خليل حاوي (1919/1982) هو أحد الأصوات الشعرية المهمة في خريطة الشعر الحديث، وأحد المؤسسين البارزين لشعر الحداثة، ولعله الشاعر الوحيد بين مجايليه ممن يطلق عليهم لقب شعراء الحداثة الكبار الذي انتهى نهاية فجائعية، فقد فضل أن ينهي حياته بنفسه بدل انتظار مجىء الموت، ويربط كثير من النقاد ومؤرخي حياة الشاعر بين غزو إسرائيل للبنان عام 1982 ونهاية الشاعر، فمن المعروف أن الشاعر انتحر ببندقيته الخاصة، حين دخول الدبابات الإسرائيلية إلى بيروت.
لم يقو الشاعر القومي على احتمال المشهد وكانت الصدمة قاسية عليه ففجر رأسه بطلقة من بندقيته وغرق في دمائه وكان قد تعدى الستين بقليل. يقول القاص المصري الراحل يوسف الشاروني (يولد الواحد منا كأبطال السير الشعبية وينتهي كأبطال التراجيديا الإغريقية)، وإن صدق هذا القول على مثقف نقدي أو شاعر حداثي كبير، فإنه يصدق إلى حد كبير على الشاعر خليل حاوي، فقد استهل حياته كأبي زيد الهلالي وانتهى كأوديب، أو بروميثيوس، هزمه الواقع العربي المتشرذم والمنقسم على نفسه والغارق في احتراب داخلي على أساس إثني أو طائفي، وهو الشاعر القومي الذي انخرط في مسعى التبشير بالأنوار والتقدم والحداثة، أي نحو مستقبل عربي واعد مشرق يصل فيه العرب غدهم الواعد بالماضي التليد الزاهر، عصر الرشيد مثلا، فالوحدة العربية أكثر من ضرورة في عصر تكالبت فيه القوى الاستعمارية على اقتسام البلاد العربية لقمة سائغة منذ سقوط الخلافة العثمانية واتفاقية سايكس بيكو، التي أدت إلى اقتسام تركة الرجل المريض بين القوتين الاستعماريتين فرنسا وبريطانيا.
لقد تحمس خليل حاوي لكل الحركات التحررية في العالم العربي للتخلص من الهيمنة الغربية في كل أشكالها، سواء أكانت انتدابا أو حماية أو استعمارا، فالاستقلال التام لكل قطر عربي شرط لازم لتحقيق الوحدة العربية ومباشرة المشروع التنموي التقدمي القومي بالانخراط في تكريس الثقافة العلمية الحديثة وتحديث البنى الاجتماعية والاقتصادية والحريات الفردية، فالمجتمع المدني، المساواة، حرية المرأة.. وفي بواكيره الشعرية نعثر على كثير من القصائد الحداثية التي واكبت هذا المسعى وبشرت بالعصر الجديد الذي يأمله الشاعر، كما تمثله مجايلوه من شعراء الحداثة كالبياتي ونازك الملائكة وصلاح عبد الصبور وأحمد عبد المعطي حجازي والسياب وأدونيس ونزار قباني وغيرهم.
فالكفاح ضد الاستلاب والاستعباد ومقاومة الظروف التي تعمل ضد إرادة الإنسان في التحرر والتقدم، سواء أكانت أجنبية في شكل قوة استعمارية، أو محلية في شكل حكومات استبدادية أو قوى رجعية أو ظروف اجتماعية واقتصادية غير مواتية شرط لازم للدخول إلى العصر الجديد شأن المجتمعات الناهضة، هذا العصر الذي بشر به الشاعر في مدوناته الشعرية الأولى.
وفي حياة الشاعر نفسه من مغالبة الظروف ما يصح أن يتخذ نموذجا، فالشاعر الذي تعلم تعليما نظاميا متأخرا نسبيا، بعد أن انخرط في الحياة العملية الحرفية تحت قهر الظروف، ثم الإصرار على التعلم والأخذ بأسباب الثقافة الحديثة وتنمية العقل وتهذيبه، حتى أحرز تقدما ملحوظا ومواصلة الدراسة العليا في الغرب نفسه، وفي أعرق الجامعات في إنكلترا وتتويج هذا المسار العلمي بشهادة عليا مع إتقان الإنكليزية والعب من منهل الثقافة الغربية، وقد سمحت هذه المرحلة للشاعر بالاحتكاك بالثقافة الغربية، خاصة إنتاج شعراء الحداثة الكبار في الغرب منذ بودلير مرورا بإليوت وعزرا باوند ووالت ويتمان، ثم ما تمثله من ثقافته العربية السلفية منذ فجر الشعر القديم وقصائد المهلهل مرورا بفحول الشعر الأموي والعباسي، وانتهاء بشعراء الإحياء كإسماعيل صبري والبارودي ثم حافظ وشوقي.
لقد واكب الشاعر منذ إقامته في إنكلترا وحين عودته إلى لبنان واشتغاله مدرسا في الجامعة معركة الشعر الجديد بين أنصار القصيدة الحديثة وأنصار القصيدة الكلاسيكية (القصيدة العمودية)، وقد كانت هذه المعركة الثقافية من أكثر المعارك الأدبية شراسة بلغت حد الهجائيات والبذاءة أحيانا، كما في رد حجازي على العقاد مثلا، ولم يعرف عن الشاعر اشتراكه في هذه المعارك، فقد كانت تركيبته النفسية تنأى به عن الخصام واللدد في الخصومة والشراسة فيها، أو التبذل في الردود، فقد كان متحفظا إزاء الصحافة والإعلام والمنابر الشعرية والمهرجانات الخطابية الكلامية، فهو مثقف نقدي وشاعر حداثي يميل إلى العزلة والانطواء على نفسه في شكل قريب من البرج العاجي، أو النخبوية الثقافية قاصرا اهتمامه على العمل الأكاديمي، ونشر الكراسات أو الدواوين الشعرية، من دون أن يعني ذلك التعالي على الناس أو احتقارهم، وهو الشاعر الذي عرف طفولة قاسية وكفاحا مريرا في الحياة، ولكن تركيبته النفسية خاصة قوامها الحساسية الشديدة والذات المرهفة والموقف النقدي من الفكر والحياة معا، ما حتم عليه أخذ مسافة بينه وبين الآخرين لإصدار موقف صحيح بعيدا عن الشعبوية والإمعية والتبعية مع تمثل لقضايا الإنسان في العدالة والتحرر والمساواة والتقدم.
وكانت الصدمة قاسية على الشاعر كما كانت على غيره من الشعراء والمثقفين والمناضلين إثر هزيمة يونيو/حزيران 1967 تداعت خلالها الأحلام القومية وفترت الحماسة وغدا الأفق الوردي الواعد حاضرا كابي اللون فقد احتلت إسرائيل هضبة الجولان وسيناء في رمشة عين، وتلاشت العنتريات أمام سرعة المبادرة الصهيونية، فلم يلق بإسرائيل في البحر، وإنما زادت إسرائيل من مساحة الأرض المحتلة، وحطمت عتاد الجيش المصري وشلت سلاحه الجوي، وكانت هزيمة منكرة حقا ما زلنا نعيش تداعياتها إلى اليوم، ما حتم على المثقف مراجعة نقدية لقناعاته الفكرية، ونقدا صارما لذاكرته التاريخية ونقدا ذاتيا لثوابته الوطنية والقومية، وكان صدى هذه الهزيمة يتردد في قصائد الشاعر خليل حاوي، وعبر عن هذه الهزيمة بألفاظ شعرية حزينة النبرة كابية اللون مرة الطعم، تعكس هول الكارثة وحجم الهزيمة في ديواني «الرعد الجريح « و»من جحيم الكوميديا».
كانت هذه الصدمة – هزيمة يونيو- القاصمة في سلسلة الخيبات والنكسات العربية وليست أولها منذ سقوط بغداد على يد المغول ونكبة الأندلس وهزيمة 1948، ولكنها الهزيمة التي أسلمت الشاعر إلى عزلة أكبر، وانطوائية أشد حتى كان دخول الدبابات الإسرائيلية إلى بيروت عام 1982 القطرة التي أفاضت الكأس فلم يقو الشاعر الذي وصف المشهد بتعهر اللغة فطخ رأسه ببندقيته الشخصية منسحبا من المشهد الحياتي والإبداعي معا.
لقد عرف الشاعر خليل حاوي الخيبة في الحب كذلك، فحبه للقاصة العراقية ديزي الأمير لم يكلل بالاجتماع وتشكيل رابطة أسرية قوامها الحب والتفاهم والتكامل، وتكشف الرسائل المتبادلة بينهما عن مشاعر فوارة صادقة ونظرة خاصة إلى الحب والزواج والأسرة، وقد كان الفراق بين الشاعر والقاصة سببا إضافيا لازدياد عزلة الشاعر وانطوائيته واستسلامه إلى أشجانه الداخلية، وقد تناول محمد جابر الأنصاري في كتابه «انتحار المثقفين وقضايا راهنة في الثقافة العربية»، حياة الشاعر وهمومه الوجودية والفكرية ونهايته المأساوية، كما تناولت الشاعرة اللبنانية جمانة حداد في كتابها «سيجيء الموت وستكون له عيناك» حياة الشاعر ونهايته التراجيدية ومختارات من أشعاره التي تكشف عن رؤيا خاصة للعالم ويأس مطبق من الحياة ورغبة في الرحيل بالموت، ولكن أهم ما تطرقت إليه الشاعرة هو مرض الشاعر وتكتمه الشخصي عنه وتكتم العائلة، فقد كان مريضا تنتابه حالة أشبه بالصرع، على الرغم من ملازمته العلاج في تكتم شديد ولم يكن يسمح لأحد من أسرته بالحديث عن مرضه، أو الإشارة إليه، وإذا أضيف هذا العامل الصحي إلى العامل العاطفي (نهاية علاقته العاطفية ) والعامل السياسي المتردي للواقع العربي، أدركنا حجم الجرح واستحالة البرء منه إلا بالغياب لشاعر كبير مثله ملتزم بالقضية القومية، بلا ديماغوجية فجة ولا شعبوية جماهيرية زائفة، فقد كان ينأى عن شعر المنابر والإلقاء الحماسي ولا تخدعه التصفيقات، وعلامات الرضا والاستحسان. وهذا راجع إلى تركيبته النفسية وبنيته الفكرية ومنزعه الوجودي الخاص الذي يدفعه إلى الوحدة والتأمل والتوحد بالطبيعة في شكل أقرب إلى الصوفية، معبرا عن ذلك بلغة رمزية وفق منظور فلسفي عميق، مما يعقد من متابعته وفهم مضامينه الشعرية على غير المختصين والمتمرسين بالشعر الرمزي، فهو شاعر الرؤيا لا تتشكل القصيدة عنده من قول ما قيل واجترار الموضوعات الشعرية السالفة، إنما القصيدة إعادة بناء من شظايا الذات نفسها، ومن حطام العالم وفق معجم شعري خاص، إنها ذات تتلمس طريقها على نهج ديوجيني مترفعة عن حطام العالم ونزواته وأنانيته وماديته التي زادت من قبحه ونشاز ناسه وأشيائه وشعار الشاعر دائما الصدق الحياتي والفني معا.
قال في حقه منح الصلح (لست أدري لماذا يشعر كل الذين عرفوا خليل حاوي عن كثب وأحبوه كشاعر وإنسان، وأنا منهم أن هذا الرجل ستظل صورته أكبر مع الأيام وسيتحول أكثر فأكثر إلى أحد الألحان الأشد قوة وخصوبة وأصالة في المساهمة اللبنانية في الشعر العربي، وربما كان فعل شعره في التراث اللبناني والعربي ووفقا لحلم خليل أشبه بفعل عصر السمفونيات الألمانية الخالدة في إرساء قواعد حضارية حقيقية لأمتها).
في قصيدة البحار والدرويش من ديوان» نهر الرماد» 1957 وهي قصيدة تنبؤية رؤيوية احتجاجية على الواقع الناشز الذي سيزداد بؤسا وتشظيا وهزائم متتالية لن يتخلص الشاعر من مرارتها وجراحها إلا بالغياب والتواري أي بالموت الإرادي الذي سعى إليه الشاعر في خاتمة أحزانه أثناء الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982.
هذه القصيدة احتجاج على الذات التي لا تنهض من رمادها وصرخة في وجه الفارس الذي لا يقوم من كبوته واحتجاج على الفكر الذي لا يجمع شتاته ويعيد بناء الإنسان العربي والعالم، مستفيدا من دروس التاريخ شأنه شأن المجتمعات الناهضة الحديثة.
حلم تمثله الشاعر بربيع مزهر يتدفق من خلاله الماء في ربيع الخريطة العربية – والماء رمز الحياة وأقنوم الوجود – لكن النهر جرى رمادا وجرف الشاعر في خاتمة المطاف:
خلني للبحر، للريح، لموت
ينشر الأكفان زرقا للغريق
مبحر ماتت بعينيه منارات الطريق
مات ذاك الضوء في عينيه مات
لا البطولات تنجيه ولا ذل الصلاه
ولئن اختفى ذاك الصوت الشعري وسط جعجعة الأصوات الناشزة ووسط صرخات وعنتريات سماسرة السياسة وتجار الأزمات والمتربحين على انكسارات الأمة العربية في عز أزمتها وعرابي الفتنة، إثنية كانت أو طائفية، وإبان الردة الثقافية والرجعية الفكرية والنكبة الحضارية الحقيقية، فسوف يظل خليل حاوي صوتا شعريا مميزا التزم بلا أيديولوجيا فجة بقضايا أمته وحلم مثلها بالنهضة والعدالة والتحرر والتقدم وانتظر أن تبصر زرقاء اليمامة طلائع التقدم في الأفق الواعد وأن تستولد القابلة رحم التاريخ ميلاد اليوم العربي الجديد الذي انتظره الشاعر طويلا وبشر به، من دون أن يشهده في حياته مفضلا أن يجرفه نهر الرماد.
كاتب جزائري