حماس والانتخابات الفلسطينية للعام 2026


ملخص تنفيذي: في أعقاب حرب 7 أكتوبر وتوثيق الفظائع التي ارتكبتها حماس ضد المدنيين الإسرائيليين، تآكلت الشرعية السياسية المحدودة التي احتفظت بها الحركة داخل النظام السياسي الفلسطيني بشكل كبير. وتُجرى الانتخابات الفلسطينية المقررة في عام 2026 في إطار إصلاح مؤسسي يهدف إلى مواءمة السلطة الفلسطينية مع المتطلبات الدولية، سعيًا منها للحصول على اعتراف دولي بدولة فلسطينية مستقبلية. ومن أبرز سمات هذا الإصلاح، الاستبعاد المتعمد لحماس وحركة الجهاد الإسلامي من العملية الديمقراطية نظرًا لتصنيفهما كمنظمتين إرهابيتين. وبالتالي، تُمثل الانتخابات الفلسطينية المقبلة آلية لخلق مصدر جديد للشرعية للنظام السياسي الفلسطيني، لا يعتمد على فوز حماس في انتخابات 2006، بل على إطار مؤسسي يُستبعد منه هذا التيار. على الرغم من الدعم الشعبي الذي لا تزال حماس تحظى به لهجومها في 7 أكتوبر، فإن غيابها عن الانتخابات المقبلة يشير إلى أنها فقدت، عمليًا، مكانتها كفاعل سياسي شرعي في الساحة الفلسطينية بعد الحرب، واقتصر دورها في المقام الأول على كونها تنظيمًا عسكريًا مسلحًا يعمل خارج النظام السياسي المؤسسي.

لقد انتهت حرب 7 أكتوبر فعليًا باتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في العاشر من أكتوبر 2025، استنادًا إلى خطة ترامب ذات النقاط العشرين. ركزت المراحل الأولى من الخطة على ضمان عودة الرهائن وانسحاب إسرائيل إلى الخط الأصفر. ومنذ إتمام المرحلة الأولى، برز واقع مزدوج على الأرض. فمن جهة، ساد وضع مستقر نسبيًا في مناطق السيطرة بين إسرائيل وحماس. من جهة أخرى، اتسمت الجهود المبذولة لتنفيذ ما تبقى من خطة النقاط العشرين، التي تم ترسيخها لاحقًا في قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2803، بجمود دبلوماسي عميق.

ورغم هذا الإطار الدولي الواضح، لا يزال مستقبل قطاع غزة معلقًا؛ فحماس ترفض نزع سلاحها أو نقل السلطة إلى جهات مدنية، بينما ترفض إسرائيل الانسحاب إلى خط أمني إضافي كما هو منصوص عليه في الخطة. ومن وجهة نظر حماس، يمثل الوضع الراهن حالة لا يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية. كما شككت حماس في شرعية مجلس السلام، واصفة إياه بأنه “أكثر ميلًا إلى الاحتلال (إسرائيل) من جانب المحتل”.

بالنسبة لحماس، انتهت الحرب في المقام الأول بما تعتبره انتصارًا في الوعي. هذا الاستنتاج يتضح من كتيبين نشرتهما الحركة، الأول في كانون الأول 2024 والثاني في كانون الثاني 2025، حيث تزعم فيهما تحقيق إنجازات تتركز في الغالب على الصعيدين الفكري والسياسي. تسلط حماس الضوء على عزلة إسرائيل الدولية المتزايدة، وتشديد العقوبات المفروضة عليها، وتدهور الرأي العام الأمريكي والمواقف الطلابية تجاهها، وتوسع الإجراءات القانونية الدولية ضدها، ولا سيما إصدار مذكرات توقيف بحق مسؤولين إسرائيليين كبار. وتقر حماس فعليًا بهزيمة عسكرية تكتيكية، لكنها تصر على أنها لم تُهزم استراتيجيًا. في مقال لرامي أبو زبيدة نُشر على موقع مركز المعلومات الفلسطيني التابع لحماس، تُصوَّر حماس و”محور المقاومة” برمته على أنهما منظمتان مرنتان قادرتان على التكيف مع الظروف المتغيرة بسهولة نسبية، بينما تُوصف إسرائيل بأنها تمتلك قوة عسكرية كبيرة لكنها تفتقر إلى القدرة على تحقيق نصر استراتيجي دائم، ولا تملك سوى نجاحات تكتيكية مؤقتة. بمعنى آخر، تزعم حماس أنها لم تُردع، حتى وإن خضعت لسيطرة عسكرية؛ فهي تعتقد أنها ستتعافى مع مرور الوقت وتتمكن من استهداف المدنيين الإسرائيليين مجدداً.

 لقد أتاح ضعف حماس العسكري الحالي فرصة سياسية سانحة لمحمود عباس؛ ففي إطار عملية الإصلاح التي تنتهجها السلطة الفلسطينية، ورهناً بشروط خطة النقاط العشرين، حدد عباس عام 2026 عاماً لإجراء انتخابات المؤسسات الوطنية الفلسطينية: المجلس الوطني الفلسطيني، الذي يمثل برلمان منظمة التحرير الفلسطينية، وفي الواقع، الحركة الوطنية الفلسطينية الأوسع؛ والمجلس التشريعي الفلسطيني، الذي جرت آخر انتخابات له في كانون الثاني 2006، حين فازت حماس بالأغلبية البرلمانية. وستُجرى الانتخابات في تشرين الثاني 2026، أولاً للمجلس الوطني الفلسطيني ثم للمجلس التشريعي.

يدرك عباس تماماً أن السماح لحماس والجهاد الإسلامي في فلسطين بالمشاركة في الانتخابات عقب 7 أكتوبر سيؤدي إلى تداعيات دولية خطيرة، تشمل خفض المساعدات المالية، وضغوطاً من الدول المانحة، وإجراءات مضادة إسرائيلية وأمريكية. وباعتبارها منظمة إرهابية مصنفة في معظم دول العالم، فقدت حماس فعلياً الشرعية السياسية اللازمة للمشاركة في الانتخابات الفلسطينية بعد 7 أكتوبر.

 تُشكّل الانتخابات ركيزة أساسية في برنامج الإصلاح الذي تتبنّاه السلطة الفلسطينية، والمصمم لتلبية متطلبات خطة النقاط العشرين. وفي هذا الإطار، يُعتبر إجراء انتخابات عامة للمجلس الوطني الفلسطيني، والمجلس التشريعي الفلسطيني، ورئاسة السلطة الفلسطينية شرطًا أساسيًا للاعتراف الدولي بدولة فلسطينية مستقبلية.

وبناءً على ذلك، إذا ما أُجريت الانتخابات في تشرين الثاني، فمن المرجّح أن تُمثّل هزيمة سياسية ذات أهمية استراتيجية لحماس، لعدم مشاركتها فيها. فبعد عشرين عامًا، يُتوقّع أن يعود الفلسطينيون إلى صناديق الاقتراع لانتخاب ممثليهم. ظاهريًا، لا شيء يبدو أكثر ديمقراطية: توسيع المجلس التشريعي الفلسطيني إلى 200 عضو، يُمثّلون طيفًا أوسع من الآراء السياسية؛ انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني في 1 تشرين الثاني 2026؛ انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني في 28 تشرين الثاني؛ وفي مطلع عام 2027، انتخابات رئاسة السلطة الفلسطينية.

 لكن حماس والمنظمات المتحالفة معها تعمل جاهدة لتقويض شرعية الانتخابات المقبلة. في مقال رأي نُشر على موقع مركز المعلومات الفلسطيني التابع لحماس، يجادل الكاتب محمد شاهين بأن رفض شرعية الانتخابات “ليس رفضًا للديمقراطية، بل دفاع عن معناها الحقيقي”. ووفقًا له، فإن إجراء الانتخابات الفلسطينية دون مشاركة حزب إسلامي يمثل حماس والجهاد الإسلامي يتعارض مع إرادة الشعب الفلسطيني، ولن يؤدي إلا إلى تقوية حركة فتح.

وانطلاقًا من خبرتها في الحملات الانتخابية السابقة، تُدرك حماس تمامًا أنه لا يقين بشأن موعد إجراء جولة انتخابية أخرى. لذا فإن استبعادها من انتخابات 2026 ليس حدثًا معزولًا، بل قد تكون عواقبه طويلة الأمد. وتشن مقالات أخرى نُشرت على موقع حماس هجومًا مباشرًا على محمود عباس وقيادة السلطة الفلسطينية، مصورةً النظام على أنه فاسد وعاجز عن تمثيل إرادة الشعب تمثيلًا حقيقيًا. وتوصف الانتخابات المعلنة بأنها لا تحظى بثقة الشعب ولا بتوافق وطني واسع. ويتم الترويج لهذه الرواية باستمرار عبر وسائل الإعلام التابعة لحماس.

 في الوقت الراهن، يبدو عباس مصمماً على المضي قدماً في الانتخابات كما هو مقرر، مع اشتراطه أن تقتصر المشاركة على الأحزاب السياسية المعتمدة من قبل اللجنة المركزية للانتخابات في رام الله. ومن المتوقع أيضاً إجراء انتخابات في قطاع غزة، وإن كان من غير الواضح ما هو الإطار أو الترتيبات العملية التي ستُجرى بموجبها.

وهذا يعني أنه في حين لا تزال حماس تحظى بتأييد شعبي كبير نتيجةً لهجوم 7 أكتوبر الإرهابي، فإنها تفتقر إلى قناة سياسية رسمية لتحويل هذا التأييد إلى قوة انتخابية في الانتخابات المقبلة، باستثناء خيار مقاطعة التصويت. وتشير التجارب السابقة، ولا سيما انتخابات عام 1996، إلى أنه حتى لو قاطعت حماس والجهاد الإسلامي في فلسطين الانتخابات، فإن المقاطعة لن تُقوّض بالضرورة شرعية العملية الانتخابية في نظر معظم الجهات الفاعلة الدولية.

 لذا، يمكن القول إن حماس قد مُنيت، في الواقع، بهزيمة على الصعيد السياسي الفلسطيني الداخلي أيضاً. فرغم استمرارها في ادعاء تحقيق نصر فكري، وتبنيها خطاب المقاومة الثابتة ضد إسرائيل، فإنها لم تعد تمتلك القدرة الحقيقية على التأثير في النظام السياسي الفلسطيني من خلال المشاركة الانتخابية والتمثيل المؤسسي الشرعي، كما كان الحال في الانتخابات السابقة للرئاسة الفلسطينية والمجلس التشريعي الفلسطيني. وتُشكل الفجوة بين نصر حماس الفكري المعلن وهزيمتها السياسية الملموسة إحدى السمات المميزة لواقع ما بعد أحداث 7 أكتوبر.

د. شاؤول برتال

 مركز بيغن – السادات للدراسات الاستراتيجية BESA 6/8/2026



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *