رأس الرجاء الصالح يفرض نفسه من جديد كبديل بحري رئيسي لمضيق هرمز


باريس- “القدس العربي”: قالت صحيفة “ليزيكو” الاقتصادية الفرنسية إن القيود الصارمة التي فرضتها إيران على مضيق هرمز أعادت تشكيل خريطة التجارة البحرية العالمية، حيث يبرز مسار رأس الرجاء الصالح، كخيار بديل مهم، على الرغم من طول المسافات وصعوبة الملاحة.

فقد أصبح رأس الرجاء الصالح، الواقع في أقصى جنوب أفريقيا، وجهة مفضلة بشكل متزايد. وكان قد استُخدم بكثافة بالفعل من قبل السفن التي سعت لتجنب البحر الأحمر خلال هجمات الحوثيين عام 2023، لكن إغلاق مضيق هرمز زاد من اضطراب طرق الملاحة الدولية، ورفع من حجم الحركة البحرية قبالة هذا المسار البحري.

ويُعزى هذا التحول بشكل كبير إلى زيادة حركة الشحن على الطريق البحري الذي يربط الساحل الأطلسي بالأسواق الآسيوية. وتنقل “ليزيكو” عن ماتيو رايت، المحلل في شركة “كبلر” المتخصصة في تحليل أسواق السلع، قوله: “لقد فقدنا كميات كبيرة من النفط القادم من الشرق الأوسط، ولذلك نشهد تزايدًا في عدد السفن القادمة من الأطلسي باتجاه آسيا”.

وتحاول كل من الولايات المتحدة الأمريكية والبرازيل تلبية احتياجات الدول الآسيوية التي تم حرمانها من موردها الرئيسي للطاقة، إضافة إلى تلبية الطلب الأوروبي.

كان جزء من حركة الملاحة قد تحول بالفعل إلى هذا المسار في نهاية عام 2023 بعد أن استهدف الحوثيون السفن في البحر الأحمر ردًا على الحرب في غزة، تشير “لزيكو”.

ولتجنب مضيق باب المندب وخليج عدن، باتت السفن تسلك طريقًا أطول يمر عبر قناة السويس والبحر المتوسط، ثم بمحاذاة سواحل غرب أفريقيا وصولًا إلى رأس الرجاء الصالح قبل دخول المحيط الهندي. ويُعرف هذا المسار باسم “الطريق الطويل”، حيث تزيد مدة الرحلة بين 10 و20 يومًا.

وخلال ثلاث سنوات، تضاعف حجم البضائع العابرة عبر رأس الرجاء الصالح، وفق بيانات صندوق النقد الدولي المعتمدة على إشارات تتبع السفن. لكن هذه الطريق لا تخلو من المخاطر، حيث تُعرف المياه قبالة سواحل جنوب أفريقيا بظروفها القاسية، مع أمواج عالية وعواصف متكررة، فضلًا عن ضيق المساحة الصالحة للملاحة.

وقد فقدت العديد من السفن، لاسيما سفن الحاويات، أجزاء من شحناتها في هذه المنطقة. ففي عام 2024 وحده، جرفت العواصف نحو 200 حاوية إلى البحر، أي ما يمثل 35% من إجمالي الخسائر المسجلة عالميًا وفق المجلس العالمي للشحن. ويحذر نيل روبرتس قائلًا: “ليست كل السفن قادرة على استخدام هذا المسار بسبب صعوبة ظروفه. وليس من قبيل الصدفة أن يُعرف بهذا الاسم”.

مع تراجع الحملة الهجومية للحوثيين في نهاية عام 2025، تواصل “ليزيكو”، بدأ النشاط الملاحي في البحر الأحمر يستعيد عافيته تدريجيًا. وتعزز هذا الاتجاه بفعل أزمة مضيق هرمز وزيادة صادرات النفط السعودية.

وبفضل خط أنابيب “شرق–غرب”، الذي أُنشئ تحسبًا لأي صراع مع إيران، تستطيع السعودية نقل جزء من إنتاجها إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، متجاوزة مضيق هرمز، ومن ثم تزويد الأسواق الآسيوية التي تعتمد بشدة على نفط الخليج، توضح “ليزيكو”.

قبل الحرب، كانت دول المنطقة تغطي نحو 80% من احتياجاتها النفطية من الخليج، منها 38% للصين وحدها. ومع ذلك، تبقى هذه العودة الحذرة للملاحة في البحر الأحمر مرهونة باستقرار طويل الأمد في المنطقة، ونجاح المفاوضات بين طهران وواشنطن. وحتى الآن، لم يرد الحوثيون على الضربات الأمريكية والإسرائيلية ضد النظام الإيراني الحليف لهم، تتابع “ليزيكو”.

لكن أي تصعيد جديد قد يدفعهم للعودة إلى استهداف السفن، ما سيجبرها مجددًا على الالتفاف عبر رأس الرجاء الصالح. ويؤكد نيل روبرتس: “الوضع لا يزال غير مستقر، ونحن نتابعه عن كثب”.

كما تعيد النزاعات رسم طرق التجارة، فإنها تخلق أيضًا فرصًا جديدة، حيث برزت مصفاة لاغوس العملاقة في نيجيريا كأحد المستفيدين من الأزمة، في ظل نقص المنتجات النفطية المكررة، وارتفاع المخاوف من نقص الوقود عالميًا.

فبعد أن بلغت طاقتها الإنتاجية الكاملة في منتصف فبراير، بدأت المصفاة تصدير كميات كبيرة إلى وجهات بعيدة. ففي شهر أبريل الماضي، صدّرت نحو 170 ألف برميل يوميًا من الكيروسين إلى أوروبا، منها حوالي 26 ألف برميل إلى فرنسا، و23 ألفًا إلى إسبانيا، و16 ألفًا إلى المملكة المتحدة، وفق بيانات “كبلر”، وهو مستوى غير مسبوق، تشير “ليزيكو”.

لكن سواحل خليج غينيا لا تخلو من المخاطر. فبالرغم من تراجع أعمال القرصنة، إلا أنها لم تختفِ تمامًا، وما تزال هجمات القراصنة النيجيريين تشكل تهديدًا كبيرًا. فعلى عكس مناطق أخرى مثل الصومال، غالبًا ما تُستهدف طواقم السفن مباشرة، حيث يتم اختطاف البحارة ونقلهم إلى البر لطلب فدية.

وتنقل “ليزيكو” عن ديميتريس مانياتيس، مدير شركة أمن بحري خاصة، قوله: “إنهم مجموعات من الشباب، غالبًا تحت تأثير المخدرات، شديدو العدوانية وانتهازيون للغاية. وقد أصبحت هذه القرصنة اليوم التهديد البحري الرئيسي في غرب أفريقيا”.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *