عتبة الصمت والضوء المطفأ
تبدو الجدران كأنها تمتص صخب بوند ستريت، وتكتم أنفاس الزوار، تستغرقُ في الدهشة المرأة السومرية القادمةُ من تخوم أور، أمَام هذا اللقاء البصري. ترتدي فستاناً طويلاً يختلط فيه سواد الليل بزرقة البحر العميقة وتموجات الرماد، ويغطي ذراعيّ الفستان شال أسود ذو شراشيب اشترته من سوق شعبي في مدينة خريث الاسبانية، ليخفف من برودة التكييف التي لا تحبذها. يستقر شعرها الأسود بوقار على كتفيها. تبدو للوهلة الأولى كجزء لا يتجزأ من المعرض، امرأة محتشمة بمواجهة لوحة لامرأة عارية، إحدى درر الفنان الإيطالي أميديو مودلياني (من تجلس عارية إلا من عقدها) التي رسمها عام 1917.
تقف السومرية المشبعة بالرموز والأساطير، مسمرة أمام امرأة موديلياني العارية تماماً إلا من عقد أحمر يلتف حول جيدها الممدود كأعناق تماثيل سومر الطينية. الملاحظة الأكثر إثارة للدهشة، والتي فتحت بوابة فلسفية في عقل المتأملة، هي العيون، المرأة العراقية تفتح عينيها بيقظة حادة، تحدّق، تتأمل، تتفرّس، وتستنطق التفاصيل؛ بينما المرأة في اللوحة تغلق عينيها الرفيعتين باستسلام كلي، وادعة، غارقة في صمتها الداخلي وسكينتها المطلقة.
هذا التباين الحاد بين عينين مفتوحتين تواجهان العالم وأعباء الشتات، وعينين مغمضتين تلجآن إلى قراءة الروح، يقودنا مباشرة إلى حوار فلسفي وجمالي بين الفنان الفرنسي أوديلون ريدون (1840-1916)، أحد أبرز رواد المدرسة الرمزية ولوحته الأيقونية «العيون المغمضة» (Les Yeux clos)، وموديلياني ولوحته المبهرة والمتفردة (من تجلس عارية إلا من عقدها).
(العيون المغمضة) عند الرمزيين الفرنسيين وأوديلون ريدون
في أواخر القرن التاسع عشر، ثار الرمزيون الفرنسيون على الواقعية والمادية التي هيمنت على الفن والأدب. بالنسبة لهم، كانت الحواس الخارجية مجرد أدوات مضللة ترصد القشور المشوهة للعالم المادي. كتب الشعراء الرمزيون، مثل ستيفان مالارميه وأرتور رامبو، عن ضرورة «تخريب الحواس» للوصول إلى الحقيقة المطلقة الكامنة في اللاوعي والخيال الخالص. في هذا المناخ الفلسفي، ولد عمل الفنان الرمزي الفرنسي أوديلون ريدون (Odilon Redon) الشهير عام 1890 «العيون المغمضة» (Les Yeux clos) ، يصور ريدون في تلك اللوحة، رأس شخص يصعب تمييز جنسه، مغمض العينين يطفو فوق سطح مائي غامض، بملامح أثيرية تشبه التماثيل الإغريقية أو القديسين البوذيين. بالنسبة لريدون، لم يكن إغلاق العينين تعبيراً عن الموت أو النوم، بل كان فعل انطواء وتأمل باطني. إنها لحظة الانتقال من البصر إلى البصيرة، حيث يغلق المرء نوافذ الجسد المفتوحة على العالم الخارجي المشوش ليتيح لعين الروح الداخلية أن تنظر إلى الداخل الصافي. العين المغمضة عند الرمزيين هي حارسة الخيال البكر، والوسيلة الوحيدة للقبض على الجوهر الروحي الذي لا يمكن للألوان المادية أو الخطوط الصارمة أن تلتقطه.

موديلياني والتحوير الرمزي.. العري والغموض الباطني
على الرغم من أن أوميديو موديلياني عاش في باريس في فترة ما بعد الرمزية (حقبة التكعيبية والوحشية)، إلا أنه ورث بوعي أو غير وعي تلك النزعة الروحانية للرمزية الإيطالية والفرنسية. في لوحته (من تجلس عارية إلا من عقدها) والتي عرضت مؤخرا في مزاد سوثبيز للفنون وحققت ما يقارب 5 ملايين دولار عند البيع، نجد بوضوح تأثره بالمنحوتات الافريقية والآثار السومرية القديمة من خلال تمديد الأعناق والوجوه البيضاوية. غير أن فلسفته في رسم العيون المغمضة أو العيون الخالية من البؤبؤ (التي تبدو كاللوز المصمت) تحمل بعداً فلسفياً شديد الخصوصية. كان موديلياني يفسر ذلك بجملته الشهيرة: «عندما أعرف روحكِ، سأرسم عينيكِ.»
في هذه اللوحة، يُسقِط موديلياني كل الأقنعة عن موديله؛ يجرّدها من الملابس، لكنه يمنحها درعاً لا يمكن اختراقه، إغلاق عينيها. العقد الأحمر البسيط الذي يطوق عنقها يبدو كخط حدودي يربط جسدها بالأرض، كأنه تعويذة تحمي طهرها البكر. وبإغلاق عينيها، تنسحب المرأة من دورها كموضوع معروض للمشاهدة لتصبح ذاتاً مستقلة تملك عالمها الخاص. إن عريها ليس عرياً إباحياً، بل هو عري فلسفي وجودي، تخلى عن زيف العالم الخارجي وعاد إلى الطين الأول الذي صُنع منه وجوده الإنساني.
التجربة الشخصية: المرأة السومرية أمام اللوحة وقوفٌ عند حافة الفقد
من هذه النقطة الفلسفية، تكتسب وقفتي المتأملة أمام اللوحة بعداً تراجيدياً وحميمياً غاية في العمق. أنا، التي أحمل في ذاكرتي جغرافيا دجلة والفرات، وصخب بغداد، وآلام الحروب ودويّ أسحلتها والشتات والغربة، أقف هناك بكامل أناقتي المعاصرة. فالأزياء في النهاية ليست دروعاً اجتماعية فحسب، بل هي لغة صامتة أختار بها نوع الأناقة التي تضمن لي الانتماء إلى المجتمع والقبول بي كجزء منه، في ذات الوقت، وتمنحني مساحة وبصمة خاصة بي أتحرك فيها دون أن تخدش الغربة ملامحي أو تغيّر هويتي؛ إنها قناعي الجميل الذي يستر حيرتي، ويجعلني أواجه صخب العالم الخارجي بكبرياء امرأةٍ لا تود أن يرى أحدٌ ندوب روحها البعيدة.
أفتح عينيَّ على اتساع السؤال، أُحدّق في جسد المرأة المغمضة العينين في اللوحة، فيتبدى لي هذا التباين كأنه مرآة مقلوبة؛ حيث أجد نفسي؛
أنا العراقية مثقلة الوعي، عيناي مشرعتان تراقبان الغربة والزمن والفن، تبحث في تفاصيل اللوحة عن موطن أو فكرة ضائعة او حتى همسة استدعي بها روح المرأة العارية. هندامي الأنيق ليست مجرد زينة ولا أداة للفت النظر أو الاحتجاج، بل هو قناع ودرع وواجهة .
بينما المرأة العارية إلا من عقدها في اللوحة، متخففة من كل شيء، بلا ملابس، بلا دروع، لكنها محصنة تماماً بسلامها الداخلي وجفونها المطبقة. هي لا ترى الغربة ولا الضوضاء ، تكتفي بالنظر إلى الداخل حيث لا توجد حروب، ولا منافٍ، ولا شتات.
في هذه اللحظة، يحدث الاتصال السري بين المرأتين. تشعر السومرية المحتمية بثيابها انها الأكثر عرياً وضعفاً أمام صدمات الحياة، بينما تلك العارية المغمضة العينين بفرشاة موديلياني هي الأكثر تحصيناً وقوة وسكينة.
تجليات الأدب؛ ريلكه وبلاث في فلك اللحظة يعكس هذا التباين البصري صدىً تأملياً يُشبه فلسفة راينر ماريا ريلكه، الذي لطالما آمن بالبصيرة الداخلية وقدرة الروح على تخطي قيود الجسد والحواس. في ترجمة مشاعره الباطنية، يتردد صدى كلماته الشهيرة في أحد قصائد (كتاب الساعات) التي تنطبق على تجربة هذه المرأة السومرية وهي تحدق في الصمت الكوني للوحة: «أطفئ عينيَّ، وسأظلُّ قادراً على رؤيتك؛ أغلق أذنيَّ بقوة، وسأظلُّ قادراً على سماعك.» هذا النداء الروحاني يعبر بدقة عن حالة العري الفلسفي في اللوحة؛ فالموديل المغمضة العينين قد «أطفأت عينيها» عن تفاصيل الصالة الباردة، وعن فضول المشاهدين، لتظل في حالة اتصال دائم بروح الكون وبخالقها الخفي. على الجانب الآخر، تطل علينا فلسفة الوجود والعدم عند الشاعرة سيلفيا بلاث، لتعيد صياغة يقظة المرأة السومرية وألمها الواعي. في قصيدتها «أغنية الحب للفتاة المعتوهة»، تقول بلاث:
«أُغلقُ عينيَّ، فيسقطُ العالمُ ميتاً؛ أرفعُ جفنيَّ، فيولدُ كلُّ شيءٍ من جديد.»
تظل عينايَ مفتوحتين حذراً؛ فإغماضُهما قد يعني تسليم عالمي وذكرياتي الأثيرة لطغيان النسيان والموت؛ بينما امرأة موديلياني قد اتخذت قرارها الوجودي بالفعل، أغلقت عينيها لتترك عالم المادة والحروب يسقط ميتاً، وتكتفي ببعث الذات من جديد في خيال صامت نقي.
حين تلتقي العينان في غسق التأمل
إن اللقاء بين لوحة أوميديو موديلياني المعروضة والرموز البصرية التي رسخها الرمزيون الفرنسيون عبر ريادة أوديلون ريدون، يثبتُ لي أن الفن لا يحدّه زمن. وعندما أقفُ هنا كامرأةٍ عراقية تحمل إرثاً ثقيلاً من حضارات الرافدين وتاريخا للفقد المعاصر؛ لأكون الشاهد الحسي على هذا اللقاء، فإنني أحوّل لحظة المعرض العابرة إلى طقسٍ تأملي وجودي. أنظرُ بأناقتي الظاهرة إلى تلك المرأة العارية المغمضة العينين، لأدرك في النهاية أن أناقتي الخارجية قد تستر الجسد، لكن الصمت الداخلي وإغلاق العيون عن تفاصيل العالم المادي هما الثياب الحقيقية التي تحمي روحي من التمزق والضياع في دروب المنافي الطويلة.
كاتبة ومترجمة عراقية