زمن عاشق للرسائل


لست مقتنعا كثيرا بأنّ ما نكتبه من الرسائل في الفضاء الأزرق هي رسائل بالمعنى الدقيق للعبارة. أنا أنتمي إلى جيل كتب الرسائل إلى الأهل والأصدقاء والأحبّة، وظلت تلك الرسائل عالقة بالذاكرة لأنّها حملت بين طياتها انتظارات ممّن كنّا نعتقد أنّ حبّهم قدرٌ ينبغي أن يواجه، في ذلك الوقت لم يكن أمامنا إلاّ تعلّم الكتابة التي تُوقع في الأسر؛ كنا حين نكتب رسائل عشق إلى من نحبّ نستجمع في الحروف كلّ طاقاتنا كي نقنع من نحبّ أنّنا أهل لحبّه.
الخطاب العاشق المعطَّر المرسل في كنف السرية إلى من تحبّ، شعريّ بأكمله قبل قراءة النصّ؛ الفاتحة فيه موسيقى تنقر على أبواب القلوب نقرات خفيفات. علمونا وقتها أن نكتب بالسجع الثقيل المنفّر، وأوهمونا أنّ السجع آخذ بالألباب ولكنّ السجع موضة قديمة وعطر كلاسيكي ينبعث من فستان معاصر. كنّا نريد من الكتابة أن تجعل من نعشق، يذهل كما المرضعة عمّا أرضعت. كاتب العشق في زمن الرسائل الخطية لا يأبه بمستوى من يقرأ، بل يعنيه مستواه هو: ينبغي أن يكون بارعا في الوصف، طائرا بأجنحة الخيال إلى من يحبّ؛ كالطير الزاجل، رسول لا يقرأ وهو أمين وعارف بالعناوين لا تكشف عنده النصوص هي في قمقم إلى يوم تلامس الحبيبة الرسالة.
تلكم الأجيال التي تربّت على حبّ الحرف، إذ يدبج في الرسائل المعطّرة، تستوقفه اليوم الرسائل، أتركها أديب من هذه الثقافة أو تلك، واحتفظ بها من كتم سرّه، حتّى إذا رحل ورحل من يحبّ خرجت الرسائل عبقة إلى الناس واطلعوا على ما تضوّع من أسرارها. لذلك نسوق إليكم بعضا ممّا وصلنا من رسائل جان جاك روسّو الكاتب والفيلسوف صاحب العقد الاجتماعي، إلى الكونتيسة صوفي دودهتو d’Houdetot Sophie عشيقة الفيلسوف والشاعر الفرنسي سان لامبار.
في كتابه الاعترافات Les Confessions يذكر روسّو أنّ شعوره المميز بحبّ امرأة لم يكن إلاّ مع صوفي المذكورة فيقول: «كان ذلك هو الحبّ بكل عنفوانه وأهواله»؛ وهو يرى أنّه حُبّ عاصف لم يكن من اليسير عليه أن يقتلعه من قلبه. كانت صوفي هي الملهم لروايته الترسلية الشهيرة «جولي أو هيلويز الجديدة» (Julie ou la Nouvelle Héloïse). امتزجت فيها صورة المرأة التاريخية بالمرأة الورقية. كانت الرواية مستوحاة من حوارتهما في رسائلهما. فقد كان صيف 1757 حارا بالرسائل المتبادلة بينهما، غير أنّها في الصائفة نفسها طلبت منه أن يردّ إليها رسائلها، حتى لا يبقى لديه أيّ دليل على صداقة وصلت إلى حدّ العشق، وعشق متسلل ذات صيف. وحين طلب منها روسو أن تعيد بدورها رسائله تعللت بأنّها حرقت جميع رسائله، لكنها احتفظت ببعض منها نشرها بعض أحفادها بعد موتهما.

قرّر روسّو أن يبتعد عن باريس في ربيع 1756 ووجد في هدوء الطبيعة في الأرميتاج Ermitage ملاذه الآمن للكتابة والفرار من صخب المدينة. تعرفت السيدة صوفي على روسو وزارته مرتين وكانت تتنكر في زيّ فارس واستأجرت السيدة منزلا قرب سكن روسو وكتبت إليه تدعوه إلى منزلها قائلة: «إذا لم يكن لديك ما هو أفضل تفعله، يا مواطني العزيز، فعليك أن تأتي لتناول العشاء معي مساء الثلاثاء؛ سأكون وحدي تماما، بل إن زوجة أخي ستكون مضطرة إلى الذهاب إلى باريس في ذلك اليوم» ولكنّها رجته إن يصطحب معه صديقا: «إذا كان السيد دُلير عندك، وإذا أراد أن يأتي، فسيسعدني أن تحضره معك». لم يدم التراسل كثيرا فقد أرسل بين مايو/أيار ويوليو/تموز حوالي عشرين رسالة وكان في الرسائل اعترافات وفكر وانخراط في سرد الذات لا يتاح في اللقاءات المباشرة.
يقول روسو: «أعدتُ إليها جميع رسائلها، بكل أمانة، الأمر الذي جعلها تشك في أمانتي للحظة، وهو ما اعتبرته إهانة لي. ولم يكن بإمكانها أن تستردّ رسائلها من دون أن تعيد إليّ رسائلي. قالت لي إنها أحرقتها؛ فتجرأتُ بدوري على الشك في ذلك، وأعترف بأنني ما زلت أشك فيه (حتى سنة 1770). كلا، فالمرء لا يلقي في النار رسائل من هذا القبيل. لقد وُجدت رسائل جولي مشتعلة بالعاطفة. يا إلهي! ماذا كان سيقال عن تلك الرسائل؟ لا، لا، إن المرأة التي تستطيع أن توحي بمثل هذا الشغف لن تمتلك أبدا الشجاعة لإحراق أدلته» وفي بعض رسائله إليها كتب: «تعالي يا صوفي، حتى أُعذّب قلبكِ الظالم؛ ولأكن أنا بدوري بلا رحمة كما أنتِ.. آه! كم كنتِ ستكونين أقل قسوة عليّ، غرستِ خنجرا في قلبي بدل السهم القاتل الذي يقتلني! انظري إلى أيّ حدّ رفعتِني، وإلى أيّ حضيض أذللتِني.. لقد سلبتِني كل شيء، أن أكفّ عن أن أكون صديقكِ! يا صوفي العزيزة والساحرة، هل يمكن أن أعيش، بالنسبة إليّ، من دون أن أحبكِ بعد الآن؟».

هذا المثال الذي سقناه عن رسائل وقتية لعلاقة عاطفية عابرة، كشفتها الرسائل نفسها وأثبتت صدق كلام روسو من أنّ النار التي تشعل القلب لا يمكن أن تترك نارا تشعل الرسائل ما لم يقله النقاد والمتصفحون لهذه الرسائل العامة، أنّ التراسل بين الأدباء والمتعلمين كان كالأفيون إذ لا قيمة لكلام يقال شفويا في لقاء عابر: القيمة الكبرى للكلمات التي تختطها الحروف في الرسائل لأنّها تنقل وبكامل الحرّية شعورا حادّا بالتميز والتماهي بالانفصال والاتحاد. من منظور عرفاني لا تبدو الكتابة في قصص العشق مجرد قناة لنقل المشاعر من عاشق إلى محبوب، وإنما تتحول إلى آلية لإنتاج التجربة العاطفية ذاتها. فالعاشق حين يكتب لا يعبّر عن حب مكتمل المعنى فحسب، بل يكتشف حبه ويعيد تنظيمه داخل اللغة، وبذلك تنتقل العاطفة من مستوى الإحساس الداخلي إلى مستوى الوعي والتأويل.

وتكتسب الرسالة العاطفية أهميتها من قدرتها على تحويل الغياب إلى حضور رمزي؛ فالمحبوب الغائب يستعاد من خلال الكلمات، لكن هذه الاستعادة لا تكون محايدة، إذ يعيد الكاتب تشكيل صورة الآخر وفق ذاكرته وخياله ورغباته. ومن ثم تصبح الرسالة فضاءً تتقاطع فيه الذاكرة والانفعال والتخيّل، ويصبح فعل الكتابة نفسه وسيلة لتدبير الرغبة والانتظار والقلق. ولعل المفارقة الأساسية في الكتابة العشقية تكمن في أنها تحقق القرب والبعد في آن واحد: فهي تقرّب المحبوب عبر الحروف، لكنها تكشف، بمجرد وجودها، عن المسافة الفاصلة بين الذات والآخر. لذلك لا تكون الرسالة مجرد أثر للحب، بل تصبح أحد الأشكال التي يتكوّن بها الحب ويستمر ويتحول إلى ذاكرة قابلة للقراءة. فالكلمات التي يخطها العاشق لا تحفظ التجربة فحسب، وإنما تمنحها شكلا ومعنى وامتدادا يتجاوز حدود اللقاء العابر.
غير أنّ أبرز ما يحتفظ به من الناحية الإدراكية في علاقات العشق التي تؤرخها الرسائل، أنّ هناك تسويرا عاطفيا للعلاقة: يظنّ المرء أنّ العلاقة فقدت حواجزها فإذا بأحد الطرفين يخرج له سياجات كان يخفيها ليوم الذهاب فإذا عدنا إلى صوفي صديقة روسو نجد أنّها وضعت له السور التالي: «منذ أن أصبح من المعروف في المجتمع أنك واقع في حبي، فلن يكون من اللائق بي أن أراك على انفراد»: الوقوع في الحبّ سرّ وإذاعته بلسان العاشق أو بلسان غيره؛ هي هتك للسرّ وإشاعة لعلاقة أقصى أطرافها قلبان لا أكثر ولا أقلّ.

أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *