الناصرة – «القدس العربي»: شيّع فلسطينيون كثر من أراضي 48 المناضل الشيوعي نديم موسى في بلدته أبو سنان في الجليل، بعد رحيله عن عمر ناهز 105 سنوات.
وكان الحزب الشيوعي داخل أراضي 48 قد نعى رفيقه نديم موسى، ابن بلدة أبو سنان في الجليل الأعلى، بعد رحيله عن 105 أعوام قضى الكثير منها في النضال الطبقي والوطني.
ولد نديم في 26 حزيران / يونيو 1921 في قرية أبو سنان لعائلة صغيرة، مكونة من شقيقه جمال وشقيقتيه غصون ونجيبة. وفي عام 1934 نزحت العائلة إلى حيفا، وذهب والد نديم موسى يبحث عن عمل، وما هي إلا أشهر قليلة حتى لقي حتفه في عمله في البناء، فتيتمت العائلة، وخرج الأخوان جمال ونديم للعمل لإعالتها، حيث عملا في النجارة تاركين التعليم، ثم وجدا نفسيهما يعملان في معسكر الانتداب البريطاني في بلدة طيرة الكرمل.
ومع آلاف العمال الفلسطينيين ذاقا خلال عملهما هناك اضطهاد العمال، لكنهما شرعا في الدفاع عنهم، وهناك تعرفا على رفيقهما إميل حبيبي، ودخلا «عصبة التحرر الوطني» مع المؤسسين.
وطبقا لبيان الحزب الشيوعي، خاض نديم موسى النضالات في كافة الميادين في مواجهة الانتداب البريطاني والمؤامرة على الشعب الفلسطيني. ورحلت عائلته من حيفا عشية الاحتلال، وكان من المعتقلين مع المئات من رفاقه وأبناء شعبه في الأسر الإسرائيلي داخل معتقل صرفند، وهناك خاض المعارك داخل السجن حتى أفرج عنهم في آذار / مارس عام 1949، وعاش مع عائلته في بلدة البعنة في الجليل.
وكان مصور أجنبي قد دخل السجن في مطلع عام 1949 ووثق صورة للراحل نديم موسى مع أسيرين. وقد وضع كاتب هذه السطور، بالمشاركة مع المؤرخ الفلسطيني البروفيسور مصطفى كبها، كتابا بحثيا عن تلك التجربة بعنوان «أسرى بلا حراب»، صدر عام 2013 عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية.
وقاد الراحل فرع الحزب الشيوعي في البعنة، وكان على رأس ما يعرف بـ»معركة الهويات الحمراء» (بطاقات هوية عسكرية)، التي انتصر فيها أهل البعنة مع المحامي الشيوعي حنا نقارة، الذي عمل على استصدار بطاقات هوية زرقاء بغية تثبيت بقاء المتبقين في وطنهم.
وقال البيان إن نديم موسى «من الرعيل الذي صنع تاريخ وملحمة البقاء والصمود للشعب الفلسطيني في البلاد، صال وجال في جميع ميادين النضال بقوة وعنفوان وشجاعة وجرأة الشيوعي المقدام، دخل السجن مرات عديدة وخرج منها أقوى وأصلب عودا».
وشغل الراحل منصب القائم بأعمال رئيس مجلس أبو سنان المحلي لأكثر من عشر سنوات في سبعينيات القرن الماضي.
وردا على سؤال «القدس العربي»، أوضح ابن شقيقة الراحل، الناشط وائل غطاس المقيم في برلين، أن خاله حافظ حتى قبل نحو عام على صفاء ذهني كبير، كما حرص على المطالعة ومتابعة أخبار القضية الفلسطينية دون انقطاع، منوها إلى أن خاله الراحل نشط بشكل واسع في السياسة المحلية داخل بلدته من خلال شغله منصب نائب رئيس المجلس المحلي لثلاث دورات. وأضاف أنه لم يتميز بأي نمط حياة مختلف، بيد أنه كان بطبيعته غير مدخن، ودأب على الابتسامة حتى آخر ساعة، وهو، ككل أفراد العائلة، رياضي.
وتابع: «تعرف في السابق إلى مناضلين من جيل والدي ومن جيل إميل توما وإميل حبيبي، وكان صديقا للأول».
وفي تعقيبه على نبأ رحيله، كتب النائب أيمن عودة منشورا جاء فيه: «قبل سنتين كنت بحاجة إلى استشارة، وأن أفهم طبيعة المرحلة التي نعيشها. فتشت فلم أجد خيرا من الرفيق نديم موسى، وكان عمره 103 سنوات في حينه. زرته وكان ثاقب الذهن. ولكنه اعتذر بأنه، منذ عام، توقف عن قراءة الكتب يوميا. قلت له: يا أبا مروان، أنت الذي عارك في «عصبة التحرر الوطني»، أنت الذي أعمل فكره في قرار التقسيم عام 1947 واتخذ الموقف الأشق على الأم الرؤوم، أنت الذي عبر نكبة فلسطين وهو يحث الناس على البقاء مهما كانت الضغوط ترهيبا وترغيبا، أنت الذي قارع الحكم العسكري وجها لوجه حتى أشاح بوجهه وبقي وجهك عازما… أنت يا أبا مروان، كيف ترى هذه المرحلة التي نمر بها الآن؟!».
أجاب مثل الرصاصة: «أصعب وأخطر من أيام الحكم العسكري».
وأسهب بالشرح عن توازنات تلك المرحلة مقارنة بهذه المرحلة التي تتميز بانفلات فاشي عصبي يوميا، ولكنه استراتيجي يهدف إلى تهجير أهل الوطن، وقال لي: «امزجوا بين الموقف الكريم والحكمة العميقة كي نعبر هذه المرحلة».
وخلص أيمن عودة إلى القول في نعيه: «ترجل نديم موسى عن صهوة عمر دام 105 سنوات. وقديما قيل الإنسان موقف، ولكن أن يكون هذا الإنسان فلسطينيا منذ بداية القرن العشرين إلى ما بعد الربع الأول من القرن الحادي والعشرين، فهذه السنين خصصت للجبال لا للبشر. ولكن نديم موسى كان نوعا من البشر الجبال. وداعا أيها الأصيل، أيها المعلم، أيها الماكث في هذه الأرض وبين أهلها أبدا».