رواية “أيتام الجبال”… الماء الذي ينحت الصخر


تتابع الكاتبة السورية نجاة عبد الصمد تجربتها الأدبية والروائية في «أيتام الجبال»، بعد أعمال عدة، منها «بلاد المنافي»، و«غورنيكات سورية»، و«في حنان الحرب»، و«لا ماء يرويها»، و«خيط البندول». تقارب الرواية أربعمئة صفحة، لكنها منذ صفحاتها الأولى تفتح أبواب عالمها على رحلة سبيل من مطار دمشق إلى موسكو، ومنها إلى زباروجيا لدراسة الطب. رحلة لا تبتعد فيها البطلة عن المكان الذي غادرته بقدر ما تستعيده من نافذة الذاكرة، بتفاصيله وأشخاصه وقسوته وحنانه. وبين حاضر الغربة وماضي الطفولة تبدأ صورة سبيل بالتشكل، فتاة تحمل رغبتها في التحرر والانطلاق، وتصارع خوفها وحنينها، وتحاول أن تعبر إلى حياة اختارتها لنفسها.

ومع امتداد السرد، تضيق المسافة أحيانا بين الكاتبة وبطلتها، حتى يتهيأ للقارئ أن شيئا من السيرة الذاتية يتسرب إلى الحكاية. لكن تجربة سبيل لا تبقى حكاية فردية، إذ تتسع لتلامس تجربة فتيات واجهن قيود الأسرة والمجتمع، وتمسكن بالتعليم والعمل طريقا إلى إثبات الذات واختيار المستقبل. وتقول سبيل: «يحكين عن الحب ويعشن الحب، وأنا مشغولة بمعاركي، لا أملك ترف اللهو والاستمتاع مثلهن. ربما قدري ألا أكون كباقي البنات». وتبدو عناية نجاة عبد الصمد بالتفاصيل واضحة في بناء شخصية سبيل وفي تطور علاقتها بوالدها، وهي علاقة لا تبقى أسيرة الصدام الأول، بل تتغير مع الزمن والتجربة. تقول سبيل مخاطبة والدها: «كل طرقك في هدايتي لم تثمر… هل تكتشف مثلي الآن كم عنادي موروث من عنادك؟ لنكتشف أن ما حل بأسرتنا رسمناه نحن، ولم يكن قدرا مرسوما».

وتبني عبد الصمد لغتها من تفاصيل البيئة والذاكرة، مستفيدة من الحوار والمونولوج والمفردات المحلية والأمثال والأغنيات. غير أن امتداد الرواية كان قابلا للتكثيف في بعض المواضع، ولا سيما في تفاصيل أفراد الأسرة وحكاياتهم الفرعية، وفي العودة إلى بعض المواقف أكثر من مرة، بما يبطئ الإيقاع السردي في أجزاء منها. وتتنقل الرواية بين القسوة والحنين، والحب والصراع، وتقترب من قضايا دينية واجتماعية وسياسية أحيط بعضها بالصمت أو التحفظ. ولا يأتي تمرد سبيل صاخبا في كل مرة؛ فكثيرا ما يتخذ صورة مقاومة هادئة، تتراكم مع السنوات حتى تغير صاحبتها ومن حولها. ومن هنا يمكن قراءة «أيتام الجبال» بوصفها رواية عن جيل وجد نفسه أمام موروث ثقيل من جهة، وما فتحه التعليم والمعرفة من إمكانات جديدة من جهة أخرى. وبين الاثنين يحضر الزمن، لا إطارا للأحداث فحسب، بل قوة تغير الأشخاص والأفكار والعلاقات.

الزمن هو البطل الحقيقي

لا يمكننا اختزال زمن الرواية في سنوات دراسة سبيل للطب في زباروجيا بين عامي 1985 و1992. فالزمن كما أراه يكاد يكون بطلاً درامياً خفياً يؤثر في الشخصيات والأفكار والمصائر، لا مجرد إطار تمر داخله الأحداث. لا تسير الرواية وفق خط زمني مستقيم، فمن اللحظة الراهنة تعود الذاكرة إلى البدايات، ومن الغرفة الطلابية في زباروجيا، تعود سبيل إلى درب الحجل في أقصى الريف الغربي لمحافظة السويداء. وبين المكانين تجمع الذاكرة زمنين متباعدين في لحظة واحدة، فيصبح الماضي حاضراً، ويستعيد المكان البعيد حضوره في الوعي بقوة المكان الحالي. وهذا يدل على براعة الكاتبة في توظيف الزمن الذي قد يراه البعض دائرياً بسبب العودة المتكررة إلى الماضي، لكن وصفه بالدائري ليس دقيقاً، فالدائرة تعني العودة إلى النقطة ذاتها، بينما تعود شخصيات الرواية إلى ماضيها وأمكنتها الأولى بشكل مختلف كل مرة، وهذا ما يسمى الحركة الحلزونية للزمن: (وهي تقنية سردية متطورة يعود فيها السارد إلى النقطة الزمنية نفسها، ولكن برؤية جديدة ومن مستوى معرفي بخبرات مكتسبة).

تعود سبيل إلى الوطن، لكنها لم تعد مثلما كانت فتاة خجولة خائفة. تعود وقد تغيرت رؤيتها إلى ذاتها وإلى العالم. فهي أصبحت طبيبة نسائية في مجتمع يمجد الطبيب، ويتغير الأب حسن رافع بدوره، فالرجل الذي وقف يوماً كجدار أمام حلم ابنته ينتهي به الأمر إلى الاعتزاز والفخر بما حققته هي. الزمن يفعل فعله يبدل ويغير وهذه هي فلسفته، وما كان شديد الصلابة سابقا، ينتهي به الأمر إلى التراخي والتفكك سواء كان نظاما سياسيا، كما في الاتحاد السوفييتي والأيديولوجيات التي ادعت امتلاك الحقيقة كاملة، أو النظام الديني والأسري القائم على القسوة وقمع المرأة والتقاليد المتوارثة، فالخصام الحاد بين سبيل ووالدها لا يظل على صورته الأولى، فمع مرور السنوات تتبدل مواقع الانتصار والهزيمة وتتغير، تحقق سبيل حلمها وتحصل على شهادة الطب وتصبح الشهادة مصدر فخر واعتزاز له. وهنا تكمن إحدى أجمل مفارقات الرواية : الكل يربح، لا ينتصر طرف على طرف آخر، الزمن هو الذي يحدث التغيير، ويمنح الجميع فرصة للتحول.

جغرافيا الرواية: بين السويداء وزباروجيا

يقوم البناء المكاني في “أيتام الجبال” على ثنائية جغرافية وثقافية ذات دلالات عميقة.

  • الفضاء الأول: السويداء (جبل العرب) الذي تشكل فيه مجموعة الروابط العائلية والقيم الاجتماعية والدينية الموروثة، قيوداً على حركة المرأة وخياراتها. تواجه سبيل وأخواتها صعوبة الحياة ذاتها ومحاولات منعهن من التعليم وإثبات الذات.
  • الفضاء الثاني: (زباروجيا الأوكرانية) تصبح المساحة أوسع أمام سبيل لممارسة الاختيار وتفتح أبوابا جديدة للمعرفة، ولكنها تضعها كذلك أمام العزلة والاختلاف الثقافي والحنين.

 المكان في الرواية هو عنصر فاعل في تشكيل الأحداث وليس مجرد خلفية لها يحضر الريف في تفاصيله اليومية – رعي الماشية – وحلب الأبقار- وتربية الدجاج – زراعة الخضروات والأشجار فيصبح انتقال الأسرة إلى المدينة كأنه امتداد للريف نحو المدينة وليس العكس ويبرز درب الحجل بوصفه فردوساً للطفولة، ومكاناً يحتفظ في ذاكرة سبيل بمعاني الدفء واللعب والبراءة والاحتماء بالطبيعة. أمّا حارة الأجاويد فهي المكان الأكثر انغلاقاً، تبدو محكومة بتراتبية دينية وقيم صارمة. وقد ارتبطت في وعي الأب بحلم قديم في الانتماء إليها، ولكن علاقته بها تتعقد أكثر فأكثر تحت ضغط الفقر وتمرد البنات ومشاكل الحياة. ومن المفارقات المؤلمة أن حسن رافع، الذي لم يستطع تحقيق حلمه بالانضمام إلى إخوته الأجاويد في حارتهم، يحاول التعويض عن هذه الخسارة بفرض قيم الحارة الصارمة ذاتها على أفراد أسرته.

الجبل والنهر: الانتماء والتحول

يشكل الجبل والنهر أبرز الثنائيات الرمزية في الرواية: مقابل جبل العرب في جنوب سوريا يمتد نهر الدنيبر من شمال أوكرانيا إلى جنوبها. الجبل يمنح قاطنيه الانتماء والجذور ويتحول إلى مكان للانعزال والانغلاق، أما النهر فيمنح الحركة والاتساع، لكنه يحمل أيضاً احتمال الاغتراب والاقتلاع. لا يشكل النهر نقيضاً للجبل، كلاهما يدخل في تكوين تجربة سبيل، وتشكيل شخصيتها، فالجبل يمثل الثبات والصلابة، والنهر يمثل الانسياب والليونة والتجديد.

اللغة: بين قسوة الصخر وعذوبة الماء

تتجلى إحدى نقاط قوة الرواية في تحويل التجربة الذاتية إلى مادة تخييلية، بلغة تجمع بين السرد الواقعي واللغة الشعرية ، والحوار اليومي، والمونولوج الداخلي والمذكرات، وتحضر الأمثال الشعبية والقصائد، ومطالع الأغنيات، والتناصات الثقافية، فتتشابك في النص أصوات الفرد، والعائلة، والجماعة، والذاكرة. هذه العناصر رغم أهميتها الفنية ودورها الجمالي، تحافظ على لغة المكان ومفرداته ولهجته المحلية.

وتتحرك لغة الرواية بين حقلين دلاليين بارزين. ففي لحظات القسوة والجمود تتكرر صور الصخر والوعر والصوان والجفاف، بينما تحضر الحدائق والحقل والماء والنهر كلما اقترب السرد من الحب والانفتاح والحرية. تكتسب ثنائية الماء والصخر أهميتها بوصفها مفتاحاً رمزياً لفهم الرواية، فسبيل وأخواتها يشبهن الماء في صبره وإصراره. إنهن لا يحطمن العالم القديم دفعة واحدة، هنّ يغيرنه بالمثابرة والتعليم والعمل وتحقيق الذات. ويتمثل الصخر في مواقف الأب والأم داخل الأسرة وفي منظومة كاملة وقفت سداً صلباً في وجه طموحاتهن. لكن الرواية لا تقدم العلاقة بينهما بوصفها انتصاراً بسيطاً للماء وهزيمة للصخر. فالماء لا يهزم الصخر إنه ينحته ببطء. والصخر، بدوره، يمنح الماء طريقه ومجراه. يمكن فهم تطور بناء الشخصيات في الرواية بأنه إعادة تشكيلها من جديد، من دون فصلها عن ماضيها، فسبيل لا تمحو الجبل وما يمثله من قيم في داخلها، ويظل الأب حاضرا في أعماقها ويتعمق حضوره في النهاية نتيجة الانسجام بين ما تم إنجازه وما يمثله هذا الإنجاز من قيمة، (العلاقة بينهما تغيرت تحت ضغط المعرفة والتجربة والزمن). ثنائية الماء والصخر تتجاوز معناها الجمالي لتصبح صورة مكثفة لصراع الشخصية مع المجتمع.

الزمن يعيد تشكيل التضاريس

تختزل صورة الماء الذي ينحت الصخر جانبا أساسيا من «أيتام الجبال». فالماء لا يحتاج إلى أن يكون أصلب من الصخر كي يغيره؛ يكفي أن يستمر في التدفق ليشق طريقه ويصنع مجراه. وعلى هذا النحو تمضي تجربة سبيل: لا تهدم العالم الذي خرجت منه، ولا تنفصل عنه، بل تعيد تشكيل علاقتها به عبر المعرفة والتجربة والزمن. وفي نهاية هذا المسار، لا يعود الأب كما كان، ولا تعود سبيل كما كانت. فالتغيير لا يتحقق بانتصار طرف وهزيمة آخر، وإنما بتحول يصيب الشخصيات وعلاقاتها ونظرتها إلى العالم. وهنا يستعيد الزمن موقعه بوصفه القوة الخفية التي تعيد تشكيل الإنسان والمكان والمصير، فيما يشق الماء، رويدا رويدا، طريقه في الصخر.

«أيتام الجبال»، الطبعة الأولى، 2025، منشورات الاختلاف ـ الجزائر، وضفاف، ودار سامح.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *