دينا آغا.. فلسطينية في لبنان توثق ذاكرة القرى المهجرة وتحمي رواية النكبة من الضياع


صيدا – “القدس العربي”:- في كل بيت فلسطيني حكاية، وفي كل حكاية مفتاح، وصورة قديمة، واسم قرية ما زال حيا رغم محاولات المحو والنسيان. ودينا خليل آغا، ابنة قرية أم الفرج في قضاء عكا، واحدة من أبناء هذا الشعب الذين لم يتعاملوا مع فلسطين كذكرى بعيدة، بل كقضية حية تورث جيلا بعد جيل.

هي اللاجئة الفلسطينية المقيمة في جنوب لبنان، في منطقة صيدا، وتعمل اليوم في مؤسسة “هوية” لتوثيق جذور العائلات الفلسطينية، وهي مؤسسة تعنى بحفظ الوثائق الفلسطينية الممتدة من زمن الانتداب البريطاني، مرورا بالنكبة والاحتلال الإسرائيلي، وحتى يومنا هذا، إضافة إلى تسجيل الذاكرة الشفوية مع كبار السن الذين عايشوا النكبة وشهدوا تفاصيل التهجير بأعينهم.

15 مايو 1948

15 أيار / مايو 1948، لا يوجد فلسطيني، وربما لا يوجد إنسان مهتم بالعدالة في هذا العالم، لا يعرف معنى هذا التاريخ. في الخامس عشر من أيار / مايو عام 1948 بدأت المأساة الكبرى، النكبة التي سرقت فيها الأرض، وهجر الشعب من مدنه وقراه، وتحولت حياة الناس من الاستقرار إلى اللجوء.

خرج الأجداد من بيوتهم وهم يظنون أن الغياب لن يطول، حملوا المفاتيح معهم على أمل العودة بعد أيام قليلة. لم يكن أحد يتخيل أن تلك الأيام ستتحول إلى عقود طويلة.

لكن رغم مرور كل هذه السنوات، لم تسقط فلسطين من الذاكرة الفلسطينية يوما. فحق العودة بالنسبة لنا كلاجئين ليس مجرد شعار سياسي، بل جزء من الهوية والوجود. هو حق يحمله الفلسطيني أينما ذهب.

حق لا يسقط

تقول دينا لـ”القدس العربي” إن” اللاجئ الفلسطيني قد يهجر من مكان إلى آخر، وقد يعيش عمره كاملا بعيدا عن قريته، لكنه لا يمكن أن يتخلى عن شبر واحد من أرضه. فالارتباط بفلسطين ليس ارتباطا جغرافيا فقط، بل هو ارتباط عاطفي وإنساني وتاريخي متجذر في الروح”.

تتابع “كبرنا ونحن نسمع المقولة الشهيرة “الكبار سيموتون والصغار سينسون”، لكن السنوات أثبتت عكس ذلك تماما، فالأحفاد الذين لم يروا فلسطين حملوها في وجدانهم أكثر مما توقع المحتل. وتحولت الرواية الفلسطينية إلى مسؤولية جماعية، يتناقلها الناس عبر الحكايات والصور والأغاني والوثائق وذاكرة الجدات”.

الأرشفة كشكل من المقاومة

هنا تحديدا تظهر أهمية العمل الذي تقوم به المؤسسات المعنية بالأرشفة والتوثيق، وأهمية الأشخاص الذين يؤمنون بأن حماية الذاكرة الوطنية ليست عملا ثقافيا فقط، بل شكل من أشكال المقاومة.

فالاحتلال لم يحاول السيطرة على الأرض فحسب، بل حاول أيضا السيطرة على الرواية. لذلك أصبح توثيق أسماء القرى، وشهادات الناجين، وصور البيوت، والأوراق الرسمية القديمة، جزءا أساسيا من مواجهة الرواية الإسرائيلية التي سعت دائما إلى إنكار وجود الشعب الفلسطيني وتاريخه.

ذاكرة الجيل الأول

من أخطر ما يهدد القضية الفلسطينية اليوم رحيل الجيل الذي عايش النكبة، فهؤلاء الكبار لا يحملون مجرد ذكريات شخصية، بل يحملون تفاصيل الحياة الفلسطينية قبل الاحتلال: أسماء الحارات، ومواسم الزيتون، والأعراس، والمدارس، والأسواق، وحتى رائحة البيوت القديمة.

لهذا السبب تعد الذاكرة الشفوية من أهم وسائل حفظ التاريخ الفلسطيني. فعندما يجلس أحد كبار السن ليروي كيف خرج من قريته، أو كيف كان شكل البيت والطريق والبحر والحقول، فهو لا يروي قصة فردية فقط، بل يوثق جزءا من تاريخ شعب كامل.

ودينا، من خلال عملها، تدرك تماما خطورة ضياع هذه الشهادات، لذلك يأتي التوثيق كسباق مع الزمن، لحفظ ما تبقى من أصوات الجيل الأول للنكبة قبل أن تغيب.

بعد السابع من أكتوبر

ربما مرت القضية الفلسطينية خلال السنوات الماضية بحالة من الركود أو التراجع الإعلامي والسياسي، وشعر كثيرون أن العالم بدأ ينسى فلسطين تدريجيا. كما ظهر نوع من الإهمال في الاهتمام بالأرشيف والذاكرة الوطنية مقارنة بحجم الخطر الذي يهددها. لكن ما حدث بعد السابع من أكتوبر أعاد ترتيب المشهد من جديد. فعادت فلسطين إلى واجهة العالم، وعاد الحديث عن الرواية الفلسطينية، وعن أهمية حماية التاريخ والوثائق والهوية.

ومع حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة، لم يكتف الاحتلال باستهداف البشر والحجر، بل استهدف أيضا مراكز الأرشفة والمؤسسات الثقافية والتاريخية، في محاولة واضحة لمحو الذاكرة الفلسطينية وتدمير كل ما يوثق وجود هذا الشعب على أرضه. هذا التدمير خلق وعيا أكبر لدى الفلسطينيين بأهمية الحفاظ على كل ما يتعلق بتاريخهم: الوثائق القديمة، والصور، وشهادات كبار السن، وسجلات العائلات، وحتى التفاصيل الصغيرة التي قد تبدو عادية، لكنها تشكل أجزاء من الهوية الوطنية.

حكاية لا تنتهي

ما يميز الفلسطيني أنه لا يتعامل مع وطنه كقصة من الماضي، بل كحقيقة مستمرة. ففي المخيمات، وفي الشتات، وفي المنافي البعيدة، ما زالت أسماء القرى حاضرة، وما زالت المفاتيح معلقة على الجدران، وما زال الأطفال يحفظون أسماء المدن التي لم يروها.

وتستمر الحكاية، حكاية شعب حاولوا اقتلاعه، لكنه بقي متمسكا بأرضه وذاكرته وروايته. فالذاكرة الفلسطينية لم تمت، ولن تموت، لأن هناك دائما من يحفظها، ويوثقها، ويرويها للأجيال القادمة.





Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *