متابعة/المدى
أعاد الجدل بشأن تعديل الدستور العراقي فتح النقاش حول إشكالات النظام السياسي، وآليات تشكيل الحكومات، وتكريس المحاصصة الطائفية والحزبية في مؤسسات الدولة.
وبينما يؤيد عضو لجنة كتابة الدستور ضياء الشكرجي مراجعة النصوص الدستورية، فإنه يتحفظ على إجرائها في ظل التركيبة السياسية الحالية، فيما يدعو المحامي أمير الدعمي إلى إشراك الخبراء والأكاديميين بإشراف قضائي، محذراً من استمرار توظيف الدستور لخدمة مصالح الأحزاب.
وأكد عضو لجنة كتابة الدستور العراقي ضياء الشكرجي أن عدداً من النصوص الدستورية أثار اعتراضات خلال عملية الكتابة عام 2005، ولا سيما ما يتعلق بالمبالغة في أسلمة الدستور وإضفاء الصبغة الطائفية عليه، مشيراً إلى وجود تناقضات بين بعض مواده.
وقال الشكرجي إن مواقفه الحالية تختلف عن بعض آرائه السابقة، لكنه كان يعترض منذ كتابة الدستور على تضمينه شروطاً إسلاموية تتعارض مع مواد أخرى، مضيفاً أنه تعرض، خلال المرحلة الأخيرة من عملية الكتابة، لمنع من الكلام وتوزيع أوراق تتضمن آراءه الدستورية.
وأوضح أن مرور أكثر من عقدين على إقرار الدستور يستدعي مراجعة التجربة السياسية، مؤيداً دعوة رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان إلى تعديل الدستور، لكنه اعتبرها متأخرة، لافتاً إلى أن آلية تكليف مرشح الكتلة الأكبر بتشكيل الحكومة تحولت إلى ممارسة تقوم على التحالفات التي تتشكل بعد الانتخابات.
وأضاف أن التجارب الديمقراطية الراسخة تعتمد تكليف مرشح الكتلة الفائزة بأكبر عدد من المقاعد، وليس الكتلة التي تتشكل لاحقاً داخل البرلمان، معتبراً أن التفسير الذي اعتمد في العراق أضعف دلالة النتائج الانتخابية، وأتاح للقوى الخاسرة في الانتخابات المشاركة في تشكيل الكتلة الأكبر.
وأشار الشكرجي إلى أن إشكالات النظام السياسي لا تقتصر على تشكيل الحكومة، بل تمتد إلى انتخاب رئيس الجمهورية، داعياً إلى الفصل بين موعد الانتخابات البرلمانية وموعد انتخاب الرئيس، من خلال تحديد مدة رئاسية مختلفة عن الدورة النيابية، بما يمنع توقف الاستحقاقات السياسية بانتظار التوافق على المرشح.
وانتقد اشتراط حصول مرشح رئاسة الجمهورية على ثلثي أصوات مجلس النواب في الجولة الأولى، قبل الانتقال إلى الأغلبية المطلقة في الجولة التالية، متسائلاً عن جدوى هذا التعقيد، في ظل إمكانية اعتماد الأغلبية المطلقة منذ البداية.
وفي المقابل، قال المحامي والخبير القانوني أمير الدعمي إن دعوة زيدان إلى مراجعة الدستور ليست جديدة، موضحاً أنه سبق أن حذر مراراً من الغموض والتناقضات التي تضمنتها بعض مواده، والتي أفضت إلى تفسيرات تأثرت بالتجاذبات السياسية.
وأضاف أن الدستور ليس سيئاً بالمطلق، لكن بعض فقراته صيغت بطريقة تسمح بتفسيرات متعددة، مشيراً إلى أن التدخلات السياسية في تفسير النصوص الدستورية أسهمت في تعميق الأزمة منذ عام 2010.
ورأى الدعمي أن القضاء يمثل إحدى الركائز الأساسية لاستمرار العملية السياسية، معتبراً أن دعوة زيدان إلى التعديل تأتي نتيجة الأزمات المتكررة التي واجهتها البلاد بعد الانتخابات، وما رافقها من تعثر في تشكيل الحكومات.
وانتقد اشتراط أغلبية الثلثين لانتخاب رئيس الجمهورية، وما ترتب عليه من إمكانية تعطيل الاستحقاقات الدستورية، داعياً إلى مراجعة هذه الآلية، فضلاً عن بحث مدى ملاءمة النظام البرلماني للتجربة العراقية، وإمكانية الانتقال إلى نظام شبه رئاسي يمنح المواطنين دوراً مباشراً في انتخاب رئيس الجمهورية.
وأشار إلى أن الأعراف السياسية كرست توزيع المناصب العليا على أساس الانتماء القومي والطائفي، بحيث يكون رئيس الجمهورية كردياً، ورئيس الوزراء شيعياً، ورئيس مجلس النواب سنياً، رغم أن الدستور لا ينص على هذا التوزيع، معتبراً أن هذه الممارسات رسخت المحاصصة وأضعفت مبدأ المواطنة.
تعديل الدستور والطبقة السياسية
وفي هذا السياق، تحفظ الشكرجي على إجراء التعديلات الدستورية في ظل التركيبة الحالية لمجلس النواب، قائلاً إن القوى السياسية المتنفذة لا تؤمن، بحسب رأيه، بمبادئ الدولة المدنية القائمة على المواطنة، بل تتمسك بالمكوناتية والمحاصصة والطائفية السياسية.
وأضاف أن تعديل الدستور ينبغي أن ينتظر تشكل برلمان يمتلك نسبة مؤثرة من القوى المدنية المؤمنة بالديمقراطية والمواطنة، محذراً من أن تؤدي التعديلات التي تتولاها القوى الحالية إلى نتائج أسوأ من المشكلات القائمة.
ورأى أن الأزمة تتجاوز الطبقة السياسية إلى البيئة المجتمعية التي أسهمت الانقسامات الحزبية والطائفية والمناطقية في إضعاف هويتها الوطنية، مشيراً إلى أن الاحتجاجات، ولا سيما تظاهرات تشرين، كشفت عن وجود رفض شعبي واسع للأحزاب المتنفذة، لكنه لم يتحول حتى الآن إلى مشروع بديل متكامل.
ودعا الشكرجي إلى تطبيق قانون الأحزاب، بما يضمن عدم قيام التنظيمات السياسية على أسس طائفية أو قومية تتعارض مع مبدأ المواطنة، كما شدد على ضرورة مواجهة الأحزاب التي تمارس العنف أو ترتبط بولاءات خارجية، وفق الأطر القانونية.
من جانبه، اقترح الدعمي إسناد مهمة إعداد التعديلات إلى خبراء وأكاديميين متخصصين في القانون الدستوري، بإشراف مجلس القضاء الأعلى، على أن تُعرض التعديلات على مجلس النواب للتصويت، بما يضمن عدم خضوعها لأهواء القوى السياسية ومصالحها.
وأكد أن الأحزاب القائمة لا تمتلك، برأيه، الإرادة اللازمة لإصلاح الدستور، لأن ذلك قد يمس امتيازاتها التي تشكلت منذ عام 2003، لافتاً إلى أن المحاصصة لم تعد مقتصرة على الرئاسات الثلاث، بل امتدت إلى الوظائف الإدارية داخل الوزارات ومؤسسات الدولة.
النظام السياسي ومخاوف الاستبدال
وفي ما يتعلق بالنظام الرئاسي، قال الشكرجي إنه لا يعدّه حلاً للأزمة العراقية، لأن تغيير شكل النظام لن يضمن الإصلاح ما دامت الأحزاب نفسها تحتفظ بنفوذها داخل البرلمان ومؤسسات الدولة.
وحذر من أن توسيع صلاحيات رئيس الجمهورية قد يخلق مخاطر تتعلق بالاستئثار بالسلطة، مؤكداً أن الأولوية تتمثل في تغيير القوى السياسية وتوفير بدائل ديمقراطية تؤمن بفصل الدين عن السياسة، وتتبنى المواطنة أساساً للعمل السياسي.
واتفق الدعمي مع ضرورة مراجعة النظام السياسي، مفضلاً النظام شبه الرئاسي الذي يتيح انتخاب رئيس الجمهورية والبرلمان بصورة منفصلة، مع تحديد العلاقة بين السلطات وآليات اختيار رئيس الوزراء.
وأشار إلى أن محاولات تعديل الدستور التي أعقبت احتجاجات عام 2019 لم تحقق نتائج ملموسة، رغم تشكيل لجان وجمع مقترحات، معتبراً أن المشكلة لا تكمن في استحالة التعديل دستورياً، وإنما في غياب الإرادة السياسية لتنفيذه.
وأضاف أن المادة 126 تتيح مساراً لتعديل الدستور، خلافاً لما يروّج له بعض السياسيين بشأن جمود النص الدستوري، فيما تثير المادة 142 تعقيدات تتعلق بآليات التعديل وإمكانية رفضه في ثلاث محافظات.
واختتم الدعمي حديثه بالتأكيد على ضرورة مراجعة ديباجة الدستور أيضاً، معتبراً أنها تتضمن عثرات وثغرات لا تعكس بالقدر الكافي وحدة العراقيين، وتستدعي إعادة النظر بما يعزز الهوية الوطنية ويحد من الانقسامات الطائفية.