دلالات الدرس المجري ومآلاته المنتظرة


قبل سبعين عاماً انتفض الشعب المجري (23 تشرين الأول/أكتوبر 1956) ضد فساد واستبداد حكم ماتياس راكوشي، وهو الذي كان يعتبر نفسه أفضل تابع لستالين في مجر/هنغاريا. ولكن الاتحاد السوفييتي بقيادة نيكيتا خروشوف قمع تلك الانتفاضة بالدبابات، وشن حملة إعلامية واسعة عليها، متهماً قادتها بالعمل من أجل إعادة النظام الرأسمالي إلى البلاد وخيانة الثورة الاشتراكية. هذا بينما كانت الوقائع تؤكد أن المستهدف من قبل المنتفضين كان الحكم الفاسد والنفوذ السوفييتي الطاغي الذي كان يتحكّم بكل مفاصل الدولة والمجتمع في مجر.
ورغم تحرر المجر من الهيمنة الروسية في المرحلة السوفييتية عام 1991 بعد انسحاب الجنود الروس من المجر وانهيار الاتحاد السوفييتي، ظلت المجر في مركز دائرة الاهتمام الروسي في عهد جمهورية روسيا الاتحادية، التي ما زال يحكمها من كانوا يعملون في أجهزة الاتحاد السوفييتي، لأسباب عديدة في مقدمتها موقعها الجغرافي في وسط أوروبا، وهو الموقع الذي يمنحها ميزة الجسر أو صلة الوصل بين غرب أوروبا وشرقها، خاصة بين أوكرانيا والنمسا. هذا بالإضافة إلى كونها عضوا في الاتحاد الأوروبي والحلف الأطلسي في الوقت ذاته، مما يمكّنها من التأثير في بقية دول أوروبا الشرقية التي ترغب في الاصطفاف إلى جانب الغرب الأوروبي في مواجهة التهديدات المحتملة من جهة الشرق.
وقد وجدت القيادة الروسية ضالتها في فيكتور أوربان الذي وصل إلى حكم المجر لأول مرة عام 1998 واستمر إلى عام 2002، ثم جاء إلى الحكم مجدداً عام 2010 ليستمر ستة عشر عاماً بصورة متواصلة، واستطاع  بناء نظام حكم شمولي قادر على التحكّم في حياة المجريين في مختلف الميادين، وعلى جميع المستويات. كما جدد أوربان الجسور بين الأجهزة الأمنية والبيروقراطية المجرية والروسية. واستغل عضوية المجر في كل من الاتحاد الأوروبي والحلف الأطلسي، ليقوم بعرقلة القرارت والمشاريع التي كانت ترمي إلى ممارسة الضغوط على روسيا، أو تقديم الدعم لأوكرانيا.
ولكن الشعب المجري استطاع بعد سبعين عاماً من سحق روسيا الاتحاد السوفييتي لانتفاضته الشعبية، أن ينتفض ثانية، وينتقم لنفسه سلمياً عبر صناديق الاقتراع، وينتصر، ويضع حداً لحكم أوربان الفاسد المتسلط الشعبوي الذي اعترف بالهزيمة على مضض. ويبدو أن الأخير كان متيقّناً من خسارته بفعل التراكمات السلبية لستة عشر عاماً من حكمٍ لم يجلب للمجريين سوى المزيد من الفقر وانسداد الآفاق.
ومع أن أوربان كان قد حصل على وعود كبيرة من الرئيس الأمريكي ترامب بخصوص دعم الاقتصاد المجري في حال بقائه في رئاسة الورزاء؛ كما أنه حظي بزيارة دعم قام بها وفد أمريكي رفيع المستوى برئاسة نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس إلى بوادبست، وذلك بهدف اقناع المجريين بالتصويت لصالح أوربان، إلا أنه لم يتمكن من الفوز في الانتخابات، بل خسر خسارة مدوية. ولعل الطريف اللافت في هذا المجال، هو أن صور اللقاء الذي جمع بين أوربان والوفد الأمريكي كانت تظهر ابتسامات الجميع ما عدا أوربان نفسه، الذي كان يظهر واجماً يعتصر قلبه ألماً؛ لأنه كان يدرك في قرارة نفسه بأن أيام حكمه قد شارفت على النهاية؛ ولم يعد في امكان العطّار إصلاح ما أفسده الدهر. ولكن مع ذلك يُسجّل لأوربان عدم لجوئه إلى القوة لرفض النتيجة والاستمرار في الحكم؛ وإنما أقر بهزيمته فور ظهور مؤشراتها الأولى.
والدرس الأهم الذي يمكن أن يُستخلص من التجربة المجرية هو أن النظم الديمقراطية، رغم كل مثالبها، وقابلية العطب فيها، خاصة تحت وطأة الشعبوية، تظل أكثر الأنظمة قدرة على تجديد نفسها، لأنها تستمد قوتها من إرادة المواطنين الأحرار الذين يثقون بأنفسهم، ويتطلعون إلى مستقبل أفضل لشعوبهم وأجيالهم المقبلة. فالكلمة الفصل كانت في نهاية المطاف للشعب المجري حينما تمكّن من التعبير عن وجهة نظره وموقفه بحرية وصراحة؛ ولم تتمكن الاستثمارات الصينية الكبيرة في المجر، لا سيما في مجال صناعة السيارات الكهربائية وبطارياتها وأجهزة الاتصالات؛ من التأثير في مواقف الناخبين المجريين.
كما لم يحقّق الدعم الروسي المفتوح لأوربان هو الآخر نتائجه المرجوة. والجدير بالذكر في هذا المجال، هو أن نظام أوربان كان يعتبر نفسه امتداداً لظل بوتين في الاجتماعات الأوروبية، حتى أن بعض الصحافيين تحدثوا عن خروج وزير خارجيته بيتر سيارتو من الاجتماعات الأوروبية في بروكسل، ليضع نظيره الروسي في صورة الأجواء التي كانت تسود تلك الاجتماعات، والمناقشات التي تجري فيها، ومشاريع القرارات التي كانت على جداول أعمالها.
وفي الوقت ذاته لم تسفر تحركات وتصريحات الإدارة الأمريكية الداعمة لأوربان عن أي تغيير في المعادلات الداخلية التي كانت قد تبلورت ملامحها قبل الانتخابات، وتجسّدت بكل وضوح في نتائج تلك الانتخابات التي أثبتت حصول حزب تيسا الذي يقودة بيتر ماجيار، رفيق أوربان السابق، على ثلثي الأصوات داخل البرلمان المجري، وهي النسبة التي تخوّل الحكومة القادمة من التحرك واجراءات الإصلاحات البنيوية، إذا كانت لديها رؤية في هذا المجال، بكل حرية.
لعلنا لا نبالغ إذا قلنا: إن التأثير الإيجابي للانتخابات المجرية لن يقتصر على الداخل المجري وحده، بل سيمتد ليشمل طبيعة ودور الاتحاد الأوروبي كمنظمة دولية فاعلة لها وزنها وتأثيرها في الأحداث الدولية والتوزانات الإقليمية والدولية، وذلك وسط الفوضى العارمة التي يعشيها العالم في ظل محاولات ترامب الرامية إلى نسف أسس النظام العالمي الذي كان، ومن دون تقديم البديل الأفضل. ومن الملاحظ أن هذا التوجه يدغدغ مشاعر بوتين، لانه ينسجم مع نزعاته التوسعية في أوكرانيا والقارة القطبية الشمالية ومناطق أخرى في آسيا وأفريقيا.
يواجه الاتحاد الأوروبي اليوم تحديّات كبيرة من جهة تصاعد شعبية القوى اليمينية المتشددة المناهضة بصورة علنية لسياسات اللجوء الأوروبية؛ وهي تناصب العداء للأحزاب الأوروبية التقليدية المعتدلة بتوجهاتها المختلفة، وهذه القوى تمثل بتوجهاتها الحالية خطراً أيديولوجيا متطرفاً يهدّد مستقبل الأنظمة الديمقراطية المستقرة في أوروبا. والأمر الذي يستوقف هو دعم ترامب العلني لهذه الأحزاب؛ وقد جاء ذلك بكل وضوح في الاستراتيجية الدفاعية لإدارته التي تم الإعلان عنها في أوائل هذا العام. وهي الاستراتيجية نفسها التي تضمنت انتقادات لاذعة للدول الأوروبية. ومن الواضح أن لدى ترامب موقفاً سلبيا تجاه الاتحاد الأوروبي كتكتّل دولي لا تحبذه روسيا أيضاً. وترامب نفسه هو الذي شجع بريطانيا على الخروج من الاتحاد، واليوم يشن هجوماً على الحلف الأطلسي الذي يمثّل مظلة الأمان بالنسبة لدول الاتحاد الأوروبي في مواجهة النزعة الامبريالية الروسية.
وهذا ما يفتح الباب أمام جملة من التساؤلات حول معالم النظام العالمي الجديد الذي لم يتشكل بعد، وحول طبيعة العلاقة المستقبلية بين أوروبا والولايات المتحدة على وجه التحديد. فرغم التصرفات والتصريحات السلبية من جهة ترامب في حق الزعماء الأوروبيين، واستخفافه بسياساتهم ومواقفهم، بل واستهزائه بهم حتى على المستوى الشخصي، يدرك الاستراتيجيون الأمريكيون والأوروبيون على حد سواء صعوبة القفز من فوق العلاقات الوثيقة بين أوروبا والولايات المتحدة في مختلف الميادين (الاقتصادية والتكنولوجية والعلمية البحثية والعسكرية الاستخباراتية، وغيرها)، كما انهم يدركون في الوقت ذاته جسامة هيمنة أجواء عدم الثقة بين الدول الأوروبية وإدارة ترامب.
وما يعزز عدم ثقة الأوروبيين بالموقف الأمريكي الحالي يتمثل في مزاجية هذه الإدارة، وارتجاليتها على صعيد التصريحات والانتقادات وتحديد الرسوم الجمركية، وموقفها الانسحابي من الموضوع الأوكراني، وتهديدات ترامب الصريحة والمبطنة بمعاقبة هذه الدول لرفضها التدخل العسكري إلى جانب الولايات المتحدة في حربها وإسرائيل على إيران، وامتناعها عن تقديم التسهيلات العسكرية لها.
ولكن، ورغم كل محاولات الربط بين التحولات المستجدة في السياسات الأمريكية تجاه أوروبا وشخصية ترامب، هناك خشية أوروبية معلنة من أن تتحول هذه السياسة الترامبية إلى توجه عام في السياسة الأمريكية حتى في مرحلة ما بعد ترامب، وهو الأمر الذي يدفع بهم نحو التفكير في تعزيز تماسك الاتحاد، وإجراء تعديلات في آليات اتخاذ القرارات لتصبح أكثر فاعلية وسرعة للتعامل مع التحديات. إلى جانب ذلك هنا تفكير جدي في تنمية وتجديد القدرات الدفاعية ليتمكن الاتحاد من ضمان الحد الأدنى المطلوب لأمن أعضائه. وفي موازاة ذلك هناك تفكير أوروبي بصوت مسموع، بل ومساعٍ عملية في ميدان البحث عن الخيارات في القطاع التجاري، والصين والهند وربما البرازيل هي من بين هذه الخيارات، فهذه الدول بما تمتلكه من قدرات بشرية وصناعية، وقابلية تكنولوجية، ومؤشرات نمو مرتفعة يمكن أن تتكامل اقتصاداتها مع الاقتصادات الأوروبية، وتكون احتياطاً مضموناً يمكن الاستفادة منه، أو الاعتماد عليه، في حال وصول العلاقات مع الولايات المتحدة إلى السيناريو الأسوأ الذي لا ترغب فيه أوروبا حالياً، لأنه لن يكون في صالحها على المدى الطويل ولا في صالح الولايات المتحدة الأمريكية نفسها. ولكن في جميع الأحوال تبقى المدة المتبقية من ولاية ترامب هاجساً يثقل كاهل الأوروبيين بشتى أنواع التوجسّات والكوابيس.

كاتب وأكاديمي سوري



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *