حيث يكفي من الكلام قليله… لقاء متأخر مع أم غريبة


كان على “سعيد”، المهاجر إلى ألمانيا، أن يذهب إلى بلد ثالث كي يرى أمّه. لم يكن يعرفها، فهو أُبعد عنها بعد أيام من ولادتها له. لم تتح له مجالستها في إيران طوال السبعة عشر عاما التي قضاها هناك. حال أهل أبيه دون ذلك. وهو في زيارته إلى ذاك البلد، حيث مسقط رأسه، لم يبذل جهدا لرؤيتها، إذ سرعان ما غادر بعد أن علِم أن الكثيرين ممن يعرفهم من المناضلين ضد تسلّط الشاه قد أُعدموا، في عهد الثورة الخمينية، لم يرَ أمّه ولم يعرفها. الآن يُدعى إلى التعرّف إليها في تورنتو في كندا. وها هو يقدّم نفسه لنا وهو يتهيّأ للذهاب إليها هناك. في المطار الألماني كان عليه أن يتحلّى بالصبر أثناء التقدّم بأوراقه، التي لم تصيّره مواطنا ألمانيا كاملا. “إنتظر هنا، عليّ أن أتحقّق”، قالت له الموظفة قبل دخوله إلى صالة المسافرين.
نتعرّف، مما يردّده معها، وما يقوله بينه وبين نفسه، ما يتعدّى معاناته من الإجراءات الأمنيّة، رغم أنه يسافر بين بلدين من المفترض أن يكونا حرّين، وهو لذلك لم يُحتجز، اكْتُفي باستبقائه في الانتظار قبل السماح له بالصعود إلى الطائرة، التي لا يحبّ ركوبها. ثم مطار تورنتو حيث يستقبله محمود، ابن أمّه، المولود من أب آخر. لا يعرف محمود أيضا، ندرك ذلك من وصفه له، كصاحب البيت وكأخ غريب. ثم لم يلبث أن يقابل أمه، ويجالسها ككائن غريب. الكتيّب الصغير الذي عنوانه “أراضي أم بعيدة” يدور أكثره على ذلك اللقاء بين الاثنين، سعيد وأمّه. صحيح أن مدة بقائه هناك في تورنتو طالت حتى ثلاثة أسابيع لكنه غادر من دون أن يبلغ وصفه لها حدّ الاقتناع بأنه عرفها معرفة كافية.

ظل، طوال الأسابيع الثلاثة، يشعر بأنه لا يتقدّم في فهم ما جاء لأجله. لا بدّ أنها، هي أيضا، لم تتمكن من تجاوز تردّدها مع ابن لا تعرفه. وهي، مع ابنها الآخر محمود، تبدو أقرب إلى أم عادية، حيث تروح تمازح هذا الأخير وتتحبّب إليه بصفعه على ذراعه وكتفه. لكن معه، هو سعيد، لم تتحقّق سوى المراقبة، الدقيقة والمثابرة. وها هو يصف كل شيء يراه، قدمها، ركبتها، السمنة البادية في ذراعها، كفّها وأصابعها، والخواتم في أصابعها. ومع أنها حكت له، بكثير من التفاصيل، عن ظلم أهل زوجها لها حيث فُصلت عنه بعد أربعين يوما من ولادتها له، إلا أن كل ذلك لم يقرّبه منها إلى حدّ الملامسة أو التواطؤ الخفيف المرح. بدا، في مرافقة أخيه محمود له إلى مطار العودة كأنه لم يحصل على ما كان ينتظره. وفي تعليقه على معرفته بها استغرب كيف أنها لم تسأله عن حياته. ما كان يهمها منه تلك الأخبار العاديّة عن البيت والزواج والمستوى المهني والاجتماعي الذي بلغه. امرأة جافة يصعب اختراق ما هو حميمي فيها. كأنها امرأة لا حليب فيها ولا لعاب ولا مشاعر.

ما يُمتع في قراءة الكتاب هو طريقته في تدوين الكلام، حيث تختلط الحركة بالتأمل ويندمج الحدث الجاري بالتذكّر، كان الكاتب دائم التنقل من خارج نفسه إلى داخلها، بلا حواجز ولا فوارق. والجمل قصيرة، تقتصر إحداها أحيانا على كلمة واحدة، أو على وصف عابر لإيماءة. وكل ذلك خارج من نفس متردّدة لا أثر في ما يصدر منها من افتعال للمودّة، أو حتى التقرّب المجامل. وما يزيد النصّ المكتوب حيويةً كوننا نظل راغبين في معرفة كاتبه، على مثال تعرّفه هو على تلك المرأة. ذاك أنه لا يقدّم نفسه إلا بوصفه مهاجرا من بلده، ومشتغلا بالسياسة، مناهضا لزمنيْ إيران: زمن حكم الشاه وزمن سيطرة رجال الدين.
وربما تلبّي النصوص الأربعة التي ألحقت بالبحث فضولنا تجاه معرفة الكاتب “سعيد”، المكتفي بهذه الكلمة إسما له. في النص الملحق الأول، الذي يتضح لنا فيه أنه كاتب مهتم بالسياسة، على الرغم من أن ما نقرأه في النصّ الملحق الأوّل ينقل وقائع التعذيب الذي عاشته امرأة في معتقلات حراس الثورة، مزوّدا، بالجرأة الكاملة لوصف اغتصابها وتهاوي سيطرتها على وظائف جسمها، ما أدى إلى انهيار حياتها وتهرّب زوجها من البقاء معها في بيت واحد. لا صلة مباشرة لهذا النص بالحكاية التي يدور حولها الجزء الأول، الأساسي، من الكتاب، الأرجح أن الغرض من إتباعه بمجالسة الأمّ تأتت من رغبة كاتبه في التعبير عن السخط الذي لم تتسع له الصفحات المئة والعشرون السابقة.

كما يدلّ إليه نصّه التالي عن الذكرى المئة والخمسين لوفاة الشاعر، الذي لم يلقَ من مواطنيه الألمان الحفاوة التي يستحقّها. أما النص الثالث، وهو “طعم الكلمات” فيدور حول علاقته باللغتين، الفارسية التي ظلت لغته الوحيدة حتى عمر السابعة عشرة، والألمانية التي صارت لغة حاضره وكتابته.
أما رحلته إلى مصر، لاسبوع واحد ربما، فحملته إلى القول، إن القاهرة تكبر لكن لا أحد يعرف في أيّ اتجاه. ودائما يشعر قارئ ملاحظاته أن هناك مقارنة خفية بين القاهرة وطهران، تبدو فيها الأولى مكانا محكوما بالأمزجة الغريبة لبشرها، هؤلاء الذين يسجدون لصلاتهم في ايّ مكان، كما لو أن لا بيت لله. كما أنهم، رغم مشكلات الازدحام والفقر، لا يتوقّفون عن إطلاق الأسئلة عن قضايا العالم الكبرى. لكن رغم تعدّد موضوعات الكتاب، يعرف قارئه كيف يربط بين أجزائه ليتعرف على مثقف هاجر مبكرا من بلده، ولم يتوقّف عن طرح الاسئلة عما تبقى لديه من أثر فيه.

كتاب “أراضي أم بعيدة” لمن اكتفى من اسمه بكلمة سعيد نقله، لمنشورات الجمل، عن الألمانية أحمد فاروق في 160 صفحة، سنة 2025.

كاتب لبناني



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *