادرة الوطن. لماذا؟ هذا هو السؤال الذي يتطلب من المسؤولين الإجابة عنه إذا كانوا يرغبون حقا في تنمية البلاد.
إحساين بنزبير: أكتب كما لو أحتضر
فجأة، شيء ما يحدث. وفي الماء نحو سبتة. ذلك الجيب الجغرافي في قلب أرض المغرب. فجأة، في الماء رأيتُني أحاول أن أرى وأن أسمع هسيس فاجعة ما في ماء لا ينام. نعم. أكتب هذه الكلمات واللغةُ الوطنُ يسترسلان بين سرعة الصور في شيخوخة العالم. هنا، شيء ما يحدث في الماء نحو سبتة، حيث أجساد مغربية تهرول في الماء سابحة. أهو عبور أو هجرة أو شيء آخر لا اسم له؟ وأمام السرديات السياسية الكبرى ووهم الحقيقة، الماء يتحمل وزن الأجساد وطاقات اليأس. نعم، إنهم مغاربة وطن جريح. أجساد ربما ترسم فاجعتها في الماء. وصكوك السياسة تتهشم في كلام يحفر خطابا ميكروفاشيا. والماء المتوسطي يقترن بانهيار الوجود، وخراب الكينونة، وأوضاع الضعف، والسلبية، والعجز، ونهاية عالمٍ ما، وانقطاع الصلة بين الإنسان وذلك العالم. كأن الماء البحري فيه ليل أبيض وحليب أسود. حليب المرارة والألم. والضوء نادر. والموت يغازل جثة مغربية تعود. تعود لتشهد وتصرخ في وجه ذئاب السياسة التي تفتقر إلى ما يمكن أن نسميه بفكر يفكر في القادم. هذا الجسد السباح يتهشم في تراجيديا كما لو كوميديا أمام دبلوماسية غريبة صارت وحشا. أجل، كيف لي أن أكتب في جثة فقدت لسانها وصوتها؟ كيف لي أن أكتب لألعن كل هذه الخطابات السياسية الفجة والفارغة من أبجديات الفكر والتدبير؟ ثم، هذه الأجساد في الماء ونحو سبتة تتكتل حول حفيف غريب لحشرة عند الهامش. الهامش المغربي الجميل في الماء يحتضر ليهيئ أنطولوجيته التراجيدية في تاريخ مبني للمجهول. السياسي يحلل والجسد المغربي يسبح في بلاغته الخصوصية نحو سبتة. السياسي يتعجرف والجسد المغربي يتيه في موته المقبل…
فما الذي يعنيه أن أفكر في هذه اللحظات من الاحتضار الجماعي، أي أن أكتب انطلاقا من فضاء متشظ، وفقدان السيطرة لغويا. الفاجعة هنا تسكننا في سيرورة رهيبة لا نهاية لها. كأنني أكتب كما أحتضر مع هذا الجسد المغربي نحو سبتة. نعم، أحتضر مع جثة عادت إلى تربتها القصية. نعم، كلنا نحتضر في فاجعة وأحاول أن أفهم في عالم صار غريبا عني. لذلك أكتب وأموت مع جثة مغربية تكتب طاقة يأسها وشرفها الهائل.
كاتب مغربي