الرباط- “القدس العربي”: حرّكت قضية مغني الراب والمخرج المغربي المهدي اليوبي، المعروف فنيا بلقب “مهدي بلاك ويند”، والموجود حاليا رهن الاعتقال الاحتياطي، المشهد الحقوقي والفني في المغرب. وتوالت البيانات المطالبة بالإفراج عنه، كما أطلقت عريضة وقّعها عدد من الأسماء البارزة، فيما انتشرت وسوم على منصات التواصل الاجتماعي تعبيرا عن التضامن مع الفنان الموقوف، الذي يواجه تهمة “إهانة مؤسسة دستورية”، بينما يرى المتضامنون أن متابعته جاءت على خلفية تعبيره الفني عن آرائه، وليس بسبب أفعال جنائية.
وفي غياب الإعلان عن صك الاتهام الرسمي الموجّه إلى مغني الراب المذكور، ألمحت بعض المواقع الإلكترونية إلى أن الأمر يتعلق بكلمات أغانٍ اعتُبرت “مسيئة للمؤسسة الملكية”. وحدد القانون الجنائي عقوبة السجن والغرامة المالية في حق كل “من أخلّ بواجب التوقير والاحترام لشخص الملك”.
تعود بداية القضية إلى منع “مهدي بلاك ويند” من مغادرة المغرب أثناء استعداده للعودة إلى فرنسا، حيث يقيم ويعمل منذ سنوات مخرجًا وموسيقيًا. وبعد قرار المنع من السفر، استدعته الشرطة القضائية في الدار البيضاء، حيث جرى الاستماع إليه في إطار البحث، قبل أن يحال على النيابة العامة التي قررت إيداعه السجن الاحتياطي ومتابعته بتهمة “إهانة مؤسسة دستورية”.
ومع إحالته على القضاء ومثوله أمام المحكمة الزجرية في الدار البيضاء، تقدمت هيئة الدفاع بطلب لتمتيعه بالسراح المؤقت، مستندة إلى توفر جميع الضمانات القانونية والشخصية، وإلى أن الاعتقال الاحتياطي يظل، بموجب القانون، تدبيرا استثنائيا. غير أن المحكمة رفضت الطلب وقررت الإبقاء عليه رهن الاعتقال، مع تأجيل النظر في الملف لاستكمال إجراءات المحاكمة المقررة في نهاية الشهر الحالي.
وتابع الرأي العام تطورات القضية باهتمام، وتحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى مسرح للتعبير عن التضامن مع “بلاك ويند”. كما دخلت منظمات وهيئات حقوقية مغربية على خط القضية، قبل أن تنضم إليها منظمة العفو الدولية “أمنيستي”، التي دعت، في بيان أصدرته الخميس، السلطات المغربية إلى الإفراج عن الفنان، مؤكدة أن الاعتقال الاحتياطي يجب أن يظل إجراء استثنائيا لا قاعدة عامة.
وقالت المنظمة إن الحرمان من الحرية ينبغي أن يظل تدبيرا استثنائيا، لا عقوبة على الممارسة السلمية للحقوق الأساسية، داعية السلطات المغربية إلى الإفراج عن المهدي اليوبي وإسقاط جميع التهم الموجهة إليه باعتبارها مرتبطة بممارسته حقه في حرية التعبير.
واستهلت منظمة العفو الدولية بيانها بالإشارة إلى أن مغني الراب والمخرج المغربي “بلاك ويند” أُلقي القبض عليه في 13 تموز/ يوليو، وأودع رهن الاعتقال الاحتياطي بسبب ما وصفته بأنه “تعبير نقدي”، ولا يزال محتجزا في انتظار محاكمته المقررة في 31 تموز/ يوليو. وأكدت المنظمة أنه لا ينبغي مطلقا أن يكون الانتقاد السلمي للمؤسسات العامة سببا للملاحقة القضائية أو السجن، معتبرة أن التهمة الموجهة إلى الفنان، والمتمثلة في “الإساءة إلى مؤسسة دستورية” بموجب القانون الجنائي المغربي، لا ينبغي أن تستخدم لمعاقبة التعبير السلمي.
ولم يقتصر التضامن على المنظمات الحقوقية، بل امتد إلى الأوساط السياسية والثقافية والفنية، حيث أُطلقت عريضة وقعها عدد كبير من الشخصيات المغربية والدولية، تصدرها سياسيون، من بينهم عمر بلافريج وفاطمة التامني ونبيلة منيب. على الصعيد الفني، ضمت العريضة أسماء سينمائية بارزة، من بينها فوزي بنسعيدي وسعد الشرايبي وعبد الحي العراقي ويونس ميكري وليلى المراكشي وأمال عيوش.
أما على المستوى الحقوقي، فقد وقعها كل من لطيفة الجبابدي وخديجة الرياضي وعبد الرحيم الجامعي ونوفل بوعمري وسعاد البراهمة وفاطنة البويه إلى جانب أسماء أخرى، كما انضم إليها أكاديميون وباحثون، من بينهم إدريس كسيكس وخالد البكاري وأحمد عصيد.
وحظيت العريضة أيضا بدعم واسع من زملاء المهدي اليوبي في فن الراب، إذ وقعها عدد من أبرز نجوم هذا اللون الموسيقي، من بينهم توفيق حازب (البيغ) وأم الغيث بن الصحراوي (أوم) وعمر سهيلي (ديزي دروس) وطه فحصي (طوطو) وإيهاب إقبال (حليوة) ومهدي محب (لمورفين)، فضلا عن أسماء أخرى عديدة.
ولم يقتصر التضامن على المغرب، إذ تجاوزته العريضة إلى الخارج، ولا سيما فرنسا، حيث يقيم ويعمل المهدي اليوبي، ووقعها فنانون ومثقفون فرنسيون، من بينهم الممثل والمخرج ماتيو أمالريك والممثلة أديل هانيل والممثلة جان باليبار والمفكر والكاتب جوفروي دو لاغاسنيري، إلى جانب عدد من الموسيقيين والعاملين في قطاع السينما والفنون المستقلة.
وبحسب نص العريضة، فقد عبر الموقعون عن بالغ قلقهم واستنكارهم الشديد لقرار توقيف واحتجاز الفنان المغربي المهدي اليوبي الذي يوجد حاليا بسجن “عكاشة” في الدار البيضاء. وبعد أن ذكرت العريضة بقرار منعه من السفر، ثم استدعائه من قبل الشرطة وإيداعه رهن الاعتقال الاحتياطي على خلفية “منشورات وآراء وتعبيرات فنية”، أكدت أن المهدي اليوبي، المولود في مدينة سلا (المجاورة للعاصمة الرباط) سنة 1992، ليس مجرد مغني راب اشتهر بأعمال موسيقية تتناول العدالة الاجتماعية والتفاوتات وحرية التعبير، وقدمها أمام عشرات الآلاف من الجماهير، بل هو أيضا مخرج سينمائي يعمل على إنجاز فيلم وثائقي طويل يحظى بدعم مؤسسات ثقافية دولية، من بينها الصندوق العربي للثقافة والفنون (آفاق).
وشدد الموقعون على أن الفنان يتوفر على جميع الضمانات القانونية والمهنية التي تبرر متابعته في حالة سراح، إذ يقيم بصورة قانونية في مدينة مارسيليا، وله مسار فني ومهني معروف، ولا يشكل أي خطر على سير العدالة أو على إجراءات التحقيق والمحاكمة. وتلخصت مطالب الموقعين على العريضة في الإفراج الفوري وغير المشروط عن الفنان المهدي اليوبي، وإسقاط جميع الملاحقات القضائية المرتبطة بممارسته حقه في حرية التعبير والإبداع الفني.
كما عبروا عن رفضهم اللجوء إلى الاعتقال الاحتياطي كوسيلة لتقييد حرية المبدعين والفنانين، مؤكدين أن جميع الضمانات القانونية والمهنية والشخصية متوفرة بما يسمح بمتابعته في حالة سراح، دون أن يشكل ذلك أي مساس بسير العدالة أو إجراءات المحاكمة.
وذكّر الموقعون بأن حرية التعبير والإبداع الفني يشكلان ركيزتين أساسيتين لأي مجتمع ديمقراطي منفتح، معتبرين أن محاكمة الكلمات والنصوص الغنائية تمثل مساسا خطيرا بالتعددية الثقافية، وتتعارض مع الالتزامات الدستورية والدولية للمغرب في مجال حماية حرية الرأي والتعبير. وأضافوا أن مكان الفنانين والمبدعين هو فضاءات الإبداع، واستوديوهات التسجيل، وقاعات العرض والإنتاج، لا السجون وأماكن الاحتجاز، مختتمين عريضتهم بشعار: “الحرية للمهدي اليوبي، ولجميع معتقلي الرأي والتعبير الفني”.
وبالتوازي مع جلسات المحاكمة وإطلاق العريضة، اتسعت دائرة التضامن مع المهدي اليوبي من خلال تنظيم وقفات احتجاجية تزامنت مع مثوله أمام القضاء، فضلاً عن حملات واسعة على منصات التواصل الاجتماعي، خاصة في أوساط جمهور الراب والهيب هوب والأندرغراوند، وعموم فئة الشباب في المغرب.
وتصدرت الوسوم الداعمة للفنان قوائم التداول على مختلف منصات التواصل، فيما تداول النشطاء والمتابعون مقاطع من أعماله وأغانيه، مؤكدين أنها تعكس نبض الشارع، وتعبّر عن قضايا الشباب بلغة مباشرة ونقد اجتماعي لاذع، وأن محاكمته بسبب هذا النوع من التعبير تثير مخاوف بشأن مستقبل حرية الإبداع الفني في المغرب.