دعوات المأمورية الثالثة تخرج من الهمس السياسي للعلن… حراك داخل الموالاة لتعديل الدستور وإبقاء الغزواني في السلطة



عبد الله مولود

نواكشوط – «القدس العربي»: لم تعد المأمورية الثالثة للرئيس الموريتاني، محمد ولد الشيخ الغزواني، مجرد همس سياسي أو فكرة يختبر بها بعض أنصاره ردود فعل الشارع والمعارضة، فقد خرجت الدعوة للعلن، وانتقلت من تصريحات فردية إلى مهرجانات وبيانات جماعية تطالب بتعديل الدستور، بل بإدراج استمرار الرئيس في السلطة ضمن المطالب التي ينبغي أن تدافع عنها الأغلبية في الحوار الوطني المرتقب.
واللافت أن الشرارة الأبرز لهذا الحراك انطلقت من بومديد، مسقط رأس الرئيس، قبل أن تتسع في ولاية العصابة وتبلغ ذروتها في مدينة كيفة وسط البلاد، حيث تنافس متحدثون في مهرجان لحزب الإنصاف الحاكم على المطالبة بتعديل الدستور وإعادة انتخاب الغزواني، لتنتهي التظاهرة إلى موقف جماعي يطالب في بيان موحد، قيادة الحزب بحمل هذا المطلب إلى الحوار الوطني.
وهكذا يجد المشهد السياسي نفسه أمام مفارقة مبكرة: رئيس لا يزال أمامه نحو ثلاث سنوات من مأموريته الثانية، سبق أن اعتبر الحديث عن المأموريات تشويشاً على تنفيذ برنامجه، مقابل جزء متحرك من أغلبيته يريد أن يبدأ منذ الآن معركة بقائه بعد 2029.
مطالبة شعبية بتعديل الدستور
بدأت الدعوة في بومديد ضمن نشاطات سياسية للموالاة، قبل أن تنتقل إلى مستوى أكثر تنظيماً في مدينة كيفة، عاصمة ولاية العصابة؛ خلال مهرجان حزب الإنصاف، تعاقب على المنبر متحدثون من مختلف مقاطعات الولاية، مطالبين بتعديل الدستور بما يسمح بإعادة انتخاب الغزواني لمأمورية ثالثة.
ولم تبق المطالب في حدود مواقف فردية، إذ انتهى المهرجان إلى دعوة عامة تبناها المشاركون، بمن فيهم شخصيات من خارج الحزب.
وجاء في البيان الصادر عن التظاهرة أن المشاركين يطالبون قيادة الحزب، خلال الحوار الوطني، بـ»الدفاع عن موقفهم المطالب بإجراء تعديلات دستورية تضمن استمرار فخامة الرئيس في السلطة، تماشياً مع المصلحة العليا للبلاد».
وتكمن أهمية هذه الصياغة في أنها تنقل القضية من مجرد التعبير عن الرغبة في استمرار الرئيس إلى المطالبة بتعديل دستوري، ثم الضغط على الحزب الحاكم للدفاع عن هذا الخيار داخل الحوار.
وكان رئيس جهة ولاية العصابة محمد محمود ولد حبيب أكثر صراحة، إذ طرح استمرار الغزواني سواء عبر تعديل الدستور الحالي أو كتابة دستور جديد.
وقال إنه لا يطالب الرئيس شخصياً بمأمورية ثالثة، وإنما يطالب بها «له» من أجل استمرار مشروعه التنموي.
وجرى النشاط بحضور مسؤولين حكوميين ومنتخبين وأطر، فيما كان تصفيق السيدة الأولى مريم فاضل الداه لكلمة رئيس الجهة محط اهتمام سياسي، وإن كان التصفيق في مناسبة عامة لا يكفي وحده لإثبات تبنيها للمطلب.
اتساع الحراك داخل الأغلبية
وسرعان ما اتخذ الحراك طابعاً أوسع مع صدور بيان عن مئات الأطر والنواب والعمد والفاعلين في كيفة يطالب بتعديل الدستور وفتح الطريق أمام مأمورية ثالثة.
وبذلك انتقلت الدعوة، خلال فترة وجيزة، من بومديد بوصفها الشرارة، إلى تصريحات مسؤولين، ثم إلى تعبئة سياسية جماعية تريد تحويل استمرار الرئيس إلى مطلب تتبناه قواعد الأغلبية ويحمله الحزب الحاكم إلى طاولة الحوار.
وفي نواكشوط، جاءت تصريحات وزيرة التجارة والسياحة، زينب بنت أحمدناه، في الاتجاه نفسه، وإن بصياغة أقل مباشرة، إذ دعت إلى «حراك شعبي جامع ومسؤول» لمنح الغزواني «وقتاً طويلاً» لترسيخ الإنجازات ومواصلة المسيرة التنموية.
أما المستشار بالوزارة الأولى باب ولد بنيوك فطرح المسألة بصورة مباشرة، معتبراً أن استمرار الغزواني عبر مأمورية ثالثة يمثل، حسب رأيه، «خياراً لا غنى عنه» لحماية الأمن والاستقرار والمصلحة الوطنية، داعياً إلى حراك سياسي وشعبي سلمي ودستوري.
الغزواني في الاتجاه المعاكس
المفارقة الأساسية أن هذا الحراك يجري في وقت لا يقدم فيه الرئيس نفسه خطاباً داعماً له، بل سبق أن اتخذ موقفاً معاكساً.
فالغزواني أكد أنه لا يريد مأمورية ثالثة، ولم يكلف أحداً بالمطالبة بها، كما اعتبر أن الانشغال بالمأموريات يمثل تشويشاً على تنفيذ برنامجه «طموحي للوطن».
ويجعل ذلك تحرك شخصيات رسمية وسياسية من أغلبيته موضع تساؤل: إذا كان الرئيس يعتبر فتح ملف المأموريات في هذا التوقيت تشويشاً، فلماذا يتسابق مسؤولون في معسكره إلى تحويله إلى قضية سياسية مركزية؟
وقد بدأت هذه المفارقة تثير اعتراضات داخل المجال الموالي نفسه، فقد طالب المدون النشط أحمد المحفوظ لوليد الرئيس بمعاقبة مسؤولين ونواب ورؤساء مجالس اتهمهم بـ»التشويش» على برنامجه من خلال الدعوة إلى المأمورية الثالثة.
ويكشف ذلك عن بداية تبلور اتجاهين داخل الموالاة: اتجاه يرى أن استكمال مشروع الغزواني يستوجب استمراره بعد 2029، وآخر يعتبر أن أفضل مساندة للرئيس هي احترام موقفه المعلن وتركه ينفذ برنامجه بعيداً عن معركة دستورية مبكرة.
المعارضة: المأموريات خط أحمر
في المقابل، تتعامل المعارضة مع القضية باعتبارها اختباراً لمستقبل التداول الديمقراطي، وليس مجرد خلاف سياسي حول استمرار رئيس يحظى بتأييد أنصاره.
وقد سبق لقوى المعارضة أن رفضت فتح باب المأموريات خلال التحضير للحوار الوطني، معتبرة أن تحديدها من المكتسبات الدستورية التي لا ينبغي التراجع عنها.
وهنا تكتسب مطالب مدينة كيفة أهمية خاصة، لأنها لا تكتفي بالدعوة إلى مأمورية ثالثة، وإنما تريد من حزب الإنصاف الدفاع داخل الحوار عن تعديلات دستورية تضمن استمرار الرئيس.
وإذا تبنت قيادة الحزب هذا المطلب رسمياً، فقد تتحول قضية المأموريات إلى واحدة من أكبر نقاط الصدام بين الأغلبية والمعارضة في الحوار الوطني.
أزمة تتجاوز مأمورية الغزواني
لكن خلف السجال حول بقاء الغزواني مشكلة سياسية أعمق تتعلق بضعف تقاليد صناعة البديل الرئاسي في موريتانيا.
فقد حالت الانقلابات العسكرية المتكررة طويلاً دون بناء نظام تتدرج فيه الشخصيات من العمل الحزبي والبرلماني والحكومي إلى المنافسة الطبيعية على الرئاسة.
وكان انتخاب سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله عام 2007 فرصة استثنائية لكسر هذه الحلقة، قبل أن ينقلب عليه الجنرال محمد ولد عبد العزيز في أغسطس/ آب 2008.
ومنذ ذلك الحين، ورغم انتظام الانتخابات والتحولات السياسية، ظلت المؤسسة العسكرية أقوى بكثير من المؤسسات الحزبية، وبقيت الأغلبية السياسية تتشكل إلى حد كبير حول الرئيس أكثر مما تنتج رئيساً.
ومن هنا يبرز سؤال 2029: من هو المرشح القادر داخل الأغلبية على المحافظة على تماسك المعسكر الحاكم والفوز بالرئاسة بعد الغزواني؟
حتى الآن لا تبدو هناك شخصية يجري إعدادها علناً لهذا الدور، ولا تظهر آلية حزبية واضحة لاختيار خليفة للرئيس.
وفي نظام ارتبطت فيه الأغلبية تاريخياً برئيس الجمهورية، قد يجعل غياب الخليفة الواضح استمرار الرئيس القائم أقل مخاطرة بالنسبة إلى النخب من فتح منافسة على خلافته.
وبهذا المعنى، يمكن قراءة جزء من حراك المأمورية الثالثة باعتباره تعبيراً عن أزمة خلافة داخل النظام، أكثر من كونه مجرد تمسك بشخص الغزواني.
الاستقرار: حجة الطرفين
يرفع دعاة استمرار الغزواني شعار الاستقرار، مستندين إلى السياق الإقليمي المضطرب، حيث تواجه موريتانيا جغرافيا منطقة الساحل التي شهدت انقلابات وحروباً ونشاطاً للجماعات المسلحة، بينما حافظت البلاد على استقرار أمني نسبي، بالتزامن مع دخولها مرحلة اقتصادية مرتبطة بالغاز والطاقة ومشاريع استراتيجية.
ويرى أنصار المأمورية الثالثة أن تغيير القيادة في هذه المرحلة قد يعرض الاستمرارية للخطر، لكن معارضيهم يستطيعون استخدام الحجة ذاتها بصورة معكوسة: إذا كانت الدولة لا تستطيع الحفاظ على استقرارها ومشاريعها إلا ببقاء رئيس واحد، فأين قوة المؤسسات؟
فالمؤسسة المستقرة هي التي تستمر عندما يتغير الرئيس، والدولة القوية هي التي لا تبدأ مشاريعها من الصفر مع كل انتقال للسلطة.
الحوار بوابة محتملة لمعركة 2029
سيكون موقف حزب الإنصاف من بيان كيفة مؤشراً مهماً خلال المرحلة المقبلة، خصوصاً أن المطالبين بالمأمورية الثالثة لم يعودوا يكتفون بإعلان موقفهم، بل يريدون إدخال القضية إلى الحوار الوطني وتوفير غطاء سياسي لتعديل دستوري يسمح باستمرار الرئيس.
وهنا يواجه الحوار اختباراً حساساً: هل يركز على تعزيز المؤسسات والضمانات الانتخابية والتداول السياسي، أم يتحول إلى مدخل لإعادة النظر في عدد المأموريات؟
وسيكون موقف الغزواني نفسه حاسماً، خصوصاً إذا استمر مسؤولون في الدولة وقيادات من أغلبيته في الحشد لخيار سبق أن أعلن أنه لا يريده، ووصف الانشغال به بأنه تشويش على برنامجه.
الاختبار الحقيقي: ما بعد الغزواني
لقد انتقلت الدعوة خلال فترة قصيرة من بومديد إلى كيفة، ومن المنابر إلى البيانات، ومن الحديث عن «استمرار المسيرة» إلى المطالبة الصريحة بتعديل الدستور. وبذلك بدأت قضية 2029 سياسياً قبل موعدها بسنوات.
لكن الاختبار التاريخي لموريتانيا لا يتعلق فقط بما إذا كان الغزواني سيحصل على مأمورية ثالثة أم سيغادر في نهاية الثانية، وإنما بقدرة البلاد على حل مشكلة رافقتها منذ عقود: كيف تنتج رئيساً جديداً دون انقلاب، ودون أزمة خلافة، ودون تعديل قواعد اللعبة من أجل الرئيس الموجود؟
لقد عرفت موريتانيا زمناً كان تغيير الرئيس فيه يتم بالدبابات والبيانات العسكرية، وهي اليوم أمام فرصة لترسيخ مرحلة يكون فيها التغيير عبر الدستور وصناديق الاقتراع.
ولهذا قد يكون السؤال الذي ستجيب عنه السنوات الثلاث المقبلة أكبر من مصير رجل واحد: هل أصبحت المؤسسات الموريتانية قوية بما يكفي كي تستمر الدولة والمشاريع والاستقرار مع تداول الرؤساء، أم إن غياب البديل سيعيد في كل مرة إغراء البحث عن استثناء دستوري يسمح للرئيس القائم بالبقاء؟
ذلك هو الاختبار الحقيقي لانتقال موريتانيا من استقرار الأشخاص إلى استقرار المؤسسات والتداول الطبيعي على السلطة.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *