حين يصبح الضياع هو الكابوس الحقيقي



نسرين سيد أحمد

لندن – «القدس العربي» : من الصعب أن نتحدث عن فيلم «غرف خلفية» (Backrooms) للمخرج واليوتيوبر الأمريكي كين بارسونز باعتباره فيلماً من أفلام الرعب بالمعنى التقليدي للكلمة، لأنه لا يخيفنا بالطريقة التي اعتدنا عليها. فلا توجد هنا الأشباح التي تقفز من العتمة، ولا الوحوش التي تخرج من خلف الأبواب، ولا حتى تلك الصدمات البصرية التي باتت تشكل العمود الفقري لكثير من أفلام الرعب المعاصرة.
ما يفعله الفيلم أكثر بساطة وأكثر إزعاجاً في الوقت نفسه: إنه يضعنا داخل مكان مألوف بصورة مقلقة، ثم يتركنا وحدنا. وربما تكمن عبقريته كلها في هذا القرار البسيط: أن يذكرنا بأن أكثر الأشياء رعباً ليست بالضرورة تلك التي لم نرها من قبل، بل تلك التي تبدو مألوفة أكثر مما ينبغي. يصعب النظر إلى الجدران الصفراء الباهتة، أو السجاد الذي لا يحمل أي ملامح مميزة، أو الأضواء التي لا تنطفئ، من دون أن يتسلل إلينا شعور غريب بأننا مررنا بهذا المكان في مرحلة ما من حياتنا. لكن أين؟ هذا السؤال هو الذي يحرك تجربتنا الشعورية في الفيلم بأكملها. لماذا يبدو هذا المكان مألوفاً إلى هذا الحد؟ ولماذا يثير في داخلنا هذا القدر من القلق، رغم أنه لا يقدم شيئاً استثنائياً في ظاهره؟ ولعل هذا ما يجعل «غرف خلفية»، واحداً من أكثر أفلام الرعب ارتباطاً بعصرنا الحالي. فنحن نعيش اليوم وسط فضاءات متشابهة إلى حد كبير: مكاتب، وممرات، ومراكز تجارية، وقاعات انتظار، وفنادق ومطارات ومدن باتت تشبه بعضها بعضاً بصورة متزايدة. أماكن نقضي فيها ساعات طويلة من حياتنا، لكنها لا تترك في ذاكرتنا أي أثر حقيقي، وكأنها صممت لتكون موجودة خارج الزمن، أو لتوحي لنا أن الأماكن والأزمنة المحيطة بنا تتشابه لدرجة تصيبنا بالرعب والاختناق في آن، كما لو أننا دخلنا متاهة لا فكاك منها، لأن جميع ممراتها ودهاليزها وغرفها تتشابه تماماً. ولهذا السبب تحديداً يثير الفيلم كل هذا القلق، لأنه لا يقدم لنا مكاناً متخيلاً بالكامل، بل يعيد ترتيب عناصر من عالمنا الحقيقي، ثم يفرغها من معناها. وفجأة، يتحول الاعتيادي إلى شيء مخيف. لكن «غرف خلفية» لا يتحدث عن المكان فقط، بل عن الإنسان المعاصر أيضاً، وعن ذلك الشعور المتزايد بأننا جميعاً نعيش داخل مرحلة انتقالية طويلة لا نعرف إلى أين تقودنا. لسنا حيث كنا قبل سنوات، لكننا لا نعرف أيضاً أين نتجه، فيما يبدو العالم وكأنه يتغير بسرعة تفوق قدرتنا على اللحاق به.

يبدو الفيلم معبراً بشدة عن شباب عالمنا المعاصر، إنه جيل تربى على الشاشات، وعلى التدفق المستمر للمعلومات، وعلى الإحساس الدائم بأنه متصل بالعالم كله، لكنه يشعر في الوقت نفسه بقدر غير مسبوق من الوحدة. والمفارقة أن بارسونز، مخرج الفيلم، ينتمي إلى هذا الجيل نفسه. فهو لم يأت من مدارس السينما التقليدية، بل من الإنترنت مباشرة، من تلك المساحات التي اختلطت فيها ألعاب الفيديو بثقافة اليوتيوب وبالمؤثرات البصرية، التي باتت تشكل جزءاً من اللغة اليومية لجيل كامل. ومع ذلك، لا يبدو الفيلم احتفالاً بالعالم الرقمي بقدر ما يبدو نقداً ضمنياً له. وكأن هذه المتاهة الممتدة إلى ما لا نهاية ليست سوى تجسيد مادي للضياع الذي نعيشه يومياً. كل شيء متاح أمامنا، لكننا لا نعرف إلى أين نذهب. كل شيء متصل، لكننا نشعر بعزلة متزايدة. وكل شيء يتحرك بسرعة هائلة، لكننا نشعر في المقابل بأننا عالقون في أماكننا. وهنا يتحول المكان إلى بطل الفيلم الحقيقي، بل ربما إلى وحشه الحقيقي أيضاً.


فالكائنات التي قد تظهر بين الحين والآخر ليست سوى تفاصيل ثانوية في التجربة كلها. أما الرعب الحقيقي، فيكمن في فكرة أن نبقى عالقين إلى الأبد داخل نظام لا نفهمه، لكنه يفرض منطقه الخاص علينا. وربما لهذا السبب تبدو تجربة مشاهدة «غرف خلفية» أقرب إلى تجربة وجودية منها إلى تجربة سينمائية تقليدية. إنه فيلم عن الضياع أكثر مما هو عن الخوف، وعن الزمن أكثر مما هو عن المطاردة، بل إن الزمن نفسه يبدو معلقاً هنا. لا نعرف إن كانت الدقائق تمر أم الساعات أم السنوات، وهذه وحدها فكرة مخيفة على نحو غير متوقع. لأن الإنسان، في نهاية المطاف، كائن يحتاج إلى العلامات كي يعيش. يحتاج إلى النوافذ، وإلى الضوء الطبيعي، وإلى الأصوات البشرية، وإلى الإحساس بأن هناك بداية ونهاية لكل شيء. أما «غرف خلفية»، فيسلبنا كل ذلك دفعة واحدة، ولا يمنحنا في المقابل سوى الفراغ. لكن ربما كان هذا هو ما يريد الفيلم قوله. إننا أصبحنا نخشى الفراغ لأننا لم نعد نعرف كيف نتعامل معه. لقد اعتدنا أن نملأ كل لحظة بالصوت، وكل دقيقة بصورة، وكل مساحة بشاشة جديدة. أما الصمت، فقد أصبح شيئاً غريباً، والبطء أصبح أمراً مقلقاً، والوحدة تحولت إلى تهديد ينبغي الهروب منه بأي ثمن.
لا يبدو «غرف خلفية» مجرد فيلم رعب، بل أشبه بتشخيص لحالة معاصرة. إنه فيلم عن بشر يعيشون وسط ضجيج لا ينتهي، لكنهم يشعرون بقدر متزايد من الضياع. وربما لهذا السبب أيضاً يترك أثراً مختلفاً عن معظم أفلام الرعب الأخرى. فهو لا يعتمد على المفاجآت، أو على إيقاع متسارع، بل على التراكم البطيء لشعور بالاختناق لا نعرف متى بدأ، ولا متى سيتوقف.
وفي النهاية، لا يغادر المشاهد الفيلم وهو يتذكر الأحداث أو الشخصيات، لأن أياً منهما ليس محور التجربة أساساً، بل يغادر وهو يحمل إحساساً يصعب وصفه، ذلك الشعور المربك بأن هذا الكابوس لم يكن بعيداً عنا كما كنا نظن، بل كان مختبئاً طوال الوقت داخل أكثر الأماكن اعتيادية في حياتنا. وربما لهذا السبب يبقى «غرف خلفية» عالقاً في الذاكرة. ليس لأنه يقدم لنا وحشاً جديداً، بل لأنه يذكرنا بشيء كنا نحاول تجاهله منذ زمن طويل: إن الإنسان المعاصر لا يخشى الظلام بقدر ما يخشى أن يضيع، أن يبقى عالقاً في مكان لا يقوده إلى أي مكان، وأن يكتشف، في لحظة ما، أن المتاهة التي كان يظنها خيالية تشبه حياته أكثر مما كان يتصور.
وأظن أن هذه هي أكثر الأفكار إثارة للقلق التي يطرحها الفيلم. فالرعب، في نهاية المطاف، لا يسكن البيوت المهجورة أو الغابات المظلمة فقط، بل قد يسكن أيضاً في المكاتب الفارغة، والممرات الصامتة، والغرف التي لا تؤدي إلى أي مكان. وقد يكون هذا هو أكثر ما يقوله «غرف خلفية» عن عالمنا اليوم: أننا لم نعد نخشى المجهول بقدر ما نخشى الفراغ، ولم نعد نخشى الوحوش بقدر ما نخشى أن نستيقظ يوماً فنكتشف أننا نسير منذ زمن طويل داخل متاهة لا نهاية لها، من دون أن نعرف كيف دخلناها أصلاً.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *