دور العمل العربي الجماعي


بين 2023 و2026، سعت القاهرة ومعها عواصم عربية وإقليمية أخرى لوقف حرب الإبادة في غزة وخفض معدلات الاستنزاف العسكري والتوتر الأمني في مواقع شرق أوسطية أخرى. غير أن الجهود المصرية والإقليمية، وهي أسفرت عن هدنة إنسانية قصيرة في غزة في 2023 ووقف أول لإطلاق النار في القطاع في 2025 واتفاق لإنهاء حرب غزة في 2026 وصنعت شيئا من احتواء الصراعات في المواقع الأخرى، وقفت في وجهها عدوانية وإجرام حكومة اليمين الإسرائيلي، ومحدودية رغبة الولايات المتحدة الأمريكية وقوى غربية أخرى كألمانيا في وضع حد للإبادة في غزة عبر وقف صادرات السلاح والذخيرة لإسرائيل، ومواصلة إيران لتوظيف الميليشيات المتحالفة معها في لبنان والعراق واليمن لإبعاد إسرائيل ومن ورائها الولايات المتحدة عن التورط في حرب مباشرة مع الجمهورية الإسلامية.
وكان من المتوقع في ظل استمرار حروب الاستنزاف الجديدة في الشرق الأوسط وفي بيئته الإقليمية المشتعلة أن تواصل جغرافيا الحرب الاتساع، ويزداد تنوع الأطراف المتورطة في الحروب كما وكيفا، ويتصاعد سباق التسلح دون حدود. هكذا حملت بدايات 2026 تحولا نوعيا مثله نشوب حرب إيران التي فجرتها الولايات المتحدة وإسرائيل بالاعتداء المباشر على أراضي ومنشآت وقيادات الجمهورية الإسلامية، وردت الأخيرة بضربات على المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط وعلى إسرائيل وباعتداءات متكررة على الدول العربية في الخليج.
وبين نشوب الحرب في 28 فبراير 2026 ولحظة كتابة هذه الكلمات في 13 سبتمبر 2026، تواصلت حرب إيران وانتقلت من تبادل ضربات جوية وصاروخية بين الأطراف المتحاربة إلى إغلاق لمضيق هرمز، وتعطيل لإمدادات الطاقة الخارجة من الخليج إلى العالم الذي يئن اقتصاديا على وقع موجة تضخمية عاتية، وعبث بأمن ومقدرات الدول العربية في الخليج من قبل إيران وحلفائها. ثم اشتعل اليمن بفعل تجدد الحرب الأهلية بين الحوثيين المدعومين إيرانيا وبين قوات الحكومة اليمنية المدعومة سعوديا.

على العرب أن يتحاوروا ويفكروا جماعيا ويطوروا ويطرحوا رؤية مشتركة لهم تحمي حقوقهم وتنتصر لقضاياهم في شرق أوسط يتكالب عليه الجميع

اليوم، بحسابات سبتمبر 2026، تبدو حرب الاستنزاف الجديدة في الشرق الأوسط خارجة عن السيطرة وعصية على قدرة أي طرف إقليمي أو دولي إنهائها.
فإسرائيل المتورطة في حرب إبادة ضد الشعب الفلسطيني وفي اعتداءات متكررة على لبنان وسوريا وإيران عاجزة عن إعلان إخضاع تام لغزة وعن تهجير قسري لأهلها وعن سيطرة شاملة على الضفة الغربية وعن فرض سياج أمني عازل على الجنوب اللبناني. تعجز إسرائيل عن فعل ذلك، مثلما تفشل إلى اليوم في تحقيق الأهداف المعلنة لحكومة اليمين المتطرف تجاه إيران والمتمثلة في إسقاط النظام الحاكم والإنهاء الكامل لبرنامجه النووي وقدراته الصاروخية. تعجز إسرائيل عن فعل ذلك، ويرفض يمينها المتطرف أن يتعلم درس أن التفوق العسكري لا يترجم بالضرورة لا انتصارات سياسية ولا فرض أحادي لأمن يتجاهل أمن وحقوق الشعب الفلسطيني واللبناني وعموم الشرق الأوسط.
والقوة الكبرى التي ورطتها إسرائيل في حرب إيران، الولايات المتحدة، تعجز عن إنهاء حرب أشعلتها وتخفق في تحقيق أهدافها من القضاء الكامل على البرنامج النووي الإيراني إلى تغيير نظام الحكم في طهرات، بل تفشل رغم تفوقها العسكري الكاسح في حماية قواعدها العسكرية في الخليج وحماية الممرات المائية الدولية في مضيق هرمز وباب المندب وتستنزف عسكريا وماليا واقتصاديا مجددا في الخليج وعموم الشرق الأوسط.
أما إيران، وهي تتعرض لضربات عسكرية مؤثرة وتواجه حصارا اقتصاديا خانقا تفرضه الولايات المتحدة وترى الميليشيات المتحالفة معها وهي تئن من ضغوط شديدة في لبنان والعراق وتتورط بفعل مغامراتها العسكرية في معاداة كل جوارها العربي من الخليج إلى البحر الأحمر ومعاداة المراكز الاقتصادية العالمية المعتمدة على إمدادات الطاقة التي تخرج من الخليج، إيران ترفض إدراك أن سياستها في الشرق الأوسط التي اعتمدت على توظيف الميليشيات المسلحة للضغط على دول الإقليم وإبعاد شبح حرب إسرائيلية وأمريكية عليها وحماية برامجها النووية والصاروخية بلغت حدودها القصوى، وفقدت فاعليتها بين 2023 و2026، ولن يفلح لا الإغلاق المؤقت لمضيق هرمز ولا الإغلاق المحتمل لباب المندب في تقديم أوراق استراتيجية طويلة المدى لنظامها الحاكم الذي يقف أمام شعب تدهورت أوضاعه الاقتصادية والمالية على نحو غير مسبوق.
وفي المقابل، تسعى القوى العربية الوسيطة ومعها تركيا، دون تجاهل للدور العسكري للأخيرة في سوريا ومن قبلها في ليبيا، إلى التفكير في استراتيجيات وسياسات وأدوات لاحتواء وحل الصراعات والبحث عن تدابير للأمن الجماعي ودبلوماسية سلمية متعددة الأطراف لا تتجاهل الحروب التي اشتعلت بين 2023 واليوم، ولا تتجاهل أيضا عقدة العقد الشرق أوسطية، مشكلة فلسطين.
حول حروب الاستنزاف الجديدة في الشرق الأوسط، أسبابها وأطرافها ومفاعيلها ونتائجها، حول حرب الإبادة الإسرائيلية ومغامرات إيران العسكرية عبر الميليشيات المتحالفة معها، حول أدوار القوى العربية الوسيطة وسياساتها وأدواتها، حول تكالب القوى الكبرى على مقدراتنا وخطورة الاعتماد الأحادي على وعودها ومظلات أمنها، حول فرص الأمن الجماعي وتمايزها عن تكوين الأحلاف العسكرية، حول كافة هذه القضايا يتعين على العرب أن يتحاوروا ويفكروا جماعيا ويطوروا ويطرحوا رؤية مشتركة لهم تحمي حقوقهم وتنتصر لقضاياهم في شرق أوسط يتكالب عليه الجميع.

٭ كاتب مصري



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *