يضع حسام الدين محمد كتابه «رسالة اللاغفران» على تخوم مضطربة، لا لأن المعرفة عنده مستحيلة، بل لأن موضوعاته نفسها تقع في مناطق تتداخل فيها الثقافة بالسياسة، والخاص بالعام، والماضي بالحاضر. ومن هنا تأتي صورة الأسطرلاب: أداة للاهتداء داخل المتاهة، لا آلة تمنح صاحبها يقيناً نهائياً. أما «اللاغفران» في العنوان فيمثل الوجه الآخر للمشروع؛ إذ يقابل التردد المعرفي في تفسير الظواهر حسمٌ أخلاقي في مساءلة الاستبداد والتواطؤ الثقافي.
غير أن اتساع مجال الكتاب وكثرة انتقالاته قد يجعلان الأسطرلاب يدور أحياناً بين إشارات كثيرة من دون أن يستقر على وجهة واضحة. هنا يتحول الانفتاح، في بعض المواضع، إلى تردد، وتصبح الحاجة إلى الحسم النقدي أكثر إلحاحا. يحيل الكتاب، بطرق شتى، إلى محيي الدين بن عربي وقوله:
«لقد صار قلبي قابلاً كل صورة
فمرعى لغزلان ودير لرهبان
وبيت لأوثان وكعبة طائف
وألواح توراة ومصحف قرآن
أدين بدين الحب أنى توجهت
ركائبه، فالحب ديني وإيماني».
يحيل كتاب محمد، أيضا، إلى مفهوم اللاأدرية Agnosticism، وهو مصطلح جّدد إيليا أبو ماضي سياقه العربي عندما قال: «أي سر فيك إني لست أدري». وفي تقديري أن أبا ماضي يحيل ضمناً إلى علاقة الكتابة بالغزْل (بالسكون على الزاي)، ولا شك أن عبد السلام المسدي، الذي أشرف على رسالة لأحد طلابه، حول حداثة الفجوة بين ماضي الشعر وحاضره، رأى أن هذه المقولة تتكرر كما الغزل بين لحمة Weft وبين سداة Warp. اللُّحمة تذكّر أيضا بـ»منهاج البلغاء وسراج الأدباء»، صنعة أبي الحسن حازم القرطاجني (تقديم وتحقيق محمد الحبيب ابن الخوجة)، وبهذا تربط بين منهاج القرطاجني والمعادل الموضوعي لدى ت. إس. إليوت، فضلاً عن انتمائها إلى المخزون الصوفي.
ولا شك عندي أن وصف حسام الدين محمد للنقد الثقافي، وعدّه قائماً على تخوم مضطربة، يذكّرنا – كما يوحي اسمه (المسدي) – بعلاقة الكتابة بالغزْل، وبالحيرة، كما يعبّر عنها القرآن الكريم: «يسألونك عن الروح. قل الروح من أمر ربي». وكذلك حيرة أبي العلاء المعري حين قال: «والذي حارت البرية فيه / حيوان مستحدث من جماد».
هذا التأجيل في الحسم هو جوهر «رسالة اللاغفران» ورؤية المؤلف للنقد الثقافي. وقيامه على «تخوم مضطربة». وهو يرى أن «مهمة النقد الكبرى هي الاشتباك مع الإشكاليات على الحدود الحقيقية والمتخيلة للعالم، «فضلاً عن أنه «عمل شخصي بقدر ما هو عام».
هذا الإلحاح على قيام النقد الثقافي على «تخوم مضطربة» يعيد القارئ، كما قلنا، إلى مفهوم اللاأدرية المستجد على اللغة العربية. وبدلا من اعتراف حسام الدين محمد أنه لا يعرف إلى أين تقودنا المشكلة فإنه يكتفي بعرض الآراء من دون حسم، وهذه هي بؤرة الكتاب: «تجنب حسم اللاحسم». وهذا يفسر استخدام المؤلف الأسطرلاب الذي يعلّق بلوغ الحسم. وكانت الترجمة المشوهة لنظرية أرسطو في الشعر قد أبدعت فكرة رائعة هي فكرة التخييل التي قفزت بالشعر العربي من الميدان العروضي البلاغي الجامد إلى حقل الصور المؤثرة في النفس. وهذا القفز يوحي بتجنب الحسم، كما فعل المؤلف. وتجنب الحسم ظهر أولا على يد عبد القاهر الجرجاني، الذي لم يبد كبير العناية بالفلسفة، بل يوصف بأنه ذو ميل أدبي وذائقة فنية رفيعة المستوى وثقافة عربية إسلامية سمحت له أن يمنح هذه الفكرة اليونانية المصادر طابعاً عربياً أبعدها كل البعد عن جذورها. وبعبارة أخرى ثمة وصف ابن رشد للمنطق الشعري، وهذا الوصف صيغة من صيغ إرجاء الحسم. فقد جعل ابن رشد، وهو كاتب لاحق على الجرجاني، الصورة الشعرية بمثابة المقدمة في القياس والتأثير في المتلقي بمثابة النتيجة، وهذا، في رأي مصطفى الجوزو، أمر شديد القرب إلى العقل، ومقبول جدا، ويعد حلا وسطاً بين من ينفي المنطق عن الشعر، ومن يقحم الشعر في حومة المنطق الشكلي.
في نقضه لمنطق مظفر النواب في «وتريات ليلية»، شرح أحمد نسيم برقاوي، كيف يظهر الشاعر بكل تناقضاته، عندما ينحدر «من الوجدان الجمالي الى القاع السياسي بكل قبحه»، وهو يكاد يطابق تجنب حسام الدين محمد لاعتبار هذا المنطق حسما (أي طائفية النواب من عدم طائفيته)، وعلى الرغم من أن هذا المنطق يبدو مقنعا إلا أن المؤلف يحوم مع الأسطرلاب ليظل نقده الثقافي قائماً على تخوم مضطربة.
وهذه التخوم المضطربة، سبق أن طرحتها في مقارباتي لمفهوم النقد الثقافي انطلاقاً من منظور متضمن في استعارة كعب أخيل، والمجاز الذي ابتكره الشاعر والناقد كوليردج في عام 1810. هذا المجاز يتيح لنا بتأويله الثقافي الشائع في الأدب الإنكليزي فرصة تظهير فسحة افتراضية تجيز، بحثاً عن يقين نقدي عربي يتحقق بإحلال المعرفي محل الأدبي، فالنقد تأويل والنقض برهان، ولكن المؤلف خلافا لذلك يتجنب باستخدامه الأسطرلاب أسطورة مفادها «تجنب حسم اللاحسم».
ناقد من سوريا يقيم في لندن