«خطاب الأراجيز التعليمية»: الإيقاع حافظًا ذاكرة أُمّة


حمار الشعراء

 اختلف الناس في الرجز وأصوله، فزعم قومٌ أنه ليس بشعر وأنّ مجازه مجاز السجع، وقالوا «إنّما سمّاه راجزاً لأن الرجز أخفُّ على لسان المنشد، واللسان به أسرع من القصيد»، ولسهولة وزنه وعدم احتياجه إلى حركات الإعراب لُقّب بـ»حمار الشعراء». وكان هؤلاء في القرون الأولى يحفظون الآلاف منه، وكان من الوصايا الشهيرة قولهم: «رووا أبناءكم الرّجز فإنَّه يُهرِث أشداقهم».
وقد نشأ عن الرجز معنيان: معنى عامّ يجري في دائرة الحداء، فارتبط في بداياته بأعمال مجتمع الصحراء «يترنّمون به في عملهم وسوقهم ويحدون به»؛ ومعنى ناشئ أخذ ينزع نحو القصيد حين كثرت أبياته وطالت، فصنع منه القصائد. وقد كان الأغلب العجلي ـ حسبما ورد عند ابن قتيبة- «هو أول من شبه الرجز بالقصيد وأطاله، وكان الرجز قبله إنما يقول الرجل منه البيتين أو الثلاثة، إذا خاصم أو شاتم أو فاخر». وما زالت العرب تزري بالرجز الذي أصابه كثيرٌ من التعديل والتجزئة، وخرج كثيرٌ من أمثلته عن أن يُضبط ويُعيَّن بوزن خاص؛ ما دفع الخليل بن أحمد إلى أن يرفضه فلا يعدّهُ من الشعر، وأبا العلاء إلى أن ينتقص منه، في قوله: (قَصَّرْتَ أَنْ تُدْرِكَ الْعَلْياءَ فِي شَرَفٍ/ إِنَّ الْقَصَائِدَ لَمْ يَلْحَقْ بِها الرَّجَزُ). ولهذا السبب كذلك، لم يَنْظم فيه فُحول الشّعراء منذ أيام الجاهلية؛ فخلت منه دواوين زهير بن أبي سلمى وطرفة بن العبد وعنترة بن شداد وعلقمة بن عبدة الفحل والنابغة الذبياني. وليس منه في ديوان امرئ القيس سوى أربع مُقطَّعات، وإن كان يرتقي في ديوان لبيد بن ربيعة إلى خمس عشرة أرجوزة ومقطّعة من الرجز. لكن ما ورد إلينا منه أكثرُهُ نماذج لأبيات قصيرة مُقفّاة، تقوم على مقاطع منتظمة لعلّها تطوّرت عن الأسجاع المرتَّلة والموقَّعة، وبدت تتجه نحو توازن أدقّ وصورة من النّظْم واضحة. وقد رأى كثيرٌ ممّن وقفوا – عرباً ومستشرقين – على الرجز أنّه أصل الشعر، وأنّه تطوّر عن سجع الكهان الذي عُرف في الجاهليّة.

فالأرجوزة تعد من أقدم أشكال الشعر العربي، ثم تطورت تدريجيّاً حتى أصبحت فناً قائماً بذاته في العصرين الأموي والعباسي، واشتهر استعماله في الحداء والسفر ووصف الصيد والطرديات وفي الحكم والمواعظ، ومن أشهر الرُّجّاز الذين ارتقوا بقيمته الفنية في مضمار القول وحوّلوه إلى «أراجيز مقصودة» تنافس القصائد الطوال، نذكر العجاج وابنه رؤبة. بيد أنّ قيمته التعليمية غلبت على غيره مع الوقت، بعد أن أمست الأرجوزة وعاءً لحفظ العلوم والمعارف بسبب سهولة وزنها، فنُظمت بها منظوماتٌ في الفقه والعقيدة والتاريخ والسيرة، وفي النحو والعروض والبلاغة وعلوم الفلك والطب والرياضيات، إلخ. ومن أشهر الأراجيز التعليمية: ألفية ابن مالك في النحو، وأرجوزة ابن عبد ربه في العروض وأرجوزة ابن سينا في الطب وغيرها. وقد شكلت مثل هذه الأراجيز وسيلة لنقل الثقافة العربية والإسلامية عبر العصور، بقدر ما أسهمت في نشر العلوم وتيسير طرق تقييدها وحفظها وتلقينها.

من الأرجوزة إلى الترجيز

بعد أن عكف على دراسة هذا الشكل الشعري في كتابيه «الأنماط الإيقاعية للأرجوزة في الشعر العربي» 2008، و»بنية الأرجوزة وجمالية تلقيها عند العرب» 2009، يدرس الباحث المغربي المهدي لعرج «خطاب الأراجيز التعليمية: بحث في الوظائف التداولية للإيقاع» (مركز أبوظبي للغة العربية، 2025)، باعتبار هذا الخطاب شكّل مظهراً فريداً في تاريخ الثقافة العربية الإسلامية، وساهم منذ أوائل عصر التدوين في الإحاطة بتنوع هذه الثقافة واستدامة إشعاعها، وتميز بالانفتاح على الثقافة الشعرية، حيث استلهم قيمة الإيقاع من جهة، وعلى تقاليد التأليف والتصنيف حيث استلهم إجراءات التنسيق والتبويب ورصف المبادئ والمعايير والحدود من جهة ثانية؛ لغرض القيام بوظائف تداولية كانت ترتبط بأولويات التخاطب وحاجاته الملحة في ترسيخ مبادئ مختلف العلوم وحفظها من الضياع، وهي:
المساهمة في حل إشكالية التنافر بين العلم والعمل، بحيث يسهل نقل المعارف العلمية من بعدها النظري إلى المجال التطبيقي.
تأسيس سلطة الإيقاع بوصفها سلطة موازية للكفاية العلمية للعلماء الأعلام. كان البعد الموسوعي ميزة أساسية لثقافة العلماء، وكانت معرفة الإيقاع والقدرة على استعماله في التواصل العلمي جزءاً من هذه الثقافة، وهو ما تجلى في مختلف مظاهر الترجيز، التي اشتغلت على نقل العناية بالعلم من مجال النثر إلى مجال النظم، تسهيلاً للحفظ واحترازاً من الوقوع في الخطأ والالتباس.

توظيف البنية الإيقاعية خارج مجال التعبير الشعري، من خلال الرهان على نموذج فني لاستدامة تراث الأمة في العلم والمعرفة، جرياً على ما استقر عليه العرف في مجال محاكاة العواطف وتخييل الأهواء. فقد أصبح الإيقاع أداة للتعلم وترسيخ الحفظ، ما ساعد أيضاً على التطوير المستمر للفهم.
من هنا، تنطلق منهجية الباحث من مبادئ وضوابط تحليل الخطاب بشكل عام، ذلك أن الأمر ـ كما يرى- يتعلق بخطاب مميز يُفترض أن له ظروف إنتاجه ورهاناته ومقاصده الخاصة، كما أن تشكّله كانت له وظائف تداولية ترتبط بمقاصد ترسيخ مختلف العلوم التي كان ينبغي أن تتمحور حول النصوص المؤسسة لوجود الإنسان المسلم في حياته الدنيا وسعادته في الآخرة. فالباحث يبرز مختلف مظاهر هذه الوظائف، كما يتجلى ذلك في أبرز المتون التي تم ترجيزها من بداية عصر التدوين إلى غاية القرن العاشر للهجرة، سواء تلك التي تخص علوم اللغة والأدب، وعلوم الدين، والعلوم العقلية والصحية، وعلم الأخلاق، أو التاريخ والسياسة والآداب العامة وغيرها؛ وهذا يعني أنّ متن الأراجيز التعليمية واسع وشديد التنوع ينتمي إلى مجالات واسعة، ويتطلب استقصاؤه استعداداً ذا بال ووقتاً ليس بالهين.

الوظائف التداولية للإيقاع
لكن ما كان يهمّ الباحث ضمن إشكالات تصوره للموضوع، هو الإلمام بالوظائف التداولية للإيقاع، كما تجلت في شكل الأرجوزة التعليمية، بوصفها خطاباً خاضعاً لمنطق النظم، خاصاً بتسهيل حفظ مجموع العلوم والمعارف، التي ترسخت في الثقافة العربية الإسلامية وظهر أن تصنيفها بلغ أوجه وأن تنظيرها وصل غايته ومداه في مجال النثر، أو بالنظر إلى ما ترسخ أيضاً بفعل الممارسة، فأصبح مظهراً من مظاهر خبرة الإنسان بشؤون حياته، وعاملاً من عوامل استقرارها، وهو ما كان يتجدد في ظل التحولات الممتدة، والمستجدات المتلاحقة التي تنجم عن إعمال العقل في تطوير العلم والانتفاع به.
وفي هذا المنظور، وارتباطاً بالرهان الأساسي للدراسة، فقد انصب اهتمام الباحث المهدي لعرج، على بيان حدود الوظائف التداولية لخطاب الأراجيز التعليمية، في العلاقة بالمقاربة المعتمدة وبمفاهيم الشرح المرتبطة بها، ابتداءً من تصنيف متن الأراجيز التعليمية، وتعيين مختلف مقاصدها وغاياتها، حسب طبيعة العلوم ومجالات المعرفة التي كانت سائدة في عصر من العصور. ولهذا ظلت تتردد في هذه الأراجيز أصداء اختلاف العلماء في تعريف العلم ومظاهره وأولوياته، وظل خطابها يتطور في مختلف مراحل تكونه ومجالات استعماله نتيجة التفاعل العميق والتعاون الوثيق بين طرفيه الأساسيين، أي المتكلم الذي يقوم بجهود الصياغة والنظم والتمثل، والمخاطَب الذي يُفترض أن يحدق به الالتباس إلى الحد الذي يفرض عليه ضرورة الاحتراز من الخطأ وسوء الفهم. وعلى هذا الاعتبار، عرض الباحث خصائص خطاب الأراجيز التعليمية على النحو التالي:

– حرص المتكلم على إبراز البعد التكاملي لأي علم يشتغل بترجيزه، أو أي معرفة يقوم بنظمها. فالمخاطَب بالنحو مثلاً، ينبغي أن لا يستشعر أهميته من مجرد امتلاك القدرة على حفظ مجموع قواعد النسق اللغوي، وإنما في كفايته على استعمال هذه القدرة، أي تجنب مظاهر الزيغ والخطأ في فهم الخطاب عامة، ولاسيما الخطاب القرآني لصلته المباشرة بتأطير حياة الإنسان وتنظيم شؤونها. وهو أمرٌ يصل غايته في حالة علم العروض، فعلى الرغم من أن الأمر يتعلق بمقياس يتعلق بالاحتراز من الخطأ في الخطاب الشعري بخاصة، إلا أنه تم الربط أيضاً بين هذه الوظيفة، وما يترتب عليها بالنسبة للخطاب الديني بشكل عام. ذلك أنه إذا كان من شأن العروض أن يمحص شواهد الشعر، وإذا كانت تلك الشواهد من جملة ما يحتج به في انسجام الخطاب القرآني، فإن المعرفة العروضية تصبح تبعاً لذلك ضرورية في توازن التأويل وانسجام الفهم.
– هيمنة المنزع الديني، كما يتجلى ذلك في بدايات الأراجيز التعليمية وفي نهاياتها. إن وقوع المحتوى العلمي أو المضمون المعرفي في الأرجوزة بين هذين الحدين يعد شكلاً رمزياً لتبئير الوظيفة التداولية للمنظومة التعليمية. أي إن ما يُقال في هذا السياق ينبغي أن لا يفلت من إطار الانتماء لهذا المسار الممتد في خدمة الخطاب القرآني، وهو ما ينبغي أن يتضافر في تحقيقه مجموع ما أمكن تشعيبه من علوم، مما ينبغي للنظم الرجزي أن يشتغل على تحسين عرضه وتسهيل حفظه.
– ارتباط النظم بتعليم المتلقي وتثقيفه، فقد يتعلق الأمر بمتعلم مبتدئ بالفعل في سياق انتشار مؤسسات التعليم الرسمية والمدارس النظامية، عندما يكون المتكلم بصدد اطّلاعه على مبادئ علم محدد، أو منطق تصنيف بعينه، في سياق الحد من مظاهر الاختلاف، والتصدي للجهل، وتطوير كفاءة الأفراد في القيام بالوظائف وممارسة المهن. وقد يتعلق الأمر بعامة المخاطَبين ممن يفرض المقام تنزيههم عن واقع الجهل والتعلق بالأباطيل والتمثلات الخاطئة.
– عناية خطاب الأرجوزة التعليمية بتقديم ما يناسب من المواعظ والعبر التي يؤسسها المتكلم انطلاقاً من قصص القرآن، وأحداث التاريخ، وتجارب الأمم، وسير العلماء، وغير ذلك مما ينبغي أن يكون أهلاً للثقة، وجديراً بالاتباع وحسن الاقتداء. فبالموازاة مع تنسيق المحتوى وترسيخ المضمون، يستطرد الناظم إلى ضرب المثل بما يؤدي إلى تحبيب أشياء أو تكريه أخرى، في سياق اهتمام عميق بالتأثير في المخاطب وتوجيه مواقفه واختياراته.

– لا تفاضل في الترجيز بين العلوم، من حيث المبدأ، فكل علم يعد أشرف العلوم وأجلها، لأن المتكلم يكون بصدد وضع تواصلي لا يهيمن عليه مبدأ ترتيب العلوم وتصنيف درجاتها في الأهمية، بقدر ما يهيمن عليه قصد التأثير في المخاطب وحمله على الاقتناع بجدوى الأرجوزة، الذي هو آخذ في صياغتها والملاءمة بين مكوناتها ومنها المكون الحجاجي.
– استثمار البعد التخييلي في الأرجوزة، عندما ينفتح الناظم على الإمكانيات التعبيرية للأغراض الشعرية وقيمتها في بناء المعنى وإنتاج الدلالة، كما يتجلى مثلاً فيما تضمنته أراجيز التاريخ من مدح للملوك والأمراء، وغيرهم من صناع الأحداث التاريخية، وما تضمنته المقصورات المرجزة من مديح نبوي وفخر ووصف وغيرها.
– ارتباط الوظيفة الأساسية للأرجوزة التعليمية بإيجاد ما يناسب من الحلول لمختلف الأزمات التي تطوق الإنسان، هكذا تحاول أراجيز اللغة مثلاً أن تعالج إشكالية اللحن والأخطاء المذمومة في التعبير، وتتمحور أراجيز الفقه حول بيان أقوم السبل في استنباط الأحكام وتأصيل قواعد التشريع، وتتعلق أراجيز التفسير بالشرح وتوضيح سياقات الفهم، وأراجيز التاريخ بسرد الأحداث وتقلباتها وبطولات صُنّاعها، وأراجيز النفس والآداب بتهذيب الأخلاق وإصلاح عيوبها، وأراجيز الطب بالوقاية من اعتلال الصحة وعلاج الأبدان. وغير ذلك من الحلول التي تكتسب أهميتها من الحقل المعرفي الخاص الذي تتمحور حوله كل أرجوزة، ارتباطاً بقاعدة عامة جامعة هي الاحتراز من الوقوع في الخطأ، وسوء الفهم التي يؤدي مراعاتها إلى تجنب الكفر والفسوق والعصيان واللؤم والخداع والكراهية واغتصاب حقوق الناس والقتل والتدمير، وغير ذلك مما يقضي على حياة الأفراد ويشيع الفوضى في المجتمع.

كاتب مغربي



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *