زيارة وفد من الكونغرس الأمريكي تؤكد زخما جديدا في العلاقات مع موريتانيا والشراكة تتوسع من الأمن إلى الاستثمار والمعادن والطاقة



عبد الله مولود

نواكشوط –«القدس العربي»: لم تعد العلاقات بين موريتانيا والولايات المتحدة تقتصر على التعاون الأمني ومكافحة الإرهاب، بل بدأت تتجه خلال الأشهر الأخيرة نحو شراكة أوسع تشمل الطاقة والمعادن الاستراتيجية والاستثمار والبنية التحتية، في ظل اهتمام أمريكي متزايد بموقع موريتانيا الجيوسياسي ومواردها الطبيعية.
وجاءت زيارة وفد من أعضاء الكونغرس الأمريكي إلى نواكشوط وإجراؤه مباحثات مع كل من وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والموريتانيين في الخارج محمد سالم ولد مرزوك، ووزير الدفاع وشؤون المتقاعدين وأولاد الشهداء حننا ولد سيدي ولد حننا، لتؤكد هذا التحول، إذ تناولت المباحثات ملفات الأمن الإقليمي والاستثمار والطاقة والتعاون الاقتصادي، بما يعكس رغبة مشتركة في الارتقاء بالعلاقات الثنائية إلى مستوى أكثر استراتيجية.
وأكد الوزير خلال اللقاء أن موريتانيا أصبحت شريكاً موثوقاً للولايات المتحدة في منطقة الساحل، مستعرضاً المقاربة التي تعتمدها البلاد في مكافحة الإرهاب، والقائمة على الجمع بين الأمن والتنمية وتعزيز حضور الدولة، كما دعا إلى توسيع التعاون ليشمل الأمن البحري وأمن الحدود والأمن السيبراني وحماية الموانئ ومكافحة الجريمة المنظمة.
وفي المقابل، أشاد أعضاء الوفد الأمريكي باستقرار موريتانيا والدور الذي تؤديه في دعم أمن منطقة الساحل، معربين عن اهتمامهم بتعزيز التعاون الاقتصادي والاستثماري إلى جانب الشراكة الأمنية.
وتأتي هذه الزيارة بعد سلسلة من المؤشرات التي تعكس زخماً غير مسبوق في العلاقات بين البلدين.
ففي منتصف تموز/يوليو الجاري، وقعت موريتانيا والولايات المتحدة اتفاقاً إطارياً للتعاون في مجال المعادن الحيوية والعناصر الأرضية النادرة، بهدف تأمين سلاسل الإمداد وتشجيع الاستثمارات الأمريكية وتطوير أنشطة استخراج وتحويل المعادن ذات الأهمية الاستراتيجية.
ويعد هذا الاتفاق من أبرز محطات التعاون الاقتصادي بين البلدين، خاصة في ظل التنافس الدولي المتزايد على المعادن المستخدمة في الصناعات التكنولوجية والطاقات المتجددة والصناعات الدفاعية. وتزامن الاتفاق المذكور مع توجه أمريكي أوسع لإقامة شراكات مع الدول المنتجة للمعادن الاستراتيجية بهدف تنويع مصادر الإمداد وتقليل الاعتماد على الأسواق التقليدية، حيث أطلقت واشنطن خلال العام الجاري عدة مبادرات وتحالفات دولية لتأمين سلاسل توريد المعادن الحيوية وجعلها أكثر مرونة.
وفي هذا السياق، تبدو موريتانيا مرشحة للاستفادة من هذا التوجه بفضل ما تمتلكه من احتياطيات كبيرة من الحديد والذهب والنحاس والمعادن النادرة، إضافة إلى المشاريع الواعدة في الهيدروجين الأخضر والطاقة المتجددة.
ولم يعد التعاون مقتصراً على قطاع التعدين، إذ أشار وزير الخارجية الموريتاني خلال لقائه الوفد الأمريكي إلى مساهمة شركة GE Vernova الأمريكية في مشروع محطة «انجاكو» الكهربائية، باعتبارها أحد أبرز المشاريع التي تجسد الحضور الأمريكي في قطاع الطاقة بموريتانيا.
كما أكد رغبة نواكشوط في جذب مزيد من الشركات الأمريكية للاستثمار في الغاز الطبيعي والطاقة النظيفة والبنية التحتية، مع التركيز على نقل التكنولوجيا وتكوين الكفاءات المحلية.
وتكتسب زيارة الوفد الأمريكي أهمية خاصة لأنها تأتي من أعضاء في الكونغرس، المؤسسة التي تضطلع بدور محوري في إقرار المساعدات الخارجية وبرامج التعاون العسكري والاقتصادي.
وضم الوفد النواب أوستن سكوت، وسالود كارباخال عضو لجنة القوات المسلحة بمجلس النواب، وجيمي بانيتا عضو لجنة الوسائل والموارد (الضرائب)، وهو ما يعكس اهتماماً أمريكياً لا يقتصر على الجانب الدبلوماسي، بل يمتد إلى الملفات الدفاعية والاقتصادية والاستثمارية.
ويرى مراقبون لهذا الشأن أن العلاقات الموريتانية الأمريكية تشهد تحولاً تدريجياً من شراكة يغلب عليها الطابع الأمني إلى تعاون متعدد الأبعاد يجمع الأمن والطاقة والمعادن والاستثمار والتكنولوجيا.
ويعزز هذا التحول الاستقرار الذي تتمتع به موريتانيا مقارنة ببيئتها الإقليمية المضطربة، إلى جانب دخولها مرحلة إنتاج الغاز الطبيعي، وامتلاكها موارد معدنية استراتيجية باتت تحظى باهتمام القوى الاقتصادية الكبرى.
وتشير المؤشرات الأخيرة إلى أن البلدين يسعيان إلى بناء شراكة طويلة الأمد تستند إلى المصالح المتبادلة، حيث تبحث الولايات المتحدة عن شركاء موثوقين في مجالات الطاقة والمعادن الاستراتيجية وأمن الساحل، بينما تراهن موريتانيا على جذب الاستثمارات الأمريكية والاستفادة من الخبرات والتكنولوجيا لدعم مسارها التنموي وتعزيز مكانتها الاقتصادية والإقليمية
شراكة تتسع باستمرار
ولا تقتصر مؤشرات التحسن في العلاقات الموريتانية الأمريكية على الزيارات الرسمية المتبادلة، بل تمتد إلى سلسلة من المبادرات الاقتصادية والعسكرية والتعليمية التي شهدتها الأشهر الأخيرة، بما يعكس توجهاً أمريكياً لتعزيز حضورها في موريتانيا باعتبارها أحد أكثر بلدان الساحل استقراراً، وشريكاً واعداً في مجالات الطاقة والمعادن.
ويبرز في هذا السياق توقيع البلدين، في 14 تموز/يوليو الجاري، إطاراً للتعاون في مجال المعادن الحيوية، وهو اتفاق وصفته السفارة الأمريكية في نواكشوط بأنه يمثل «خطوة مهمة أخرى إلى الأمام» في العلاقات الثنائية، ويؤسس لشراكة تهدف إلى تعميق المبادلات التجارية، وجذب استثمارات نوعية، وتحسين الوصول إلى التمويل، وتعزيز سلاسل التوريد الخاصة بالمعادن الاستراتيجية.
وأكدت السفارة أن الاتفاق ينسجم مع التوجه الأمريكي القائم على مبدأ «التجارة لا المساعدات»، الذي تتبناه إدارة الرئيس دونالد ترامب، ويستهدف بناء شراكات اقتصادية طويلة الأمد مع الدول الإفريقية، تقوم على الاستثمار وخلق فرص العمل بدلاً من الاعتماد على المساعدات التقليدية.
الطاقة… بوابة جديدة للتعاون
ويواكب هذا التوجه توسع الحضور الأمريكي في قطاع الطاقة، حيث اعتبرت السفارة الأمريكية أن مشروع محطة «أنجاغو» الغازية لتوليد الكهرباء لا يمثل مجرد مشروع لإنتاج الطاقة، بل يشكل نموذجاً لشراكة اقتصادية تحقق منافع متبادلة للولايات المتحدة وموريتانيا، عبر توفير كهرباء مستقرة وبأسعار مناسبة، وفتح فرص جديدة أمام الشركات والعمال في البلدين.
وتؤكد هذه الرسائل الرسمية أن واشنطن باتت تنظر إلى موريتانيا كشريك اقتصادي قادر على استقطاب الاستثمارات الأمريكية في مجالات الطاقة والبنية التحتية، وليس فقط كشريك أمني في منطقة الساحل.
رأس المال البشري
ويتجاوز التعاون الجوانب الاقتصادية التقليدية ليشمل تنمية الكفاءات البشرية، حيث احتفلت السفارة الأمريكية مؤخراً بتخريج أربعين شاباً موريتانياً من برنامج ريادة الأعمال بالمركز الأمريكي في نواكشوط.
وقدم البرنامج تدريباً عملياً في إدارة الأعمال والتمويل والتواصل واللغة الإنجليزية، بهدف إعداد جيل من رواد الأعمال القادرين على بناء شراكات مع الشركات والأسواق الأمريكية، وهو ما اعتبرته السفارة جزءاً من استراتيجيتها لتعميق العلاقات الاقتصادية ودعم نمو القطاع الخاص في موريتانيا.
تعاون عسكري يتطور
وفي المجال الأمني والعسكري، شهدت العلاقات بين البلدين تطوراً لافتاً خلال مؤتمر قادة الجيوش الأفارقة الذي احتضنته العاصمة الأنغولية لواندا، حيث عقد قائد الأركان العامة للجيوش الموريتانية، الفريق محمد فال الرايس، اجتماعاً مع قائد القيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا (أفريكوم)، الجنرال داغفين أندرسون.
وشكل اللقاء فرصة لتبادل وجهات النظر حول التحديات الأمنية في الساحل، وسبل تعزيز التعاون العسكري، في وقت ركز فيه المؤتمر على مكافحة الإرهاب والجريمة العابرة للحدود والاتجار بالمخدرات، وتطوير قابلية العمل المشترك بين الجيوش الإفريقية وشركائها الدوليين.
ويأتي هذا اللقاء امتداداً للتعاون القائم بين موريتانيا والولايات المتحدة في مجالات التدريب العسكري، وبناء القدرات، وتبادل الخبرات، وهو التعاون الذي تسعى نواكشوط إلى توسيعه ليشمل الأمن البحري، وأمن الحدود، والأمن السيبراني، واستخدام التقنيات الحديثة في مراقبة الحدود.
تحول في طبيعة العلاقة
وتكشف مجمل هذه المؤشرات أن العلاقات الموريتانية الأمريكية تشهد تحولاً نوعياً، إذ لم تعد ترتكز فقط على مكافحة الإرهاب، بل أصبحت تتجه نحو شراكة متعددة الأبعاد تشمل الاستثمار والطاقة والمعادن والتكنولوجيا والتعليم وتنمية القطاع الخاص.
ويبدو أن هذا التحول يرتبط بتقاطع مصالح الطرفين، فالولايات المتحدة تسعى إلى تنويع مصادر المعادن الحيوية وتعزيز حضورها الاقتصادي في إفريقيا، فيما تراهن موريتانيا على جذب استثمارات كبرى تدعم استغلال مواردها الطبيعية، وتواكب دخولها مرحلة جديدة مع إنتاج الغاز وتوسع مشاريع الطاقة والمعادن.
وبذلك، تأتي زيارة وفد الكونغرس الأمريكي إلى نواكشوط ضمن مسار أوسع من التقارب المتسارع، يعكس انتقال العلاقات بين البلدين من مرحلة التعاون التقليدي إلى مرحلة الشراكة الاستراتيجية ذات الأبعاد الأمنية والاقتصادية والتنموية.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *