من الروايات الرشيقة على مستوى المتن الروائي، ولكن المثقلة بمتعة التكوين والتفاعل، رواية «لاعب الشطرنج» للروائي النمساوي ستيفان زفايغ – ترجمة سحر ستالة، ومنشورات مسكيلياني 2017. أهم ما يميز هذه الرواية وعيها بذلك الانسجام والتكامل بين الحكاية والمتن، حيث لا يمكن إلا أن يستشعر القارئ قيمة الترقب المشدود إلى فاعلية التكوين في الخط السردي بصورة واضحة، في حين أن الخلاصات الفكرية للرواية لا تتشكل إلا في حدود القراءة التي تنتهي إلى خاتمة قد تبدو لنا للوهلة الأولى غير منطقية، ولكنها في الواقع تستجيب لحساسية العمل ومقاصده، ومن هنا يمكن القول إن الرواية في خفتها أو رشاقتها الظاهرة، لا تعني بساطة التكوين بمقدار ما تعني قدرة الروائي على تكثيف الدلالة ضمن بنية سردية محسوبة بعناية، في حين أن هذه الرواية بحكايتها قد تصلح لأن تكون مدخلاً لفهم عدد من المستويات التي تتعلق بالعزلة، والشر، والعقل البشري، وربما غير ذلك.
التكوين السردي
يمكن تأطير قيمة هذا العمل بقدرته على أن يكون نموذجاً للقدرة على تكثيف البناء السردي على مستوى العناصر المألوفة، من حيث الحبكة، والمكان، والزمن، والشخصيات، وغير ذلك، حيث تذهب الرواية إلى توجيه ذهن المتلقي إلى قيمة لعبة الشطرنج وفلسفتها. غير أن الصيغة السردية سرعان ما تنزاح بفعل شخصية الراوي المشارك في الحدث، يبقى بلا اسم، أو مجهول، ولكنه منشغل بتتبع هذا اللعبة، ولا سيما أحد اللاعبين الذي بات الأكثر شهرة، وما كمن في شخصيته من تعالٍ وجشع مالي، ولكن الأهم عقل أداتي بارد، بيد أن الأمر الذي يستحق الالتفات إليه الوظيفة التي تنهض بها الشخصية، على الرغم من التغييب العلمي، وعدم تموضعه في مركز الحكاية، إلا أنه استطاع الكشف عن الشخصيات بصورة تدريجية من أجل تحقيق استراتيجية سردية تنهض على التشويق، لا التعريف أو نقل الأحداث فحسب.
من أبرز الشخصيات في الرواية، والتي يتعرفها القارئ من خلال الراوي المشارك شخصية لاعب الشطرنج «ميركو كرزنتوفيك» الذي نشأ يتيماً، حيث تولّى أحد القساوسة في القرية رعايته، وبذلك فقد اختبر هذا العبقري طفولة شقية أو غير سوية، غير أن تكوينه العقلي وشخصيته يحيلان إلى شخص محدود الإدراك خارج لعبة الشطرنج، فقد استطاع أن يتقن اللعبة بعد متابعته للقس، وهو يلاعب أحد أصدقائه، وسرعان ما يتطور الأمر ليصبح هذا الفتى أحد أهم مشاهير اللعبة، في حين أن هذه الشخصية تنهض على مفارقة واضحة تتمثل بكونه عبقرياً، ولكن في حدود رقعة الشطرنج، أما خارج حدود ذلك، فهو ذو إمكانيات محدودة، مما يعني أن العبقرية في بعض الأحيان قد لا تبدو قيمة مكتملة كونها في بعض الأحيان قد تتفصل عن الثقافة والخيال كما الحس.
في سفينة متوجهة من نيويورك إلى بوينس آيرس، يجتمع لاعب الشطرنج الشهير «ميركو كرزنتوفيك» مع الراوي، ومن ثم يظهر «ماك كونور»: مسافر من رجال الأعمال، الذي سرعان ما يدفع بقوة باتجاه خوض مباراة جماعية ضد «كزنتوفيك» عبر إغرائه بالمال. أثناء اللعبة يتدخل رجل غامض اسمه الدكتور «ب» عبر توجيهات تنم عن معرفته العميقة باللعبة، ومن ثم تنتهي الأحداث إلى تنظيم مواجهة بين الدكتور، و«كزنتوفيك» على متن تلك السفينة التي تشكل إحدى قيم التأسيس السردي على مستوى المكان، كونها تعني إحالة إلى مكان متوتر، ومنعزل، إذ تجتمع فيه شخصيات لا يجمعها سوى الصدفة، ومع ذلك فثمة ما يقرب بينهم، ولا سيما «الراوي» و«الدكتور ب» الذي يقوم بسرد قصته على الراوي – في وقت لاحق – ضمن صيغة تداخل حكاية داخل حكاية
إن قيمة التكوين السردي لا تتجه إلى اللعبة بذاتها، إنما إلى ما تعنيه في وعي الدكتور «ب» الذي يقوم بتحدي اللاعب الشهير. وخلف هذه الوضعية السردية تكمن رواية أخرى لا تقتصر على الشغف بلعبة الشطرنج؛ ولكن ما خلف ذلك، فالرواية معنية بنسق تاريخي يتصل بجزء من تاريخ النمسا بعد وقوعها تحت الحكم النازي أثناء الحرب العالمية الثانية، حيث جرت السيطرة على الأموال والوثائق، ولا سيما المتصلة ببعض الدوائر الملكية والكنسية، حيث كان الدكتور أحد المحامين الذين على اتصال بإدارة أموال بعض الدوائر الملكية والكنسية.
ولكنها تخلو من أي اتصال بالعالم الخارجي، حتى الحارس لا يُسمح له بأي تواصل معه، مع التذكير بأن محدودية غرفة المعتقل تتوافق مع دلالة المكان على السفينة التي شهدت مباراة التحدي. ومن هنا تكمن خطورة هذا النوع من التعذيب الذي يتجاوز الجسد إلى تعذيب العقل، وتغييب العالم بكل ما فيه الوجوه، والصوت، واللغة، والمكان، والأشياء ما يعني توليد عنف صامت يدفع إلى الانغلاق. ومن هذا السياق تتضح جزئية شغف الدكتور «ب» بلعبة الشطرنج، إذ تنزاح هذه اللعبة بتكوينها المباشر إلى أن تتحول إلى قيمة مجازية تتعلق بتكوين صورة مختزلة للعقل الذي يسعى إلى مواجهة العزلة، بيد أن الأمور سرعان ما تنفلت من عقالها، وتسوء.
ظلال التجربة
على الرغم من مقاومة الدكتور «ب» لهذا النسق من التعذيب، لكنه سرعان ما يبدأ بالشعور بأنه سينهار، وفي يوم ما يستطيع في أثناء التحقيق أن يسرق كتاباً عن لعبة الشطرنج يضم أهم الخطط والمباريات، لتبدأ صيغة ذات بعد نفسي وانفعالي؛ إذ يلجأ هذا المحامي إلى الاستغراق في هذا الكتاب إلى حد الهوس، فيستعيد مبارياته آلاف المرات حتى يتمثلها بكل تفاصيلها، وعلى ذلك تتحدد مفارقة الرواية، فالكتاب ـ اللعبة التي عُدت وسيلة للنجاة، أو البقاء تتحول إلى أداة من أدوات القيد والأسر، ولكن في إطار الذهن عبر اللعب مع الذات، حيث يتناسى الدكتور عالمه وعزلته والاعتقال، لينخرط في نوع من أنواع الهوس والجنون، ويتأتى ذلك من التعقيد الناشئ عن ذلك، حين يضطر إلى تجريد شخص من ذاته، يختلقه ليلاعبه، فيحاول أن يعرف خططه، وبذلك تصبح الأنا منافسة الأنا عينها، وهنا تكمن قراءة فلسفية لعقل الإنسان، وما يمكن أن يطرأ من دروع يبتكرها الشخص المأزوم للبقاء، أو النجاة، ومن ذلك اللعبة التي تمسي صورة عن ذات متشظيّة تسعى لتجاوز عزلتها القسرية، والفراغ، ولكنها سرعان ما سقطت في عزلة أعمق، ونعني عزلة داخلية داخل اللعبة.
إن التمايز بين اللاعبين يظهر بوضوح على الرغم من القاسم المشترك المتمثل بمحدودية ما خارجها لكلا الطرفين، بيد أن ميزة الدكتور «ب» تتمثل في كونه مارس اللعبة ضمن واقع متخيل، وهو مسكون في مخيلته بتلك الغرفة أو المعتقل، حتى إنه يتمكن من إحراج اللاعب الشهير، ويتفوق عليه في المباراة الأولى، غير أن المباراة الثانية تدفعه إلى حالة من التوتر والهلوسة، قبل أن ينسحب بعد تدخل الراوي الشخصية، ولا سيما حين يعي الأول أنه لم يعد في تلك الغرفة أو المعتقل، ما يعني استعادة تجربة الصدمة، حيث كان يعتقد أنه تجاوز الذاكرة، وبناء عليه فإن الانسحاب من اللعبة بعد تدخل الراوي الشخصية، يُقرأ على أنه عدم الرغبة في العودة إلى الهاوية مرة أخرى.
حدود الدلالة
لا شك في أن أي قارئ للرواية سوف يتساءل عن حدود المعنى فيها: فهل هي معنية بلعبة الشطرنج، أم بحدود العبقرية التي تنتج عن شخصية غير سوية كما هي شخصية اللاعب الشهير «ميركو كرزنتوفيك»، والدكتور «ب»؟ أم أنها معنية بوقائع تاريخية تتصل بممارسات النازية والتعذيب؟ في الحقيقة، إن الدلالات السابقة تتمحور حول النفس البشرية بصورة أو بأخرى، ولكنها تتقصد وضع ذلك في سياق تاريخي يستهدف تمكين صورة الإنسان في تمثله للشر، وما يمكن أن يقود إليه من عطب يطال الذات، ولكنها تتوجه بصورة عميقة إلى العقل البشري الذي قد يتحول إلى ملجأ، وربما يتحول إلى سجن، ولكنه في كل الأحوال فإن الإنسان على ما يبدو يبحث عن المعنى، أو بصورة أدق عن معنى الوجود، فالحياة ليست سوى القيمة الكامنة في الوجود، وما ممارسات سلب الذات من معناها سوى إحالة للشر الكامن، هكذا نرى أن الرواية بصيغتها المكثفة، سعت إلى استدراك القارئ إلى أسئلة متجاورة، ربما يتنازعها التاريخي والفلسفي والنفسي والحياتي، فتقود المتلقي إلى جملة من التأويلات، والزوايا التي يمكن أن تعيد تأطير الرواية تبعاً لوجهة النظر.
وإذا ما نظرنا إلى الشخصيات، ولا سيما الدكتور «ب» ولاعب الشطرنج، وحتى رجل الأعمال، فهي شخصيات مؤطرة في حدودها، ما يفسر ما عبر عنه الراوي، عن تعجبه من الأشخاص المهووسين في فكرة واحدة، ومن يصنعون عالماً مصغراً، في حين تقرأ لعبة الشطرنج، التي قادت إلى العزل الداخلي بوصفها مفارقة لهذا المعنى، فهي اللعبة الوحيدة التي اخترعها الإنسان من وجهة نظر الراوي، لا تعتمد على الصدفة، أو الحظ واستبدادهما، ما يفسر قيمة الفكرة كونها تقع بين عقلين: لاعب الشطرنج بوصفه عقلاً بارداً أداتياً، والدكتور «ب» بوصفه حساساً ومرهفاً ومثقفاً، ولكنه مأزوم بداعي التجربة، وعليه فيمكن قراءة الرواية على أنها تمثيل لقيم العقل، وأثر الاضطرابات النفسية، في حين أن بعض النقاد يرون في الرواية إحالة رمزية لانهيار أوروبا الليبرالية، أو العقل الغربي ممثلاً بالدكتور «ب»، في حين أنها يمكن أن تقرأ بتداخلها مع الذاتي أو الشخصي، وأعني الكاتب ستيفان زفايغ، الذي عانى في أواخر حياته من العزلة، وبناء على ذلك تتعزز منظومة من الدلالات تجعل الرواية ثرية على مستوى التشكيل المضموني، ولكنها في الوقت عينه حظيت ببنية فنية متقدمة بوصفها رواية قصيرة، غير أن هذا القصر، أو المحدودية لم تمنعها من أن تثري عقل الملتقي، وخياله، فضلاً عن إجباره على التفكير والتأمل في حدود المعاني والدلالات الكامنة، ولكنها في الوقت عينه لم تسلبه متعة القراءة، وهذا ما لا نراه في الكثير من الروايات التي تستغرق القارئ، وتثقله في عالم سردي بارد… ممطوط، ولزج، يخلو من الفكرة، وجمال الأسلوب.
كاتب أردني فلسطيني