دخول اجتماعي من دون نقابات في الجزائر


أعتقد جازما أن الجزائر تُضيع هذه السنوات فرصة ثمينة في بناء تجربة نقابية، يمكن أن تقيها شرور الصراعات الاجتماعية المدمرة، التي يمكن أن تعيشها في المستقبل، لا قدر الله، كانت قد عرفتها في ماضٍ قريب عندما واجهت حركات اجتماعية مطلبية غير منظمة، ومن دون قيادة، سرعان ما استولى عليها التيار الديني الجذري، مانحاً إياها أهدافا، لم تكن تملكها في الأصل عندما انطلقت في بدايتها، كادت أن تؤدي إلى تحطيم البناء المؤسساتي الوطني وتدخل البلد ما يشبه الحرب الأهلية.
مشروع بناء تجربة نقابية مطلبية بطابعها السلمي التفاوضي، يمكن إدراجه ضمن مشروع أكبر ما زالت الجزائر في حاجة إليه، يتعلق الأمر بما سميته بالإصلاحات السياسية النوعية، التي تحيل إلى مسألة إصلاح مؤسسات الدولة الوطنية وعلاقاتها بالمواطنين، ما زالت مطلوبة بل ملحة، في وقت يعرف فيه المجتمع تحولات من كل نوع بدءا من المستوى الديموغرافي الثقافي والسياسي، استمر فيه الهيكل السياسي في حالة جمود.
بدل سياسة الاستقواء، التي تقوم بها مؤسسات الدولة، ومن ورائها النخب الرسمية على التجربة النقابية الوطنية وهي تعيش حالة ضعف، زادتها القيود المفروضة عليها، هشاشة أكثر، كما حصل مع نقابة الكناباست ـ المجلس الوطني لأساتذة التعليم الثانوي والتقني- الحاضرة في قطاع التعليم، التي تم حلها بقرار ابتدائي من العدالة هذه السنة – في انتظار الاستئناف – بعد أكثر من عقدين من الحضور القوي في تمثيل هذا الجزء المهم من الفئات الوسطى الأجيرة، الحاضرة في قطاع التعليم الذي يوظف مئات الآلاف من الجزائريين من الجنسين، في وقت ما زال فيه المنسق السابق للكناباست مسعود بوديبة تحت الرقابة القضائية، تفرض عليه الإجراءات المتخذة ضده الانتقال إلى حمام الضلعة (200كلم) في ولاية المسيلة، مرتين في الأسبوع للتوقيع على محضر الرقابة القضائية، ما زالت سارية بعد تقاعده، عقابا له على المشاركة في وقفة تضامنية دعت إليها النقابة المحلية في 2025!

بناء تجربة نقابية مطلبية بطابعها السلمي التفاوضي، يمكن إدراجه ضمن مشروع أكبر ما زالت الجزائر في حاجة إليه، يتعلق الأمر بالإصلاحات السياسية النوعية، ومسألة إصلاح مؤسسات الدولة الوطنية وعلاقاتها بالمواطنين

تغول يتعرض له هذا النقابي الذي قاد الكثير من الاحتجاجات السلمية ومن ورائه فصائل من الحركة النقابية الوطنية، التي ظهرت على الساحة الاجتماعية، بعد الاعتراف بالتعددية النقابية في بداية تسعينيات القرن الماضي، تغول تلجأ له الإدارة اعتمادا على قراءة قصيرة النظر تهدف إلى بناء ميزان قوى سياسي مع عالم الشغل والفئات الحاضرة فيه، مبني على هذه اللحظة التي تريد استغلالها النخب الحاكمة في الجزائر وهي تتجه يمينا في خياراتها الاقتصادية والسياسية، كما هو سائد دوليا، نخب في الحالة الجزائرية ما زالت تفضل التعامل مع الحركات الاحتجاجية غير المنظمة، من دون قيادة التي عُرفت بها الجزائر لعقود، على الحركات المنظمة والسلمية المنظمة من قبل قيادات معروفة، كما هو حال الحركة النقابية، ترفض أن تتفاوض وتدخل معها في جولات من الحوار- الصراع، يسمح ببروز وجوه ممثلة لهذه التجربة التي تملك عمقا تاريخيا في الحالة الجزائرية ، لم تكتف في تجسيده بالبعد النقابي، بل تجاوزته للأبعاد الأخرى، بما فيها السياسية، كما ظهر أثناء الحركة الوطنية، وفترة ما بعد الاستقلال التي أمدت فيها هذه التجربة النقابية الوطنية، الجزائر بالكثير من الوجوه المعروفة على العديد من المستويات، استطاعت أن تسد العجز في ميدان إنتاج النخبة، الذي عانت منه الجزائر وما زالت، كوّنت الحركة النقابية مدرسة فعلية في مد البلد بالنخب التي يحتاجها.
قد يكون هذا البعد هو الذي ترفضه النخب السياسية الرسمية الحاكمة، خوفا من أن تنافسها نخب أخرى، تملك حضورا وتمثيلا شعبيين، بمشاريع منافسة وشرعية اكيدة، لتفضل على العكس الحركات الاحتجاجية من دون قيادات، تتنازل لها وتقبل بمطالبها بسهولة، اعتمادا على قاعدة الاقتصاد الريعي، الذي تسيره حتى عندما تلجأ هذه الحركات الاحتجاجية إلى أنواع من العنف عرفتها الحالة الجزائرية، وعانت منها طويلا، بدل القبول بالجلوس في حوار مع نخب تملك تمثيلا شعبيا، تطالب وتحاسب، وتبقى حاضرة على المديين المتوسط والطويل، نخب نقابية طورت مع الوقت تجربة ديمقراطية، تخضع فيها لقواعدها وقوانينها في الوصول إلى مواقعها التمثيلية، عكس الحركات الاحتجاجية التي يمكن أن تظهر وتختفي بسرعة في أي لحظة، إذا توفرت لها ظروف مساعدة كما حصل في نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات، تتحول فيه إلى تهديد جدي لكل البناء المؤسساتي السياسي الوطني، بعد ركوبها من قبل تيارات سياسية ـ دينية عنيفة، لا تؤمن بالحوار ولا بالتفاوض، اعتمادا على قوى اجتماعية غير متجانسة اجتماعيا، ركزت على مطالب صفرية النتائج، تتجه رأسا نحو نوع من العدمية، على شاكلة مطلب الدولة الإسلامية وتطبيق قوانين الشريعة، التي استطاعت أن تورط من خلالها الكثير من الفئات الشابة من دون تجربة سياسية. عكس التجربة النقابية التي يمكن أن تنغرس مع الوقت لدى فئات اجتماعية ومهنية أوسع، كما هو حاصل مع الفئات الوسطى الأجيرة الضامنة للاستقرار والسلمية في المجتمع الجزائري، كما ظهر ذلك في العقود الأخيرة، وهي تتجه نحو القبول بنوع من البراغماتية الاقتصادية والاجتماعية، تركز فيها على مطالب تملك قابلية كبيرة في التفاوض حولها، يساعد عليه توسع عالم الشغل في الجزائر نحو قطاعات تملك الكثير من التأهيل، تبقى هي الأخرى في حاجة إلى تجربة نقابية تؤطر مطالبها، مهما كانت الخصوصية التي تميزها، كما هو حاصل مع المرأة العاملة، من العاملة البسيطة إلى الإطار العالي، مرورا بمهن التعليم والصحافة والإدارة التي تميزت فيها المرأة بحضور كبير لم يمنعها من التعرض إلى الكثير من الضغوط والحرمان، مرتبط في بعض الأحيان بخصوصياتها كامرأة، كما هو حال أنواع التحرش التي تعيشها بما فيها الجنسي، عادة ما تكون أكثر حضورا في القطاع الخاص الذي زاد نصيبه من التوظيف في الحالة الجزائرية، على حساب القطاع العام. قطاع خاص يتوجه نحو السيطرة على التوظيف في الجزائر بكل التناقضات التي يعيشها هذا القطاع، بما يعتري التجربة النقابية داخله من ضعف يكاد يقارب العدم، الذي يحارب داخله ملاّكه من أبناء البورجوازية الوطنية، كل أنواع التمثيل النقابي اخبرتنا به أكثر من دراسة في السنوات الأخيرة.

كاتب جزائري



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *