الرباط ـ «القدس العربي»: رسمت منظمة «مراسلون بلا حدود» صورة قاتمة عن وضعية الإعلام في المغرب خلال العام 2026، وصنّفته في المرتبة الـ 105 عالميا ضمن 180 دولة التي يشملها التصنيف العالمي، انطلاقًا من أوضاع الصحافيين والظروف السياسية والقانونية والاقتصادية المرتبطة بمزاولة المهنة.
وفي هذا الصدد، لاحظ التقرير السنوي الذي اطلعت عليه «القدس العربي» أن التحالف بين المال والسلطة في المغرب يقوّض قدرة الصحافة على تناول قضايا الفساد المرتبطة بإدارة الشأن العام، مما يجعل أي محاولة لإدانة الفساد مجازفة قد تجرّ على أصحابها تبعات مالية وقانونية جسيمة.
وذكر أن الصحافيين المستقلين يتعرضون لضغوط مستمرة، فيما تحاول السلطة إخضاع وسائل الإعلام لأوامرها، علمًا أن الحكومة الحالية، بقيادة رجل الأعمال النافذ عزيز أخنوش، عززت سيطرتها على هذا القطاع.
وترى منظمة «مراسلون بلا حدود» أن تعددية الصحافة في المغرب تبقى مجرد واجهة صورية، حيث لا تعكس وسائل الإعلام تنوع الآراء السياسية في البلاد، إذ يواجه الصحافيون المستقلون والمنابر الإعلامية الناقدة ضغوطًا كبيرة، كما يُنتهك الحق في الحصول على المعلومات أمام آلة الدعاية التي ترمي بكل ثقلها، بينما أصبح التضليل الإعلامي أداة لخدمة الأجندة السياسية لدوائر السلطة.
الجزائر: خطوط حمراء تعترض الصحافيين
وتابعت أنه «أمام هذه الضغوط، تحاول المنابر المستقلة القليلة التي لا تزال نشطة، مثل مواقع (لكم) و(بديل) و(أنفاس)، مواصلة حمل مشعل نموذج صحفي يراعي الجودة. كما لجأ صحافيون معروفون باستقلاليتهم التحريرية إلى منصات التواصل الاجتماعي لنشر محتوياتهم، في حين أصبحت منصات التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية المصدر الرئيسي للباحثين عن الأخبار في البلاد».
وسجّل التقرير السنوي أنه منذ فوز حزب «التجمع الوطني للأحرار» بالانتخابات التشريعية التي أُجريت عام 2021، لا يدَّخر رئيس الحكومة عزيز أخنوش ووزير العدل عبد اللطيف وهبي أي جهد في الضغط على الصحافيين الناقدين ورفع دعاوى قضائية ضدهم، حيث يستغل الرجل الأول في الحكومة نفوذه المالي للتأثير على الخط التحريري لوسائل الإعلام الأكثر تأثيراً في المغرب، بينما تطال القيود المالية المنابر المعارِضة لسياسات حكومته.
ويواجه الصحافيون منذ سنوات الكثير من العراقيل في القيام بعملهم، وسط الخطوط الحمراء العديدة التي تلقي بظلالها على مواضيع حساسة من قبيل قضية الصحراء والنظام الملكي والإسلام، ناهيك عن التطرق للأجهزة الأمنية وقمع المظاهرات.
ولاحظت المنظمة أنه «إذا كان الدستور المغربي يكفل حرية التعبير، فإن الصحافيين يشتغلون في إطار قانوني هش، إذ لم يؤدِّ إلغاء العقوبات السالبة للحرية في قضايا الصحافة عام 2016 إلى وضع حد للملاحقات الجنائية ضد الأصوات الناقدة. وأمام تزايد المساطر القضائية وضعف استقلالية القضاء، تفرض الرقابة الذاتية نفسها بقوة على أهل القطاع، الذي ازداد هشاشة منذ استبدال المجلس الوطني للصحافة بلجنة مؤقتة في عام 2023. غير أن سحب مشروع القانون المتعلق بلجنة تدبير قطاع الصحافة والنشر في عام 2026، والذي كان من شأنه أن يكرس رقابة الدولة على المهنة، يمثل تطورًا يفتح الطريق أمام مقاربة أكثر تشاركية».
ومن جهة أخرى، لاحظ التقرير أن الصحافيين المغاربة يعملون في بيئة اقتصادية بعيدة كل البعد عن كونها ملائمة لممارسة المهنة، حيث تعجز وسائل الإعلام المستقلة عن جذب المعلنين. فالمنابر المستقلة، السائرة في طريق الانقراض، تعاني الأمرين من أجل تحقيق الاستقرار المالي الذي من شأنه أن يضمن لها الاستمرارية. وفي المقابل، تنعم المؤسسات الصحافية الموالية للنظام باستقرار أكبر بفضل سهولة حصولها على الموارد المالية. ومما ورد في التقرير أيضًا: «يستهلك المجتمع الصحافة المستقلة، لكن دون إبداء استعداده للدفاع عنها. وتتفشى نماذج التضليل الإعلامي السائدة من خلال تفشي ما يُعرف بصحافة (البوز) والإثارة، التي لا تحترم الخصوصية وتحط من صورة المرأة، بشكل عام».
وختم التقرير بالتذكير بالعفو الملكي الذي بموجبه جرى الإفراج عن الصحافيين توفيق بوعشرين وعمر الراضي وسليمان الريسوني أواسط العام 2024، مُعتبرًا ذلك «خطوة حملت في طياتها بصيصًا من الأمل»، لكنه ذكر أن الصحافيين في المغرب ما زالوا يواجهون تهديدًا دائمًا بالملاحقات القضائية، كما تطالهم حملات التشهير. ذلك أن تغطية مظاهرات جيل «زد» في 2025 لم تخلُ من المخاطر، حيث وقع عدد من المراسلين ضحيةً لعراقيل ميدانية قوضت قدرتهم على العمل بحرّية، وفق تقرير منظمة «مراسلون بلا حدود».
والجدير بالذكر أن مجلس النواب المغربي صادق أخيرا على الصيغة المعدلة من قانون «المجلس الوطني للصحافة»، بعدما رفضت «المحكمة الدستورية» الصيغة الأولى. بينما تواصل نقابات الصحافيين وفدرالية الناشرين رفضها للصيغة الجديدة التي طرحتها الحكومة وتبنّتها الأغلبية البرلمانية، بحجة أنها تكرّس تحكّم الجهاز التنفيذي في المجلس المذكور، وتفرض عليه التعيين في تشكيل مكتبه المسير عوض الانتخاب الحر باعتباره هيئة مستقلة وديمقراطية للتسيير الذاتي لمهنة الصحافة.