بغداد ـ «القدس العربي»: وجّه رئيس الوزراء العراقي، علي الزيدي، تطمينات للقوى السياسية والشارع، حول السيطرة على ما يعرف محلّياً بـ»السوق الموازية» وحماية المواطنين من تداعيات قرار رفع قيمة الدولار مقابل الدينار، مشيراً إلى أنه يتحمّل وزر أي تبعات سلبية للقرار، وسط شبه إجماع سياسي على تأييد للإجراء الحكومي، والرهان على 3.5 مليار دولار من المنتظر وصولها من واشنطن إلى بغداد للإسهام في امتصاص الأزمة، حسب ما قال أحد النواب.
السعر الجديد
وكان البنك المركزي العراقي بدأ، الأربعاء، تطبيق أسعار صرف جديدة للدولار، شملت رفع سعر بيعه النقدي للجمهور إلى 1520 دينارا (دولار واحد)، مقارنة بـ1320 دينارا (نحو 0.87 دولار وفق السعر الجديد) سابقا.
وحدد البنك سعر شراء الدولار من وزارة المالية عند 1500 دينار (نحو 0.987 دولار)، وبيعه للمصارف بسعر 1510 دنانير (نحو 0.993 دولار)، وللجمهور بسعر 1520 دينارا (دولار واحد).
وكان السعر الرسمي السابق لبيع الدولار للمستفيد النهائي يبلغ 1320 دينارا (نحو 0.87 دولار وفق السعر الجديد)، بموجب تعديل أقره البنك المركزي في فبراير/ شباط 2023.
وفي اجتماعٍ طارئ، قَدِمَ رئيس الحكومة برفقة وزير ماليته ومحافظ البنك المركزي إلى مجلس النواب، لعقد اجتماع طارئ مع قادة الكُتل السياسية، لإيضاح حيثيات قرار رفع قيمة الدولار أمام الدينار العراقي، وخطط الحكومة لتجنّب تداعيات القرار على السوق.
معركة مع الفساد
وأكد الزيدي أن الحكومة ماضية في وضع حزمة من الإجراءات لتقليل تأثيرات تغيير سعر الصرف على المواطن، فيما أشار إلى أنه خلال الأيام المقبلة ستصل كميات جيدة من الدولار وسنقوم بضخها إلى التداول.
ونقل المكتب الإعلامي لرئيس مجلس الوزراء عن الأخير قوله خلال الاجتماع: «أسّسنا صندوق الأجيال لتمويل المشاريع في مختلف القطاعات، وسيحدث هذا أثراً تنموياً كبيراً»، مستدركاً: «نحن في معركة شديدة مع الفساد، والاقتصاد يجب أن يُعامل بعقلية اقتصادية».
وأضاف: «نحن نعيش في ظرف قاهر وحصار غير معلن، بسبب الحرب وإغلاق مضيق هرمز، ولا نريد الاقتراض كي لا نتسبب بالمزيد من إرهاق الاقتصاد».
وأشار إلى أن «الحكومة ماضية في وضع حزمة من الإجراءات في السوق المحلية لتقليل تأثيرات تغيير سعر الصرف على معيشة المواطن والحفاظ في الوقت نفسه على انتظام مدفوعات الرواتب والأجور والنفقات الأساسية لمؤسسات الدولة».
ثلاثة خيارات
ومضى الزيدي قائلاً: «تسلّمت المهمة وحجم الدين العام يتجاوز 208 تريليونات دينار، ومطلوب من الحكومة توفير 10 تريليونات دينار شهرياً، ورغم الأزمة وفرنا الرواتب»، موضحاً أن «ثلاثة خيارات كانت أمامنا؛ الأول الذهاب إلى الادخار الإجباري وترك الموظف يعيش على الوعود، والثاني توزيع الرواتب كل 45 يوماً، والثالث اللجوء إلى الاقتراض وإغراق البلد بالديون، وهو مثقل بها أصلاً».
ووفق الزيدي فإنه تسلم مهامه «واقتصادنا محاصر بسبب انقطاع تصدير النفط وإغلاق مضيق هرمز»، مبيناً أن «الفارق في سعر صرف الدولار سابقاً كان يستحوذ عليه المضاربون».
وذكر أن «بعض المغرضين حاولوا خلق فجوة بيننا وبين مختلف شرائح شعبنا»، لافتاً إلى أن «الشهر المقبل سيشهد مضاعفة إطلاق مستحقات الفلاحين والمقاولين».
أما وزير المالية فالح ساري، فأكد التزام وزارته بدفع المرتبات البالغة 7.7 تريليون دينار شهريا.
وقال في كلمة له أمام مجلس النواب إن «نسبة الإيرادات غير النفطية في الموازنة المقبلة 19% مقابل 11% في الموازنة السابقة»، مبينًا أن «الوزارة ملزمة بدفع الرواتب البالغة 7.7 تريليون شهريا».
وأضاف أن «الحكومة اتخذت جملة من الإجراءات، منها تخصيص 1 ترليون من البنك المركزي لدعم قطاع السكن»، لافتًا إلى «تسديد ذرعات العمل المنجزة لمشاريع الصرف الصحي».
البرلمان يدعم القرار
ويبدو أن الزيدي ووزيره ومحافظ البنك المركزي، قد نجحوا في إيضاح موقف الحكومة الذي دفعها لتغيير سعر الصرف، خصوصاً بعد تصريح رئيس البرلمان هيبت الحلبوسي، أكد فيه أن «قرار تغيير سعر الصرف لا رجعة عنه، ورؤساء الكتل السياسية داعمون للقرار».
كذلك أفاد النائب الأول لرئيس مجلس النواب عدنان فيحان، بأن البرلمان «يدعم أي إجراء يحقق الإصلاح ويصبُّ في مصلحة الاقتصاد وحماية مصالح المواطنين».
بيان لمكتبه نقل عن فيحان قوله إنَّ «قرارَ الحكومةِ بشأنِ رفعِ سعرِ صرفِ الدولار، المُتخذ في إطارِ معالجةِ الوضعِ الاقتصادي، ينعكسُ بصورةٍ مباشرةٍ على حياةِ المواطنين ومستوى معيشتِهم، فضلاً عن تداعياتِه على مُجملِ الواقعِ الاقتصادي»، داعياً الحكومةَ إلى «بيانِ الإجراءاتِ والتدابيرِ التي اتخذتْها للحدِّ من آثارِه على الطبقاتِ الضعيفةِ والهشَّةِ ومختلفِ الشرائحِ الاجتماعية، والعمل على تعزيزِ سيطرتِها ورقابتِها على السوقِ لضبطِ الأسعار، بما يحول دونَ تحميلِ المواطنِ أعباءَ هذا القرار وتكاليفه الاقتصادية والاجتماعية».
خطوات إصلاحية
وشددَ فيحان على أهميةِ «مضي الحكومةِ في اتخاذِ خطواتٍ وإجراءاتٍ إصلاحيةٍ إضافية لمعالجةِ التحدياتِ الاقتصاديةِ وتعزيزِ الاستقرارِ المالي»، مُؤكداً أن «مجلسَ النوابِ سيكونُ داعماً لكلِّ إجراءٍ جاد ومسؤولٍ من شأنِه تحقيق الإصلاح، ويصبُّ في مصلحةِ الاقتصادِ الوطني، وحمايةِ مصالحِ المواطنينَ، وخدمةِ الشعب».
كذلك أبدى النائب الثاني لرئيس مجلس النواب العراقي، فرهاد أمين أتروشي، دعمه للقرارات والإجراءات الإصلاحية التي تتخذها الحكومة الاتحادية، مشددًا في الوقت ذاته على أن هذا الدعم مشروط بحماية المستوى المعيشي للطبقات الفقيرة ومحدودة الدخل.
وأكد ضرورة «مراعاة الأوضاع المعيشية للفئات الهشة والفقيرة في المجتمع، لضمان أمنهم المعيشي وتجنيب مصادر قوتهم اليومي أي مخاطر أو هزات اقتصادية غير محسوبة».
كما دعا نائب رئيس البرلمان السلطة التنفيذية إلى «اتخاذ إجراءات عملية وعاجلة لضبط الأسواق، والحد من ارتفاع أسعار السلع الأساسية والمواد الغذائية»، مشدداً على ضرورة «جعل تخفيف الأعباء عن كاهل المواطنين أولوية قصوى على جدول العمل المشترك بين البرلمان والحكومة في هذه المرحلة الحساسة».
مقترحات «الإطار»
يتزامن ذلك مع طرح «الإطار التنسيقي» الذي يجمع القوى السياسية الشيعية الحاكمة في العراق، حزمة من المقترحات بعد رفع سعر صرف الدولار أمام الدينار العراقي، داعياً الحكومة والبنك المركزي إلى البدء بها فوراً.
وتشمل مطالب «الإطار» حسب بيان له، أن «تلتزم الحكومة والبنك المركزي بالسيطرة على السوق الموازية (سعر السوق) والحد من المضاربة بالعملة، بما يضمن استقرار سعر الصرف ويمنع التلاعب واستغلال القرار لرفع أسعار السلع والخدمات».
وشدد على ضرورة «اعتماد سلة أسعار محمية تضم السلع الأساسية من الغذاء والدواء والمواد الإنشائية، تُعفى من الرسوم الجمركية لمدة ستة أشهر من تاريخ صدور قرار مجلس الوزراء، وتنشر أسعارها المرجعية دورياً على منصة علنية، مع إلزام الجهات الرقابية المختصة بالتعامل الفوري مع أي تلاعب أو رفع غير مبرر فيها».
كما طالب «إلزام الحكومة المؤسسات التربوية والتعليمية الخاصة والعامة، من مدارس وجامعات وكليات أهلية ودراسات مسائية وموازية، بتخفيض الأجور الدراسية بنسبة 15% للعام الدراسي الحالي، بوصفه إجراءً تعويضياً مباشراً للأسر عن أثر تعديل سعر الصرف، مع متابعة وزارتي التربية والتعليم العالي لتنفيذه».
ودعا إلى «التحاسب الضريبي الكامل مع شركات الاتصالات والمصارف والشركات الكبرى، ونشر قائمة علنية بالملتزم والمتخلف منها كل ثلاثة أشهر»، بالإضافة إلى «تأسيس صندوق استقرار لسعر الصرف يمول من فرق أسعار النفط عند ارتفاعها عن السعر المقدر في الموازنة، ويُستعمل حصراً لحماية الدينار وتعزيز الاحتياطي مستقبلاً، بدل اللجوء إلى تخفيض قيمته كلما ضاقت الموارد».
كما حثّ «الإطار» على «الالتزام بتحويل جزء من فرق سعر الصرف الذي ستجنيه الخزينة إلى قروض ميسرة بلا فائدة للمشاريع الزراعية والصناعية التي تحل محل الاستيراد، لأن الاستيراد هو ما يستنزف العملة الصعبة أصلاً، ولينتج الدولار الذي نحتاجه داخل العراق، مع مراعاة تخصيص جزء منه إلى تعيين الخريجين».
وأكد ضرورة «مراجعة عقود المقاولين والمشاريع الحكومية المتأثرة بتعديل سعر الصرف، ومعالجة آثارها المالية بما يضمن استمرار تنفيذ المشاريع وعدم تحميل الدولة أو المواطن أعباء غير مبررة، وكذلك معالجة الآثار المترتبة على الموردين والمستثمرين الذين اعتمدوا السعر السابق في التزاماتهم».
وبالإضافة إلى دور هذه الإجراءات في تجاوز الأزمة، يعوّل النائب عن ائتلاف «الإعمار والبناء»، منصور البعيجي، على علاقة رئيس الوزراء علي الزيدي بالإدارة الأمريكية لجلب 3.5 مليار دولار من واردات تصدير النفط، وضخها في السوق للحفاظ على سعر الصرف في السوق الموازي، لافتاً إلى أن مجلس النواب سيمرر الموازنة بهذا السعر، وستكون قائمة على تصدير 4 ملايين و300 ألف برميل، وسعر البرميل 58 ألفاً.
البعيجي الذي ينتمي الى ائتلاف سياسي يتزعمه رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني، ذكر في تصريحات لوسائل إعلام محلية إن «أعضاء اللجنة المالية أعدوا مقترحات وسيسلمونها لرئيس الوزراء، إذ يفترض أن يتم إعفاء السلع الغذائية والأدوية من الجمارك، وذلك للحفاظ على أسعارها، فضلاً عن تثبيت رواتب الرعاية الاجتماعية في الموازنة وعدم التلاعب بها، وهذه نقاط تتعلق بحياة المواطن».
وأضاف: «الحكومة لديها وجهة نظر تقوم على أساس أنها تبيع للتاجر بـ1320 ديناراً عندما يستورد، ثم يبيع بسعر السوق الموازي، أي بـ1500، بمعنى أنه يربح مرتين بهذا الدولار، وهذا الفارق يصب في جيوب المضاربين، والحكومة مُلامة في هذا، فرأت الحكومة أن تجعل الدولار بـ1500، وسعر الصرف سيستقر على سعر يتراوح ما بين 155 و160 ألف دينارا لكل 100 دولار، حيث سيتم ضخ 3 مليارات دولار ونصف في الأسواق، فرئيس الوزراء لديه علاقة قوية مع الخزانة الأمريكية، وهو ما سيوفر للحكومة نحو 20 تريليوناً، والحكومة ستعطي تعهدات على نفسها بأن يستقر سعر الصرف في السوق الموازي». وأشار إلى أن «مجلس النواب يراقب الحكومة، لكن لو وضعت الحكومة قرار تعديل سعر الصرف في الموازنة لاندلع الكثير من المشاكل، ولكن قرار الحكومة كان جريئاً، واعتمدت سعر الصرف الجديد قبل أن تصل الموازنة إلى البرلمان».
ولفت النائب العراقي إلى أن «الدولار في أقصى حالاته سيصل إلى 1600 دينار، وهناك تعاون بين الزيدي والخزانة الأمريكية، وسيتم ضخ الدولار، وسينخفض سعر الصرف في السوق الموازي إلى 155 ألفاً لكل 100 دولار، والحكومة في هذه الحالة مستفيدة 20 تريليوناً».
وبيّن أن «الأموال سابقاً كانت تذهب إلى جيوب المضاربين أو للأحزاب والكتل السياسية، وللعلم، أزمات الدولار في الماضي كانت مفتعلة من بعض التجار والمصارف التي كانت تجمع الدولار لرفع سعره وتحقيق أرباح بالمليارات، وكان هناك تهريب، الآن حتى التهريب سيقل، وعندما يرتفع سعر الصرف لن يتمكن المضاربون من الاستفادة منه، في حين عندما كان بـ 1320 كانوا يربحون منه، والتهريب نحو تركيا والإمارات أكثر من التهريب باتجاه إيران».
مهلة للسيطرة على السوق
وأوضح أن «مجلس النواب سيمرر الموازنة بهذا السعر، ولكن رئيس الوزراء عليه أن يحافظ على سعر الصرف في السوق الموازي، ومجلس النواب والكتل السياسية سيعطونه مهلة للسيطرة على السوق الموازي 3 أشهر وربما أكثر»، موضحاً أن «الموازنة (2027) ستكون قائمة على تصدير 4 ملايين و300 ألف برميل، وسعر البرميل 58 ألفاً، وسعر الصرف 150 ألفاً مقابل 100 دولار، وإذا لم نبع فسنلجأ إلى الاقتراض لأنه ليس لدينا حلول، والعجز الحالي والديون جميعها تعادل 43 تريليوناً».