رفض «4+4» وتعديل لائحة النواب يعيدان خلط أوراق المشهد السياسي


طرابلس – «القدس العربي»: دخل المشهد السياسي الليبي، الإثنين، مرحلة جديدة من التجاذب بين مجلسي النواب والدولة، بعدما صوّت المجلس الأعلى للدولة على رفض مخرجات لجنة الاجتماع المصغر «4+4»، في وقت أقر فيه مجلس النواب تعديلاً للائحته الداخلية وعلّق جلسته تمهيداً لاختيار رئاسة جديدة، في تطورين متزامنين قد يعيدان ترتيب موازين القوى داخل المؤسستين التشريعيتين، ويضيفان مزيداً من التعقيد إلى المسار الانتخابي الذي ترعاه بعثة الأمم المتحدة.
وقالت عضو المجلس الأعلى للدولة، نعيمة الحامي، إن المجلس صوّت خلال جلسته على رفض مخرجات اتفاق لجنة «4+4»، موضحة أن 92 عضواً حضروا الجلسة، بينما شارك 72 منهم في عملية التصويت، وانتهى التصويت برفض الاتفاق بالإجماع.
ويمثل التصويت انتقال موقف مجلس الدولة من الاعتراض السياسي على مسار «4+4» إلى موقف مؤسسي معلن من داخل المجلس، بعدما شهدت الأسابيع الماضية تصاعداً في الأصوات الرافضة للاتفاق الموقع في 30 آب / أغسطس، وخصوصاً ما يتعلق بإعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات وإجراء تعديلات على القوانين المنظمة للانتخابات الرئاسية والبرلمانية.
وجاء التصويت بعد يوم واحد من ملتقى عقد بمقر المجلس الأعلى للدولة برئاسة محمد تكالة وبمشاركة أعيان وشخصيات سياسية، وانتهى إلى رفض مخرجات الاجتماع المصغر وأي مسارات موازية تتم خارج الأطر المؤسسية والتوافقية المعتمدة.

وتمسك المشاركون في الملتقى بالاتفاق السياسي والتعديل الدستوري الثالث عشر، معتبرين أن إعداد القوانين الانتخابية يظل من اختصاص لجنة «6+6»، كما دعوا بعثة الأمم المتحدة إلى الالتزام بدورها التيسيري وعدم دعم ترتيبات من شأنها، بحسب موقفهم، تجاوز المؤسسات الليبية القائمة.
ويضع موقف مجلس الدولة عقبة مباشرة أمام اتفاق «4+4»، الذي وقع في 30 أغسطس بين ممثلين عن سلطات في شرق البلاد وغربها، وتضمن مقترحات لمعالجة الخلافات المتعلقة بالقوانين الانتخابية وإعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات.
وينص الاتفاق على اعتماد القانون رقم 28 لسنة 2023 أساساً للانتخابات الرئاسية مع تعديلات من بينها السماح لمزدوجي الجنسية بخوض السباق الرئاسي، على أن يتخلى الفائز عن جنسيته غير الليبية قبل أداء اليمين الدستورية، إلى جانب ترتيبات لإعادة تشكيل مجلس المفوضية.
وبالتزامن مع تصويت مجلس الدولة، شهد مجلس النواب تحولاً داخلياً لافتاً، إذ أعلن النائب عصام الجهاني تصويت المجلس بأغلبية الحاضرين على تعديل لائحته الداخلية، موضحاً أن التعديل حصل على 98 صوتاً، قبل تعليق الجلسة للشروع في اختيار رئاسة جديدة للمجلس.
ويكتسب تعديل اللائحة أهمية خاصة في ظل الجدل المستمر داخل مجلس النواب بشأن رئاسة المجلس وآليات تداول المناصب داخله، بعدما طالب عدد من النواب خلال الفترة الماضية بإصلاح النظام الداخلي وإنهاء استمرار هيئة الرئاسة دون انتخابات دورية.
وكان جدول أعمال الجلسة يتضمن تعديل القانون رقم «4» لسنة 2014 المتعلق بالنظام الداخلي لمجلس النواب، وإدراج مفهوم «الدورة البرلمانية»، بما يفتح الباب أمام تنظيم مدد تولي هيئة الرئاسة وإجراء انتخابات دورية لمناصب الرئيس ونائبيه.
كما كان المجلس يستعد لمناقشة الوضع الدستوري للقوانين المقدمة استناداً إلى مخرجات لجنة «4+4»، والنظر في إمكانية تضمينها بالإعلان الدستوري، الأمر الذي يضع مسار اللجنة أمام مفارقة سياسية وقانونية واضحة، ففي الوقت الذي يتحرك فيه مجلس النواب لمنح مخرجاتها غطاء دستورياً، أعلن مجلس الدولة رفضه الكامل لتلك المخرجات.
وتأتي هذه التطورات بعد اجتماع أعضاء «4+4» الأحد في العاصمة التونسية، في جلسة هي العاشرة منذ انطلاق مشاوراتهم في أبريل، والثانية منذ توقيع اتفاق 30 آب / أغسطس، برئاسة الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة هانا تيتيه.
وبحث الاجتماع تداعيات الانقسام داخل المؤسسة القضائية على العملية الانتخابية، وشدد المشاركون على ضرورة معالجة هذا الانقسام مع احترام استقلال القضاء وإبعاده عن الصراع السياسي، باعتبار ذلك شرطاً لضمان نزاهة الانتخابات وقبول نتائجها.
وجدد أعضاء اللجنة في الوقت نفسه التزامهم بتنفيذ اتفاق 30 أغسطس، على أن تدرج نتائج مشاوراتهم ضمن حزمة واحدة وفي إطار دستوري شامل، لكنهم اعتبروا أن اتخاذ خطوات إجرائية ذات طبيعة قانونية لتنفيذ الاتفاق في المرحلة الراهنة سيكون سابقاً لأوانه وغير مفيد لأجواء التوافق.
وهذا الموقف يكتسب أهمية أكبر بعد تحركات مجلس النواب، إذ إن اتجاه المجلس إلى إقرار تشريعات مرتبطة بمخرجات «4+4» قد يفتح نقاشاً بشأن مدى انسجام تلك الخطوات مع المسار الذي تتبناه اللجنة نفسها تحت الرعاية الأممية، خصوصاً مع إعلان أعضائها الحاجة أولاً إلى توسيع قاعدة الدعم السياسي للاتفاق.
ويعكس المشهد الحالي اتساع الفجوة بين المؤسستين التشريعيتين بشأن الطريق نحو الانتخابات. فمجلس النواب سبق أن اعتمد مخرجات «4+4» وأصدر على أساسها حزمة من التشريعات المرتبطة بالعملية الانتخابية، بينما يرى مجلس الدولة أن هذا المسار يتجاوز الاختصاصات المنصوص عليها في التعديل الدستوري الثالث عشر ويهمش لجنة «6+6» التي شكلها المجلسان أساساً لإعداد القوانين الانتخابية.
وبذلك تجد البعثة الأممية نفسها أمام اختبار جديد يتعلق بقدرتها على الحفاظ على مسار «4+4» بعد فقدانه دعم إحدى المؤسستين الرئيسيتين اللتين يفترض أن توفر له الغطاء السياسي والقانوني.
كما أن فتح ملف رئاسة مجلس النواب في التوقيت نفسه يضيف عاملاً جديداً إلى معادلة الأزمة، إذ قد تؤثر نتائج أي تغيير داخل هيئة رئاسة البرلمان في موقف المجلس من التفاهمات السياسية القائمة وفي كيفية التعامل مع الاتفاقات التي جرى تمريرها خلال المرحلة الماضية.
وبين رفض مجلس الدولة، وتحركات مجلس النواب الداخلية، وتمسك أعضاء «4+4» باستكمال مشاوراتهم، تدخل ليبيا مرحلة سياسية تتداخل فيها أزمة الشرعية المؤسسية مع الخلاف على القاعدة القانونية للانتخابات، في وقت تحاول فيه البعثة الأممية الحفاظ على التوافق الذي أدى إلى اتفاق 30 أغسطس ومنع تحوله إلى نقطة خلاف جديدة بين المؤسسات المتنافسة.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *