حكاية يحيى… وزير بمقاسات فنان


قبل عشرين عاما ويزيد بقليل، قضيت الصيف كعامل يومي، بين الإسمنت والرمل والحصى والخشب، في مساعدة البنائين. أنام في ساعة متأخرة وأستيقظ في ساعة مبكرة. حصل ذلك جنب مدينة بومرداس، وهي مدينة من شمال البلاد تعرضت إلى زلزال عنيف أودى بحياة ما لا يقل عن ألفي ضحية، بالإضافة إلى خسائر في المساكن وفي البنية التحتية. ووجدت نفسي مع عشرات الشبان الآخرين في مخيم، منشغلين بإعادة تشييد إقامة للطلاب. كان مخيما تطوعيا فقد تعرضت المنطقة إلى أضرار جسيمة، وكانت في حاجة إلى سواعد كي تعود إلى هيئتها الأولى، من أجل استقبال الوافدين إليها.
كانت سنوات الحلم والأمل في الأثناء، عقب نهاية العشرية السوداء، وبعدما خفت أخبار الموت والدم، وصار بوسع الإنسان أن يسافر إلى مسافات طويلة من دون أن يخشى على نفسه من نواطير الأرواح، الذين كانوا يترصدون المسافرين بين الطرقات. كنت واحدا من الذين شاركوا في البناء، على الرغم من حداثة سني. في البدء أخبرونا أننا سنذهب إلى مخيم صيفي للشباب، ولا شيء يفرح مراهقا من تخوم الصحراء سوى أن يذهب إلى مكان يتمتع بواجهة على البحر، ففكرت في الشمس والرمل والسباحة، أي أنني ذاهب إلى استجمام، لكن العمل بدأ من اليوم الأول، وعندما وجدت نفسي مع أشخاص آخرين، من شرق البلاد وغربها، من ذكور وإناث، زادت الحماسة لأن الشعور الذي ساورنا حينها أننا نبني شيئا صغيرا ستكون له فائدة على للآخرين. كان العمل يبدأ في السادسة صباحا ويستمر إلى الرابعة بعد الزوال، تتخلله استراحة من أجل الغداء.

ولأول مرة وجدت نفسي أصغي إلى لهجات البلاد كلها، إلى العربية التي تحتك بأمازيغية، لم يكن هناك فرق بين امرأة أو رجل، بل الجميع منهمك في التعاون والعمل. كانت في ذلك الحيز الصغير تشع الجزائر بكامل ألوانها، منفتحة على نفسها وعلى الآخرين، في تعددها وشساعتها، وعقب نهاية الدوام يتاح لنا الذهاب إلى البحر، وهناك ننسى تعب العمل. كنا نستقبل الليل في فرح وغناء وهرج، كانت الجزائر كلها تغني في ذلك المكان، وتعود مغنون معروفون على زيارتنا. إنها تجربة في اكتشاف الذات والآخر، صار الشبان يعرفون أنفسهم ويعرفون أبناء وطنهم، ولأن المخيم أقيم في مكان قريب من الجزائر العاصمة، فقد حظينا أكثر من مرة، بزيارة وزير الشباب والرياضة آنذاك، اسمه يحيى قيدوم (1941-2020). هل يوجد أحد من الجزائر لا يتذكر هذا الاسم؟ أظنه واحد من أشهر الوزراء منذ الاستقلال، بل إنه واحد من الوزراء الذين يحظون بكثير من الاحترام في العقود الثلاثة الماضية. اسمه يحيل إلى الانضباط وإلى الإخلاص في العمل، سمعته طافت الأرجاء بوصفه وزيرا لا تغفل عينه عما يدور في القطاع الذي يشرف عليه. كانت الجرائد تتسابق في الظفر بتصريح منه، أو في التقاط صورة له.

آنذاك كانت صورة وزير غائمة في الأذهان، فالوزراء لا يراهم الناس عدا في التلفزيون، أو في الجريدة، لا يلتقي بهم أحد في الشارع، أو في الأمكنة العامة، وتدور حولهم قصص وحكايات وأساطير وخرافات، يقُال إنهم يتخذون مسافة من غيرهم، أنهم مرفقون بحرس أو إنهم يحملون سلاحا تحت السترة، بحكم أن البلاد كانت تعيش في أزمة أمنية. لكن يحيى قيدوم قلب الصورة. ببساطته كان يصافح الشباب، يتحدث بعامية متخففا من كل لغة رسمية، ثم يلتف الجميع حوله فيبتسم أو يتلفظ بنكتة، لم يكن وزيرا يقدم الوعود ولا وزيرا يلوح بأشياء من علم الغيب، بل يخوض في قضايا وأمور من شأنها أن ترفع معنويات كل فتاة أو شاب، بوسعه أن يخوض في شؤون الفن والأدب من غير حرج، يتحدث مع العمال ومع المسؤولين في المخيم بنبرة ودودة، مع العلم أنه جراح عظام، لم يكتف بتخصصه، بل غامر نحو مناطق أخرى في المعرفة والثقافة، يحلل أغنية أو يدندن كلمات من الشعر القديم، يتحدث عن كتاب أو فيلم شاهده، يصغي إلى كل سؤال يُطرح عليه وقد كان متحررا من ربطة العنق، لم يزر المكان بوصفه وزيرا، بل كشخص عادي يود أن يسمع آراء الشبان وهمومهم وأحلامهم. وهو الذي اشتهر في التسعينيات بخرجات في المستشفيات، كانت سابقة من نوعها في البلاد. عندما كان يزور المستشفيات من غير موعد ومن دون تبليغ مسبق، ويقف بنفسه على ظروف العناية بالمرضى.

وكذلك فعل معنا في المخيم، لم يكن يعلم أحدا بموعد وصوله، بل يمكن أن نكون منشغلين في سهرة أو في أحاديث، ثم نجد الرجل يقف إلى جنبنا. لم يلعب دور ذلك المسؤول المغرم بكاميرا ترافقه في كل مكان، ولم يدع أن مرتبته أرفع من مجالسة شبان ومراهقين، بل كان نفسه يحيا بقلب شاب في العشرين. يطمئن على أحوال المخيم وعلى ظروف الأكل والمبيت، يعاين تقدم العمل ومشروع تهيئة إقامة الطلاب، مع أن من المشاركين في المخيم من كانت له تحفظات على الحزب السياسي الذي انتمى إليه ذلك الوزير، لكن يحيى قيدوم كان نفسه حزبا قائما بحد ذاته، فقد عاش أكبر من مجرد عضو في تشكيلة سياسية، لم يسبق أن سمعنا من يشتكي منه في الإعلام أو في الأزقة الخلفية من مشهد السياسة، كان رجلا يؤمن بالعمل ولا يشتكي منه سوى من يهوى الكسل. إنه أصيل مدينة قسنطينة، لكن عندما يزورنا ويتحدث إلى كل واحد منا، نشعر بأنه ابن الجزائر في مجملها، وليس حكرا على منطقة على حساب أخرى. يحيى قيدوم الجراح الذي عاش مؤمنا بالفن، يهوى الموضة والتأنق في الكلام، يمارس حرفة القراءة كفعل يومي، وفيا إلى روح الشباب، يُصغي ويسأل ويتحدث بكرم وتواضع، لدرجة أننا ننسى أنه وزير، جعل من المساواة في التعامل مقياسا له في ذلك الزمن. هل يوجد في جزائر اليوم وزراء في تواضع هذا الرجل؟ يؤمنون بالإصغاء والمساواة مثلما فعل المرحوم يحيى قيدوم؟

كاتب جزائري



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *