سباق التسلح والإنفاق الدفاعي.. “كل دولة تدافع عن نفسها”


مع عودة ترامب إلى البيت الأبيض، أدرك الجميع ضرورة الاهتمام بأمنهم. فعلى خلفية الحرب في أوكرانيا والتهديد الروسي، قفز الإنفاق الدفاعي في أوروبا، بأسرع وتيرة منذ عام 1953. أما في الشرق الأقصى، فتتجه الياباننحو التخلي عن السلمية، وتستعرض الصين قوتها. بينما تحتل إسرائيل المرتبة الثالثة عالميًا في الإنفاق الدفاعي نسبةً إلى الناتج المحلي الإجمالي.

الأرقام وراء سباق التسلح العالمي

2.887 مليار دولار – المبلغ الذي أنفقته دول العالم على الدفاع في العام 2025، بزيادة قدرها 2.9 في المئة مقارنةً بـالعام 2024، والعام الحادي عشر على التوالي من الزيادات. هذا ما جاء في التقرير السنوي لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI)، الذي نُشر هذا الأسبوع. إن التباطؤ الظاهر في معدل النمو السنوي – 2.9 في المئة هذا العام مقارنةً بـ 9.7 في المئة في عام 2024 – مُضلل، إذ يعود أساسًا إلى انخفاض الإنفاق الدفاعي بنسبة 7.5 في المئة من قِبل الولايات المتحدة، أكبر مُنفق في العالم، والتي أوقفت تمويل المساعدات العسكرية لأوكرانيا.

تكمن دراما أكبر وراء هذه الأرقام: موجة التسلح، التي بدأت في العقد الماضي واكتسبت زخمًا في عام 2022 مع غزو أوكرانيا، اشتدت هذا العام لاعتقاد سائد ببدء حقبة سياسية جديدة. وكان العامل المُحفز هو عودة ترامب إلى البيت الأبيض، ما قوّض النظام العالمي وأضفى شعورًا بالإلحاح على جهود التسلح.

إن الاستنتاج الذي توصلت إليه العديد من الدول هو: من الآن فصاعدًا، على كل دولة أن تعتني بنفسها. لقد قادت أوروبا عملية تعزيز القدرات العسكرية العام الماضي، بزيادة قدرها 14 في المئة لتصل إلى 864 مليار دولار أمريكي، وهو أسرع معدل نمو بين دول حلف الناتو الأوروبية منذ العام 1953. وقد أدى إدراك القارة الأوروبية أنها ستضطر للدفاع عن نفسها حتى من دون الولايات المتحدة، في ظل تهديدات ترامب المتكررة بالانسحاب من حلف الناتو وضغط إدارته على الاتحاد الأوروبي لتحمل عبء هذه النفقات، إلىسلسلة من القرارات غير المسبوقة.

أوروبا تستيقظ

كما سجلت آسيا والمحيط أكبر زيادة في الإنفاق العسكري خلال 16 عامًا، بنسبة 8.1 في المئة، ليصل إلى 681 مليار دولار أمريكي، حيث يزيد حلفاء الولايات المتحدة في الشرق من إنفاقهم نتيجة لتصاعد التوترات مع الصين، والشكوك التي يثيرها ترامب حول التزام الولايات المتحدة.

سيُذكر يوم 28 شباط 2025 باعتباره اليوم الذي أدركت فيه أوروبا أنها وحيدة: فقد شكّلت المشادة الكلامية الحادة في القاعة البيضاوية بين ترامب ونائبه جيه دي فانس والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، والتي تحولت إلى تبادل للشتائم، نهاية حقبة الدفاع الأمريكي التلقائي عن القارة في الخطاب العام. ومنذ ذلك الحين، شكك الرئيس الأمريكي في التزام دول الناتو بالأمن المشترك، وعرض التزام الولايات المتحدة بضمانات محدودة، بل وهدد ضمنيًا بغزو عسكري لغرينلاند – وهي منطقة تخضع للسيادة الدنماركية، وبالتالي فهي أوروبية.

وإلى الشرق، واجهت القارة حربًا روسية “هجينة” متصاعدة: ففي أيلول الماضي، اجتاحت طائرات مسيرة مجهولة الهوية سماء كوبنهاغن وأوسلو ووارسو وبروكسل، مما أدى إلى إغلاق المطارات وتعطيل الحياة المدنية. وتشير تقديرات الاستخبارات في القارة إلى أن العام 2029 هو الموعد المستهدف الذي حدده فلاديمير بوتين لجيشه – الذي يكافح لتغطية أكثر من بضعة كيلومترات سنويًا على الجبهة الأوكرانية – ليكون جاهزًا للمواجهة مع الدول الأوروبية. إذا كانت أوروبا، منذ الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022، تبدو وكأنها تكافح للاستيقاظ، فقد استيقظت هذا العام دون خيار آخر؛ ففي قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في لاهاي في حزيران، تعهد الحلف برفع هدف الإنفاق الدفاعي من 2 في المئة إلى 5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035. وفي آذار، قدم الاتحاد الأوروبي خطة تسليح بقيمة 800 مليار يورو بحلول عام 2030. كما أصبح تمويل المساعدات العسكرية لأوكرانيا مسؤولية أوروبية. وفي العديد من دول القارة، بما فيها فرنسا وبريطانيا، عادت مسألة كيفية تجنيد أعداد كافية من الجنود للجيش في حال نشوب حرب إلى الواجهة، وتم إطلاق برامج جديدة لتشجيع التجنيد الإجباري.

أبرز الدول

ثمة دولتان برزتا بشكل خاص؛ احتلت ألمانيا المرتبة الرابعة عالميًا من حيث الإنفاق الدفاعي هذا العام، بعد الولايات المتحدة والصين وروسيا: فقد أنفقت 114 مليار دولار في عام 2025 – بزيادة قدرها 0.24 في المئة. ووعد المستشار فرايدرايخ ميرز بجعل الجيش الألماني “أقوى جيش تقليدي في أوروبا”، ووافق على نموذج تجنيد جديد لزيادة عدد أفراد الجيش، وأعفى الإنفاق الدفاعي من الحد الدستوري للدين. ولا تواجه ألمانيا قيودًا مالية باهظة فحسب، بل تبعات الماضي التي جعلت المشاركة العسكرية شبه مستحيلة.

من جهة أخرى، تقود بولندا تعزيز القدرات العسكرية في حلف الناتو منذ سنوات، مع الاعتقاد بأنها قد تكون الهدف التالي لبوتين بعد أوكرانيا. خصصت وارسو 46.8 مليار دولار أمريكي لعام 2025، بزيادة قدرها 23 في المئة، مكملةً بذلك قفزة بلغت 207 في المئة خلال العقد الماضي. ويُعدّ عبء الدفاع لديها، الذي يُمثل 4.5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، الأعلى في الحلف.

وفي إطار عملية شراء ضخمة، طلبت وارسو مئات دبابات “أبرامز” من الولايات المتحدة، وألف دبابة كي 2 من كوريا الجنوبية. وحدد رئيس الوزراء دونالد توسك، هدفًا لزيادة قوام الجيش من 200 ألف إلى 500 ألف جندي، بل وتطرق إلى ضرورة الردع النووي.

أما أوكرانيا، التي تخوض حربًا ضد الجيش الروسي منذ أكثر من أربع سنوات، فقد تصدرت قائمة الدول الأكثر إنفاقًا على الدفاع، حيث بلغ إنفاقها الدفاعي حوالي 40 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي.

الشرق والولايات المتحدة

في الشرق الأقصى، قفز الإنفاق بنسبة 8.1 في المئة، وهي أسرع وتيرة منذ عام 2009. والسبب: مزيج من تنامي القوة العسكرية الصينية، التي ارتفع إنفاقها الدفاعي بنسبة 7.4 في المئة ليصل إلى 336 مليار دولار، إلى جانب شكوك ترامب بشأن التزام الولايات المتحدة تجاه حلفائها. وتشير وكالات الاستخبارات إلى أن عام 2027 هو الموعد الذي سيصدر فيه الرئيس الصيني شي جين بينغ أوامره لقواته العسكرية للاستعداد للاستيلاء على تايوان بالقوة.

وتتصدر اليابان المشهد بإنفاقها 62.2 مليار دولار، بزيادة قدرها 9.7 في المئة، وهي أعلى نسبة من الناتج المحلي الإجمالي تُخصصها للدفاع منذ عام 1958، حيث بلغت 1.4 في المئة. وتتبنى رئيسة الوزراء، تاكايتشي، أول امرأة تشغل هذا المنصب، والتي حققت مؤخرًا فوزًا تاريخيًا في الانتخابات، نهجًا متشددًا، وتدعم تعديل الدستور السلمي، ودخلت في مواجهة دبلوماسية حادة مع الصين بشأن تايوان، كما وافقت مؤخرًا على تخفيف قيود صادرات الأسلحة اليابانية بشكل كبير.

في المقابل، سجلت الولايات المتحدة انخفاضًا بنسبة 7.5 في المئة، ويعود ذلك أساسًا إلى توقف تمويل المساعدات لأوكرانيا، والذي بلغ 127 مليار دولار في السنوات الثلاث الماضية. ولا يُعد هذا انخفاضًا عامًا، فقد تجاوزت ميزانية الدفاع التي أقرها الكونغرس لعام 2026 تريليون دولار، ويرغب ترامب في رفعها إلى 1.5 تريليون دولار بحلول عام 2027، وهو أعلى مستوى في تاريخ الولايات المتحدة.

إيران وإسرائيل

لقد انخفض الإنفاق الدفاعي الإيراني بنسبة 5.6 في المئة هذا العام ليصل إلى 7.4 مليار دولار، وسط تضخم حاد في البلاد (42 في المئة) أدى إلى تآكل قيمة الريال الإيراني وتقليص الميزانية الفعلية المتاحة للمؤسسة الأمنية. ومع ذلك، يؤكد الباحثون أن “الأرقام الرسمية تُظهر على الأرجح إنفاقًا أقل من الإنفاق الحقيقي، إذ تستخدم إيران عائدات النفط خارج الميزانية لتمويل جيشها، بما في ذلك إنتاج الصواريخ والطائرات المسيّرة”. عمليًا، زادت ميزانية إنتاج الطائرات المسيّرة بنسبة 50 في المئة، وميزانية إنتاج الصواريخ الباليستية بنسبة 44 في المئة في حين سجلت إسرائيل في عام 2024 أكبر قفزة في الإنفاق الدفاعي منذ حرب الأيام الستة، انخفض هذا الإنفاق هذا العام بنسبة 4.9 في المئة ليصل إلى 48.3 مليار دولار، لتحتل بذلك المرتبة الحادية عشرة عالميًا من حيث القيمة المطلقة. ويُفسر هذا التراجع النسبي بانخفاض حدة القتال في غزة بعد وقف إطلاق النار، لكنه يُشير إلىأن حرب الأيام الاثني عشر مع إيران في حزيران والتوقف العملياتي في لبنان وسوريا ما زالت تُلقي بظلالها الثقيلة. في الواقع، تضاعفت الميزانية تقريبًا مقارنةً بعام 2022 – بزيادة قدرها 97 في المئة – وهي أعلى بنسبة 120 في المئة مما كانت عليه في عام 2016. ولا تزال إسرائيل تحتل المرتبة الثالثة عالميًا من حيث العبء الأمني: 7.8 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، بعد أوكرانيا (40 في المئة) والجزائر (8.8 في المئة).

ويؤكد الباحثون أنه من المتوقع أن يتفاقم هذا التوجه في عام 2026 وما بعده: فخطط التوريد طويلة الأجل لدول الناتو، والأهداف التي وضعتها لنفسها، ما زالت بعيدة عن التحقق، والصراعات الإقليمية لم تنتهِ بعد. من أوكرانيا، مرورًا بتايوان، وصولًا إلى الشرق الأوسط.

دودي كوغن

إسرائيل اليوم 30/4/2026



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *