في ظل الحرب المستمرة على قطاع غزة وما رافقها من نزوح جماعي، وانهيار المنظومة الاقتصادية وفقدان الأمن، برزت ظاهرة مقلقة تتمثل في تزايد حالات زواج الفتيات القاصرات، حيث تلجأ بعض الأسر إلى تزويج بناتها باعتباره وسيلة لحمايتهن من العنف، أو لتخفيف الأعباء الاقتصادية، أو لضمان وجود رجل يوفر لهن الأمان في ظروف استثنائية.
وأدت الحرب إلى انهيار كثير من أنماط الحياة التقليدية في غزة، حيث فقدت آلاف الأسر منازلها، وانتقلت إلى مراكز إيواء مكتظة تفتقر إلى الخصوصية، فيما تعيش النساء والفتيات وسط مخاوف دائمة من التحرش أو العنف أو غياب الأمان، وفي هذا الواقع، بدأت بعض العائلات ترى في الزواج المبكر وسيلة لتوفير الحماية الاجتماعية، معتقدة أن انتقال الفتاة إلى بيت زوجها، قد يقلل من المخاطر التي تواجهها داخل مراكز النزوح.
ولا يسمح القانون بزواج الأطفال من دون ضوابط وإجراءات قضائية، كما تؤكد الاتفاقيات الدولية، وعلى رأسها منظمة الأمم المتحدة، ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة اليونيسف، والزواج يجب أن يتم برضا كامل وببلوغ السن القانوني، باعتبار زواج الأطفال انتهاكا لحقوق الطفل، في حين تؤكد المنظمات الإنسانية أن الأزمات والنزاعات غالبا ما تؤدي إلى ارتفاع معدلات زواج الأطفال، لكنها تشدد على أن الزواج ليس وسيلة للحماية.
وتكشف ظاهرة زواج القاصرات في غزة خلال الحرب عن حجم الضغوط الإنسانية التي تعيشها الأسر، حيث يدفع الخوف والفقر وانعدام الأمن بعض العائلات إلى اتخاذ قرارات يرونها وسيلة لحماية بناتهم، إلا أن الأدلة الحقوقية والطبية تشير إلى أن الزواج المبكر لا يعالج أسباب الخطر، بل قد يضيف أعباء جديدة تهدد مستقبل الفتيات وصحتهن وتعليمهن وحقوقهن الأساسية، وتبقى حماية الأطفال مسؤولية جماعية تتطلب استجابة إنسانية وقانونية، تضمن لهم الأمان من دون المساس بحقوقهم.
تخفيف الضغوط الأسرية
في خيمة نزوح تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة داخل مخيم جباليا، تجلس الفتاة ريما عصام، التي لم تتجاوز السادسة عشرة من عمرها وهي تحمل طفلها الأول، فقبل أشهر قليلة كانت طالبة تحلم بإكمال تعليمها، لكنها اليوم أصبحت زوجة وأما، في مشهد يتكرر بصورة متزايدة مع استمرار الحرب، وتفاقم الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة.
تقول أم خالد والدة الفتاة ريما، لـ«القدس العربي»، «كثير من الأسر لا تريد حرمان بناتها من طفولتهن، لكنها تشعر بأنها محاصرة بين الحرب والخوف والفقر، فتختار ما تعتقد أنه أقل الضررين، لكن كنت أخشى على ابنتي أكثر من الجوع والعنف، عندما تقدم شاب لخطبتها شعرت أنها ستكون أكثر أمانا، رغم أنها لم تكمل السابعة عشرة عاما».
وتوضح أن زوجها توفي قبل حرب الإبادة بفترة قصيرة، وتحملت كامل مسؤولية العائلة، ومع اندلاع الحرب والنزوح والتشريد، باتت تخشى على أفراد أسرتها من الضياع والعنف، لذلك حرصت على تزويج بناتها لإخلاء المسؤولية، وتخفيف الضغوط الأسرية الواقعة عليها.
ولم تخف أم خالد وجود مشاكل في حياة ابنتها بسبب صعوبة التوافق بينها وبين زوجها، وعدم قدرتها على تربية طفلها وتحملها أعباء أسرية تفوق قدرتها، عدا عن تردى الأوضاع الاقتصادية لزوجها، «فأصبحت حياة ابنتي على المحك، وفي كل لحظة أتخوف من انفصالها عن زوجها».
تقول الأخصائية الاجتماعية والنفسية د. بلسم ربحي إن دوافع تزويج القاصرات خلال الحرب، تشمل الخوف من تعرض الفتاة للعنف أو التحرش داخل مراكز الإيواء وفقدان الأب أو المعيل، ما يدفع الأسرة للبحث عن من يتحمل مسؤولية الفتاة، كما أن الفقر المدقع والعجز عن توفير الاحتياجات الأساسية، يزيد الاعتقاد بأن الزواج يوفر الغذاء والمسكن والأمان الفتاة.
وتوضح لـ«القدس العربي»، أن زواج القاصرات لا يوفر حماية حقيقية، بل يخلق مخاطر جديدة قد تمتد طوال حياة الفتاة، كما أن مسؤوليات الزوجية والأمومة لا تتحملها القاصرات، إلى جانب الآثار النفسية والاجتماعية، حيث يؤدي الزواج المبكر إلى انقطاع الفتاة عن التعليم، وفقدان فرص العمل مستقبلا، وزيادة احتمالات التعرض للعنف الأسري والعزلة الاجتماعية، عدا عن اضطرابات القلق والاكتئاب، وترسيخ دائرة الفقر عبر الأجيال.
وأشارت إلى أن تجاوز الأزمة ومنع تفشيها يحتاجان إلى حلول عاجلة ومنها، توفير أماكن إيواء آمنة ودعم الأسر اقتصاديا لمنع اللجوء إلى تزويج البنات، واستمرار التعليم والدعم النفسي، وهذا يقلل من مخاطر الزواج المبكر، إلى جانب رفض القضاء إجراء عقود الزواج إلا ببلوغ الطرفين سن الزواج.
بدورها تقول طبيبة النساء والتوليد د. أماني الطلاع، تزداد خطورة زواج القاصرات في غزة بسبب تراجع الخدمات الصحية، ونقص الأدوية والمستلزمات الطبية، وصعوبة الوصول إلى الرعاية المتخصصة، ما يجعل أي حمل في سن مبكر أكثر خطورة على الأم والجنين مقارنة بالظروف الطبيعية.
وبينت لـ«القدس العربي» أن زواج القاصرات ليس مجرد قضية اجتماعية، بل هو قضية صحية تمس حياة الفتاة ومستقبلها، فجسم الفتاة في سن مبكر غالبا لا يكون قد اكتمل نموه لتحمل أعباء الحمل والولادة، ما يزيد من احتمالية التعرض لمضاعفات خطيرة مثل فقر الدم، وارتفاع ضغط الدم أثناء الحمل، والولادة المبكرة، وتعسر الولادة، والنزيف، وقد تصل المضاعفات في بعض الحالات إلى تهديد حياة الأم أو الجنين.
وأوضحت من الناحية النفسية، تواجه الفتيات القاصرات ضغوطا كبيرة نتيجة انتقالهن المفاجئ من مرحلة الطفولة إلى تحمل مسؤوليات الزواج والأمومة، وهو ما قد يؤدي إلى القلق والاكتئاب واضطرابات ما بعد الصدمة، خاصة في ظل الظروف الإنسانية الصعبة التي يعيشها قطاع غزة.
وبين واقع الحرب القاسي وضغوط الفقر وانعدام الأمان، تجد بعض الأسر في زواج بناتها القاصرات وسيلة للحماية أو لتخفيف الأعباء المعيشية، غير أن هذا القرار يترك آثارا قد تمتد لسنوات طويلة على صحة الفتيات وتعليمهن ومستقبلهن، في حين إن معالجة هذه الظاهرة لا تكون بتبريرها أو التكيف معها، بل بتوفير الحماية الاجتماعية، ودعم الأسر اقتصاديا، وضمان استمرار التعليم، وإتاحة خدمات الصحة النفسية والإنجابية للفتيات.