رحلة درامية بجوار عوليس


هذا كتاب مثير في موضوعه، كتبه الصحافي والباحث محمد فرج، كاتب القصة الذي فازت مجموعته القصصية «خطط طويلة الأجل» بجائزة ساويرس لأفضل مجموعة قصصية لشباب الأدباء عام 2019، وله غيرها أيضا، وكتاب سردي هو «مياومة.. هايكو عامل معاصر». أصدرت الكتاب دار ديوان عام 2025 ثم طبعة ثانية هذا العام. الكتاب يقع في حوالي ثلاثمئة صفحة. عنوان الكتاب «لم يُعثَر عليه» وعنوان فرعي هو « وقائع تمشية بجوار عوليس.. بحثا عن دكتور طه». والدكتور طه هو طه محمود طه الذي ترجم رواية «عوليس» لجيمس جويس إلى اللغة العربية.
يبدأ الكتاب بداية درامية، فالكاتب يذهب إلى مؤسسة أخبار اليوم، في وقت تملأ الميادين قوات الأمن، تفحص هواتف الناس المحمولة، بحثا عما يثيرهم من الاستعداد لاضطرابات مقبلة.. قلق غير مطمئن أن صفته كصحافي، يمكن أن تشفع له، أو إنه جاء يبحث في الأرشيف عن دكتور طه، وترجمته للرواية وما أثارته، وعن حوارات أجراها زملاء له، مثل الروائي محمد ربيع، أو الصحافي وائل عبد الفتاح.

بعد هذه البداية الدرامية، ندخل في الكتاب الذي لن يخلو منها، يعيده الحديث إلى تيار الوعي في الرواية العالمية، وما تمت ترجمته لفرجينيا وولف أو فوكنر ومن ترجموا. كيف كانت ترجمة عوليس لجيمس جويس هي الأكثر صعوبة. حديث عن الترجمة الأولى، وكيف كانت النسخة الإنكليزية أصلا، فيها ما يزيد عن خمسة آلاف خطأ مطبعي، ما جعل طه محمود طه يعمل ثلاث سنوات أخرى على ترجمته الأولى، ليصدر الترجمة الأخيرة عام 1994 عن الدار العربية للنشر والتوزيع.
حديث عن ترجمة أخرى للرواية بقلم العراقي صلاح نيازي والمقارنة بينهما، وكيف كانت ترجمة طه أجمل، متماشية مع غرائب النص واللغة والحوار. حديث عن جيمس جويس نفسه ورؤية النقاد له، ثم حديث تفصيلي عن رواية «عوليس» وشخصياتها. حياة جيمس جويس وحبه وزواجه ومن أين جاءته فكرة الرواية، ومقارنة بين الرواية وحياته، ثم مقارنة بين ملحمة «الأوديسا» لهوميروس، ورواية «عوليس»، أبرزها كيف كانت العناوين في الرواية هي عناوين الأوديسا. رحلة أوديسيوس بعد حرب طروادة عائدا إلى إيثاكا، وما لاقاه من مصاعب، ورحلة ليبولد بلوم بطل رواية «عوليس». كيف كان طموح جيمس جويس هو القبض على الداخل الإنساني، والعالم النفسي للشخصيات، ومن هنا كان تكنيك تيار الوعي.

كل ذلك وهو يتحرك بحثا عن معلومات عن الرواية وعن طه محمود قد تفيده، فلا يصل إلا للقليل، رغم ذكره لأسماء كثيرة يطول الحديث عنها. حديث عن المترجم طه محمود طه. مولده عام 1929 وتعليمه ودراسته، وحصوله على الدكتوراه في جامعة دبلن في إيرلندا عن الدوس هكسلي. عمله قبل الجامعة لفترة اثني عشر عاما في شركة ماركوني للتلغراف، وكيف كانت تتم ترجمة إشارات التلغراف، مدخلا لفهم إشارات رواية عوليس. كيف بدأ نشر الترجمة في فصول في مجلات عام 1964 وكيف تجمعت خيوطها لديه عبر عشرين عاما. كيف سبقت شخصيات شهيرة طه محمود طه في معرفتهم بالرواية. توفيق الحكيم مثلا وخطاباته حولها وهو في فرنسا، وكيف كان تلقيها بين المثقفين. سلامة موسى الذي تحدث عنها في كتابه «التجديد في الأدب الإنكليزي» ولويس عوض ومحمد لطفي جمعة، الذي كان ضد كتاب «في الشعر الجاهلي» لطه حسين، لكنه كان أكثر حماسا للرواية.

كتاب الستينيات مثل جمال الغيطاني وسمير ندا اللذين أعلنا في مشروعهما عن ترجمة سمير ندا لها، لكن لم يعثر عليها مؤلف الكتاب، ولا محمد سمير ندا ابن سمير ندا. استقبال الرواية في أمريكا وكيف تم منعها، أو حذف فصول منها لجرأتها في بداية القرن العشرين. كيف وصل هو مؤلف الكتاب إلى النسخة الورقية، والناشر أمين المهدي صاحب دار النشر، الذي بدأ ثوريا ثم صار من مؤيدي التطبيع مع إسرائيل. صورة أمين المهدي كما رآها هو، والآراء المختلفة فيه من المثقفين وتجاربهم معه، وخاصة جيل السبعينيات الذين كان معهم في الجامعة، مثل الصحافية والمترجمة إكرام يوسف، والمترجم أيضا والكاتب أحمد عبد الله رزة، وغيرهم ممن قادوا المظاهرات ضد السادات في السبعينيات، ولا ينساهم التاريخ. يأخذنا إلى الحياة الثقافية ومشاكلها، وكيف تم القبض على أمين المهدي عام 2020 في شهر سبتمبر/أيلول وخرج بعد قرابة شهر ليموت.
تستمر الرحلة مع الملحمة اليونانية «الأوديسا» ومن ترجمها مثل سليمان البساتي ودريني خشبة وأمين سلامة واللبنانية عنبرة سلام الخالدي، بين النثر والشعر، ومصادر ترجماتهم بين اليونانية والإنكليزية وغيرها. نستمر في رحلته هو في البحث عما كُتب عن طه محمود طه في أرشيفات صحف «الأخبار» و»الأهرام» ودار الهلال، وكيف لا يجد ما يفيد، وإن وجد قصاصات عن جيمس جويس، حتى اتصالاته بابني طه محمود طه، لم تصل به إلى ما يسعى. وكيف لم يفز طه محمود بجائزة الدولة التقديرية، رغم السنوات الطويلة التي أنفقها في ترجمة الرواية. حديث فني عن اسم عوليس، أو أوليس أو عولس عند بعض من ترجموا الأوديسا، أو ذكروا رواية جيمس جويس، وكيف لم يفصح طه محمود عن مصدر اختياره «عوليس».
ينتقل إلى «موسوعة جيمس جويس» التي كتبها طه محمود أيضا وصدرت عام 1975 وبحثه عن شيء عنها في الأرشيفات، لكنها كالعادة خيبت آماله، مع ذكر القليل مما عثر عليه لجمال الغيطاني، أو مصطفى عبد الله، أو أنيس منصور، أو يوسف القعيد. تستمر رحلة البحث بين الأخبار الصحافية والتقارير، عن ندوات خاصة بالكاتب أو أعماله، فلا يجد إلا القليل، وشبه إجماع على صعوبة الترجمة، ووضوح عدم القراءة الكاملة من البعض، ويعطيك أمثلة منها ما نشرته «أخبار الأدب» عن إحدى الندوات بعنوان «بين عوليس ويوليسيس». إعادة إبداع تحتاج لمعجم، ويعلق على من ينتقد الرواية، من دون قراءتها كاملة، وكانوا كثيرين، بكلمة لطه محمود نفسه، إنهم قشريون. يقصد لا يكملون القراءة ويكتفون بسطور قليلة أو لا يتعمقون في المعاني.

ثم يأتي الحديث عن رواية «فينيجانز ويك» لجيمس جويس أيضا. وكيف هي آخر توهج لشموع طه محمود الذي ترجمها، وحديث رائع عنها. كيف هي أصعب رواية في القرن العشرين، فهي تتضمن تسعا وستين لغة ولهجة، منها الكردية واللاتينية والسواحيلي. كيف رأى طه محمود أنه يجب قراءتها بصوت عالٍ بسبب موسيقى اللغة، وكيف انتهي منها في عامين وراجعها في عامين، وجاء خبر ترجمتها في جريدة «الأهرام» في يناير/كانون الثاني عام 2001. يبحث أيضا في دار الكتب المصرية عن الكاتب، فلا يجد غير فصلين من رواية عوليس نشرهما في المجلات في الستينيات، وكتابيه «القصة في الأدب الإنكليزي» و»دراسات لأعلام القصة في الأدب الإنكليزي الحديث» والطبعة الأولى من عوليس ولا يجد الثانية، رغم أنها بالطبع حصلت على رقم إيداع من دار الكتب. يتذكر كيف تم الاحتفال عام 2004 في فندق شبرد بالترجمة العربية للإلياذة بقلم سليمان البستاني، وكيف حضر الاحتفال أعلام مصر في الحُكم والثقافة، مثل جورجي زيدان وشبلي شميل ونجيب صروف وإسماعيل باشا صبري ونقيب الاشراف محمد توفيق البكري وسعد زغلول المستشار وقتها في محكمة الاستئناف وعبد الخالق ثروت ومحمد فريد ورشيد رضا وغيرهم من كبار الشخصيات، ويتخيل حفلا لم يحدث بطه محمود وأعماله، سواء الموسوعة أو عوليس أو فينجانز ويك قبل وفاته. ينهي الرحلة برسالة إلى طه محمود طه قائلا فيها، «هذا ليس مقام وداع فمثلك لا يُودّع. صرت جزءا من حياتي بصحبتك وبالمشي تجاهك وحولك. كثيرا ما شعرت بالقلق وناوشتني الظنون والشكوك وما زلت، فقط الآن أقول.. شكرا على الصحبة».
وأنا بدوري أقول لمحمد فرج شكرا على الصحبة في هذا الكتاب الرائع الفريد في موضوعه. وجهده العظيم الذي جسد لنا تاريخا ثقافيا وحاضرا، رغم أنه لم يعثر على هدفه الضائع.

كاتب مصري



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *