حلفاء طهران يضغطون على السعودية… وترامب يرفض المساعدة متعللا بضغوط الحرب على إيران


لندن- “القدس العربي”: نشرت صحيفة “فايننشال تايمز” تقريرا أعده محرر شؤون الشرق الأوسط أندرو إنغلاند، قال فيه إن حلفاء إيران باتوا يضغطون على السعودية من كل مكان.

فمع تقدم الحوثيين المدعومين من إيران في ساحل البحر الأحمر اليمني الأسبوع الماضي، اتصل ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، طالبا دعم الولايات المتحدة لوقف تقدم المسلحين.

وكان الحوثيون يقتربون من باب المندب، الممر الحيوي لصادرات النفط الخام السعودي، منذ أن فرضت إيران قيودا على الملاحة عبر مضيق هرمز. كما أطلقوا وابلا من الصواريخ والطائرات المسيرة على منشآت النفط في المحافظات الجنوبية للسعودية، فيما أجبر هجوم شنه مسلحون شيعة من الشمال في العراق على إغلاق خط أنابيب نفط حيوي.

عندما تحدث ترامب علنا عن تهديد الحوثيين، بدا غير مكترث. وزعم أن الحوثيين، الذين صنفهم جماعة إرهابية في فترتي رئاسته، اتصلوا بواشنطن قائلين: “إنهم لا يريدون القتال معنا”

لكن عندما تحدث ترامب علنا عن تهديد الحوثيين، بدا غير مكترث. وزعم أن الحوثيين، الذين صنفهم جماعة إرهابية في فترتي رئاسته، اتصلوا بواشنطن قائلين: “إنهم لا يريدون القتال معنا”.

وتحدث للصحافيين يوم السبت خلال زيارة إلى أيرلندا قائلا: “إنهم لا يريدوننا أن نلاحقهم”، و”هم يسمحون بمرور معظم السفن، هناك دولة واحدة فقط لا يرضون عنها، وسنعمل على حل هذا الأمر”.

ويعلق إنغلاند قائلا إن الرياض اعتادت على تقلبات الرئيس، إلا أن رد ترامب، الذي يبدو غير مبال بالأزمة المتفاقمة في السعودية، رغم أنه يعزز جهود إيران للحفاظ على ارتفاع أسعار الطاقة، لن يؤدي إلا إلى تعميق الإحباط من الحرب الأمريكية ضد إيران.

وأضافت الصحيفة أن السعودية تواجه اليوم فوضى إقليمية مماثلة لتلك التي حذر منها الأمير محمد بن سلمان الرئيس ترامب، إذ تجد نفسها عالقة بين تمرد الحوثيين المتنامي وخطر الهجمات المسلحة من العراق، حيث تنشط الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران والحرس الثوري الإيراني. وقد شكل هذا الوضع، بلا شك، أكبر اختبار للأمير محمد منذ مقتل الصحافي جمال خاشقجي عام 2018 في إسطنبول.

ويهدد هذا الوضع قدرة المملكة على تصدير النفط الخام، ومساعي ولي العهد الطموحة، الممولة من عائدات النفط، لتحويل بلاده إلى مركز استثماري عالمي.

وعلق نيل كويليام، الباحث المشارك في تشاتام هاوس، قائلا إن المملكة “تواجه تحديات أكثر بكثير” مما كانت عليه في عام 2018.

وأضاف: “ليس أمام محمد بن سلمان خيارات جيدة كثيرة، إنه اختبار على جميع الأصعدة، إنه اختبار لقيادته في المملكة وهو تحد أمني واقتصادي”. ورغم متانة العلاقة مع واشنطن، “من الواضح أن الولايات المتحدة لن تتدخل لدعمها”.

وقد انخفض إنتاج النفط السعودي إلى 6.2 مليون برميل يوميا في آب/أغسطس، وهو أدنى مستوى له منذ 36 عاما، وفقا لبيانات مقدمة إلى منظمة أوبك، وذلك بسبب صعوبة مرور ناقلات النفط عبر مضيق هرمز وباب المندب. وتصدر السعودية، التي لطالما كانت أكبر مصدر للنفط الخام في العالم، حاليا أقل من نصف ما تصدره الولايات المتحدة.

واعتمدت السعودية على خط الشرق-الغرب، الذي تبلغ طاقته القصوى 7 ملايين برميل يوميا، وأصبح حيويا لصادراتها بعد أن بدأت إيران مهاجمة الملاحة في مضيق هرمز.

ومع توقفه، يتوقع محللون في شركة “إنيرجي أسبيكتس” الاستشارية أن تبدأ مصفاتا ينبع وبترو رابغ النفطيتان على الساحل الغربي للسعودية بخفض الإنتاج قريبا. وأشاروا إلى أن مخزون النفط في محطة ينبع “لن يكفي إلا لبضعة أيام من تحميل النفط الخام”. وفي محاولة للتعويض، قد تسعى شركة النفط الحكومية السعودية أرامكو إلى زيادة صادراتها عبر مضيق هرمز، بدعم من مرافقة عسكرية أمريكية. إلا أن ذلك ينطوي على مخاطر، في ظل استمرار إيران في مهاجمة ناقلات النفط.

أمضى الأمير محمد، الذي قاد التدخل السعودي في الحرب الأهلية اليمنية عام 2015 لتشكيل تحالف ضد الحوثيين، السنوات الأربع الماضية سعيا إلى إخراج المملكة من الصراع المكلف للغاية في اليمن. وصمدت هدنة عام 2022 إلى حد كبير حتى تموز/يوليو، حين أعلن الحوثيون فرض حصار على الموانئ السعودية، مطالبين بدفع رواتب العمال في المناطق الخاضعة لسيطرتهم ومنحهم حق الوصول إلى عائدات النفط اليمني ودفع تعويضات عن خسائر الحرب.

ووضعت هذه المطالب الرياض، التي اعتبرت مطالب الحوثيين بمثابة ابتزاز، أمام خيارين: إما التصعيد والمخاطرة بمزيد من هجمات الحوثيين على منشآتها النفطية، أو السعي إلى هدنة جديدة.

وقال فراس مقصد، المدير الإداري لمنطقة الشرق الأوسط في مجموعة أوراسيا: “تواجه الرياض معضلة سياسية” ولا يمكن للسعودية الخضوع لمطالب الحوثيين المتزايدة تحت الضغط العسكري، لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع تحمل تصعيد يؤدي إلى حرب على جبهتين قد تكلفها نصف إنتاج أرامكو.

وتقوم السعودية منذ أشهر بتسليح وتدريب فصائل موالية للحكومة اليمنية المعترف بها دوليا، استعدادا لتصعيد الحوثيين، كما تسعى إلى تعزيز تحالفاتها لمواجهة هذا التهديد. وفي الشهر الماضي، أعلنت انضمام أكثر من اثنتي عشرة دولة إلى تحالف بحري لحماية الملاحة عبر البحر الأحمر ومضيق باب المندب. كما وقع الأمير محمد بن سلمان اتفاقية في آب/أغسطس الماضي، انضمت بموجبها تركيا، العضو في حلف الناتو، إلى معاهدة دفاع مشترك أبرمتها السعودية وباكستان قبل عام، كما أن ولي العهد أبرم اتفاقية دفاعية مع الولايات المتحدة خلال زيارته للبيت الأبيض في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي.

وقع الأمير محمد بن سلمان اتفاقية في آب/أغسطس الماضي، انضمت بموجبها تركيا، العضو في حلف الناتو، إلى معاهدة دفاع مشترك أبرمتها السعودية وباكستان قبل عام

ولم تثن أي من هذه الاتفاقيات الحوثيين، ويقول المحللون إنه من غير المرجح أن ترسل تركيا أو باكستان قوات برية إلى اليمن.

وأشارت الصحيفة إلى أن الولايات المتحدة تدعم القوات السعودية في تحديد الأهداف وجمع المعلومات الاستخباراتية، في الوقت الذي تشن فيه المملكة غارات جوية على مواقع الحوثيين في اليمن.

ويبدو أن تجربة ترامب مع الحوثيين تمنعه في الوقت الحالي من دخول مواجهة معهم. فبعد أن بدأ الحوثيون بتعطيل الملاحة في البحر الأحمر عقب هجوم حماس في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، أمر ترامب بشن حملة قصف مكثفة ضدهم، وحذرهم من أن “الجحيم سينزل عليهم” ما لم يتوقفوا عن مهاجمة السفن. وبعد نحو سبعة أسابيع، واصل خلالها الحوثيون مهاجمة السفن التجارية واستهداف السفن الحربية الأمريكية، أعلن الرئيس وقف إطلاق النار، بل وأبدى إعجابه بصمودهم، مشيدا بـ”شجاعتهم” وقدرتهم على “تحمل الكثير من الضربات”.

ومع انخراط الولايات المتحدة حاليا في الحرب المستمرة منذ أشهر مع إيران، ما يلقي عبئا كبيرا على قواتها، يرى المحللون أن احتمالية تدخل واشنطن المباشر باتت أقل.

وقال دبلوماسي إن الرياض طلبت غطاء جويا أمريكيا، لكن واشنطن ردت بأنها غير مستعدة للتدخل في الوقت الراهن لأنها تركز على الحرب مع إيران. وقال مقصد: “إن تردد ترامب في التدخل المباشر في الحرب اليمنية ليس مفاجئا لولي العهد السعودي”. وأضاف أن الرياض كانت أيضا حذرة من الانجرار إلى صراع أعمق في اليمن، قائلا إن “الحفاظ على قدرتها على إنتاج وتصدير نفطها أهم بكثير من تحقيق نصر سريع على الحوثيين”. وقال مسؤول كبير في إدارة ترامب الأسبوع الماضي إن واشنطن “تجري حوارا مستمرا مع السعودية بشأن الاستقرار الإقليمي”.

ويرى برنارد هيكل، أستاذ دراسات الشرق الأدنى في جامعة برينستون، وهو على تواصل مع الأمير محمد، أن الوضع الحالي يمثل: “أزمة كبيرة للغاية، مع تهديد حقيقي من الجنوب والشمال والشرق”، في إشارة إلى إيران التي أطلقت صواريخ وطائرات مسيرة على المملكة خلال حربها مع الولايات المتحدة. وأضاف هيكل أنه يعتقد أن الأمير محمد يرغب في التفاوض مع طهران، لكنه أضاف: “مع الحوثيين، هو أكثر عدوانية ويريد تقليص نفوذهم، والمشكلة تكمن في أن القوات التي دعمها ضد الحوثيين أثبتت عدم جدواها”.

وفي مقاربة كتبها جدعون رتشمان في نفس الصحيفة، قال إن ترامب ومحمد بن سلمان يواجهان معضلة، فالأول يقف أمام انتخابات نصفية، أما الثاني فيواجه مشكلة في تصدير النفط والحفاظ على مشاريع البنى التحتية البديلة عن الطاقة الكربونية. وقال إنّه يمكن النظر إلى الحرب الأمريكية الإيرانية على أنها صراع ثلاثي الأبعاد. البعد الأول هو ساحة المعركة، والثاني هو الصراع الاقتصادي، والثالث هو صراع الروايات.

هذه الأبعاد الثلاثة مترابطة، وهي الآن توجه ضد الولايات المتحدة. فعندما شنت الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب في 28 شباط/فبراير، اعتقدتا أن تفوقهما العسكري ساحق لدرجة أنهما ستنتصران بسهولة. لكن قدرة إيران على الصمود أمام الهجوم الأول، ثم إغلاق مضيق هرمز ومهاجمة دول الخليج، بددت وهم الحرب الخاطفة.

وأدى إغلاق المضيق وفرض الولايات المتحدة حصارا مضادا على إيران إلى تصعيد البعد الثاني للحرب، وهو الصراع الاقتصادي، فمن خلال منع صادرات النفط ومهاجمة دول الخليج، يرغب الإيرانيون في إلحاق ضرر اقتصادي كاف لإنهاء الحرب بشروطهم.

بعد أن استنتجت الولايات المتحدة، وإن على مضض، صعوبة إعادة فتح مضيق هرمز عسكريا بشكل كامل، لجأت إلى حرب اقتصادية، بهدف دفع الاقتصاد الإيراني للانهيار وخنق صادرات النفط الإيرانية

بعد أن استنتجت الولايات المتحدة، وإن على مضض، صعوبة إعادة فتح مضيق هرمز عسكريا بشكل كامل، لجأت إلى حرب اقتصادية، بهدف دفع الاقتصاد الإيراني للانهيار وخنق صادرات النفط الإيرانية. وقبل تدخل الحوثيين، كان البيت الأبيض يبدو واثقا بشكل متزايد من قدرته على كسب المعركة الاقتصادية.

لكن التطورات الأخيرة وتقدم الحوثيين غيرت البعدين العسكري والاقتصادي للحرب وقادت إلى البعد الثالث، ألا وهو معركة الروايات. فمن المهم لكل من الولايات المتحدة وإيران إقناع شعبيهما والعالم أجمع بأنهما يمتلكان زمام المبادرة، فالطرف الخاسر في معركة الروايات يخاطر بفقدان زمام المبادرة السياسية والدبلوماسية.

وستحاول الولايات المتحدة، على حد قول رتشمان، استعادة زمام المبادرة. لكن من اللافت للنظر أن دونالد ترامب رفض على ما يبدو طلبات ولي العهد محمد بن سلمان بشن ضربات عسكرية فورية على الحوثيين. ويشير هذا إلى أن الولايات المتحدة تدرك بشكل متزايد حدود ما يمكنها تحقيقه بالقوة العسكرية.

ويعد الحوثيون خصوما عنيدين للغاية، إذ يخوضون معارك متقطعة منذ أكثر من عشرين عاما. وبمساعدة إيران، نجوا من هجمات العديد من الدول الغنية ذات الجيوش المتطورة، بما في ذلك السعودية والإمارات والولايات المتحدة وإسرائيل.

وينظر إلى الحوثيين، كما هو الحال مع طالبان في أفغانستان، على أنهم متعصبون غير متطورين. لكن المقارنات السطحية للمعدات العسكرية لا تظهر الصورة كاملة. فمثل طالبان، يمتلك الحوثيون دوافع قوية ومعرفة دقيقة بالمنطقة، مما يجعل إخضاعهم أمرا مستحيلا.

وفي ولايته الأولى، خلص ترامب إلى استحالة هزيمة طالبان، وتفاوض على اتفاق السلام الذي أدى في نهاية المطاف إلى انسحاب أمريكا المخزي من كابول عام 2021.

والآن، قد يضطر الرئيس الأمريكي إلى اتخاذ قرار بشأن ما إذا كان يريد مواجهة الحوثيين، وكذلك إيران، أو ما إذا كانت الولايات المتحدة، مرة أخرى، بحاجة إلى التقليل من خسائرها.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *