حفل زفاف في حيّ البغل


مدينة العمارة ليست كلها بستان عائشة ونهر دجلة وغابة نخل وأجمات ليلك. في الضواحي أحياء فقيرة عديدة، أكواخ متداعية من قصب وبيوت من طين أو صفيح، وأطفال في خرقهم يتدحرجون في الوحول.
أحد هذه الأحياء يحمل اسماً غريباً: حيّ البغل، لكن لا بغال ثمة ولا بغّالين، ولا جبل قريب أو بعيد حيث يعيش هذا الحيوان. يعود سرّ التسمية إلى دوران الأحداث السياسية في البلاد؛ عندما تغيّر نظام الحكم من الملكي إلى الجمهوري سمّيَ الحيّ باسم «الزعيم عبد الكريم قاسم». ثم جاء انقلاب شباط عام 63، ومن ضمن ما قام به رجاله أنهم (قلبوا) الاسم إلى ما صار عليه، نكاية بالزعيم الذي تولّه به العراقيون الفقراء خصوصاً، إلى درجة أنهم رأوا صورته منقوشة على صفحة القمر.
مع ذلك. ليس على الواحد منا أن يعيش في حي فقير ليعرف أن الأمور لا تسير دائمًا على ما يُرام. اسم الرجل (عطيّة بيّاع النفط)، يُقال عادة تاماً وكاملاً، دون نقص. ويحضر إلى الذهن عندها مباشرة صورة حماره الهزيل أغبر اللون، بقروح وجروح يغطيها الذباب في مواضع احتكاك الرّشْمة والعذار والرسن ببدنه، فهو يجرّ عربة النفط منذ الفجر حتى المساء، يدور بها في الطرقات مع صاحبه عطيّة، منادياً على بضاعته:
ـ نفط. نفط. نفط.
بصوت راح يدمج حروف الكلمة مع السنين، فهي تتكون من فاء وطاء فقط، ومع الأيام صار النداء عبارة عن فاء ممدودة مثل تقليد لنغمة موسيقية. هل يمكن للناس أن يشبهوا طبيعة المهنة التي يمتهنونها، أو إحدى أدواتها والآلات المستعملة، لأن هناك قرابة غامضة بين الرجل ببشرته المدبوغة وحماره، فاللون زنجاري وقاتم وثخين لدى الاثنين. نمط المعيشة لديهما واحد، أما القروح والجروح فهي غير بائنة على جسم عطية، لكن بإمكاننا أن نهجس آثارها في ثنايا روحه، وقد أخذت تصغر وتقلّ في خضمّ الفاقة والتعب والضنى، إلى أن رسبت مهجته وخلاصة بدنه في عضو لا يعرف مبلغَ نشاطه ومكانته أحدٌ غير زوجته، وهو أمر تُحسد عليه كثيرا بين نساء الحيّ.
في حيّ البغل، تبدأ في التساؤل عمَّا إذا كان العالم كله ليس سوى حي فقير، عمَّا إذا كانت حياة الفقر ليست سوى الحياة الطبيعية للبشر. منزل عطية عبارة عن خربة فيها كوخ من القصب لعياله، ممزق بفعل الزمن والعواصف حتى يصعب التصديق أنه منزل للبشر، تقابله سقيفة ممزقة للدابة، مع وتد ثابت في الأرض، يَربط الحيوان إلى مصيره الأبدي، ويشدّ عطيّة إلى عمله الذي لم يكن يسدّ إلا القليل من تكاليف عيشه، فهو دائم الشكوى من سوء الحال. عربة النفط هي نقطة دلالة بيت عطية في الليل، عندما يؤوب من عمله، وحماره خافض الرأس، يمضغ أعواداً طويلة من الحشائش بصعوبة. وفي النهار يُستدل على بيت بائع النفط من مشهد بناته؛ سبع أو ثمان، وربما أكثر، كلهنّ صغيرات وحافيات ووسخات الشعر، بملامح قذرة واحدة، يدرجن مثل قملات كبيرات الحجم على التراب، جائعات في أغلب الأوقات يطلبن الخبز بنبرات باكية، ثم ينتهي البكاء بأنين كاوٍ أليم، كأنه الحوار الوحيد بين ساكني الحي والعالم.
كلّ هذا البؤس في عائلة عطيّة كان يكسره ويفتره عن كاهل الأب مرأى ابنه الطالع إلى الدنيا؛ شاب طويل القامة وشديد البنيان، اسمه (ثابت)، جفّ قلب أبيه وأمه من التعب والمقاساة من أجل أن لا يرث مهنة أبيه، لأن مصيره محتوم بفقر أبدي وعبودية دائمة. كان ثابت جنديّاً في الجيش، ويعيش أيام إجازته في حال من التبطّل والعطالة؛ دشداشة نظيفة مكويّة بيضاء، ومسبحة شذرية اللون مع خاتم عقيق يماني، يجمع ضوء الشمس في بؤرة عميقة، تناظر مكانته في قلب الأب والأم. عند العصر يخطر ثابت في بدلة قشيبة كأنه أمير ابن أمير، معطّراً مزيّت الشعر، وبحذاء أبيض مدهون.
في ذلك اليوم لم يخرج عطيّة إلى العمل، بدلالة عربته المتوقفة عند باب الخربة، وقضى النهار الاثنان، الأب والأم، في تنظيف الساحة القريبة من بيتهم من النفايات والأزبال، وفي ردم المستنقع. عندما حلّ الظهر قامت ثمة أعلام ومصابيح وزينات مفتولة ومذهبة وبراقة. بعد أذان العصر حضر الغجر، وفرقتهم الموسيقية مكوّنة من عازف الطبل والربابة والدّف، ثلاثة رجال شديدو السمرة في دشاديش حائلة اللون، راحوا يعزفون لحن أغنية حزينة ومأساوية، ثم ظهرت فتاة ضئيلة البنية تتمايل وتهزّ أعطافها، ثدياها الضامران لا يكادان يظهران تحت ثوبها البرتقالي المزركش بأخضر ليموني. أخذت تنتقل في أنحاء الساحة التي غصّت بالقادمين من جميع الأحياء المجاورة، في أضلاع مستطيلها الثلاث، وخصص الضلع الأخير للفرقة الموسيقية، وفي المقدمة عطية جالس على كرسي بدشداشة رمادية اللون، بجواره العريس ثابت، يرتدي حلّة بيضاء وربطة عنق خضراء، والمهنئون يباركون له ولأبيه بالمصافحة وتقبيل الوجنتين.
كانت الراقصة تثير الشفقة أكثر من الإعجاب؛ وجه شاحب يستحم في العرق، ويدان صغيرتان مليئتان ببقع صغيرة من النمش. كثيراً ما تشبه الأيدي الوجوه أو الأجساد بكاملها. لكن الجمهور التهب حماسة بواسطة الموسيقى، وكان قريباً من الهياج لأنه يرى راقصة توزّع ابتسامات للجميع، شعرها طويل ومنفوش، وله دور حيويّ ومهم في أداء الرقصة عندما ترميه إلى الجانبين، وإلى الأمام والخلف.
توقفت الغجرية عن الرقص، وأخذت تسعل وتبصق دماً في منديل تحاول إخفاءه. كان جسدها شديد الهزال، وهالات سوداء تحت عينيها الغائرتين، عينا امرأة تعودت على أن تبصق دماً في منديل تُخفيه عن الآخرين. عادت بعد نوبة السعال إلى الرقص، وافتتح عطيّة مهرجان الاعتراف بموهبتها، بأن علّق على ثوبها، قريباً من منحدر الثدي الأيمن، نصف دينار. أخذت تقفز من فرحتها، فترفرف ورقة النقد على ثوبها مثل راية. قام بعد ذلك ثلاثة رجال من الجيران والأقارب، بمثل فعل عطيّة، لكن راياتهم كانت خضراء، لأنها من فئة ربع الدينار. اشتدّت حماسة العازفين، عندما تكاثرت الرايات الملونة، والراقصة تشعر بالتوقد، بالنيران، بالرغم من نوبات بصاق الدم التي تكرّرت، لكنها لم تكن تتعرّق أو تُبدي أثراً للاجهاد. هل شاهدها كولومبس وهي تقفز في الساحة، وألهمته في صياغة نظريته الشهيرة: «مع الذهب يمكنني قيادة الموتى إلى الفردوس»؟
ليس بوسعنا الهروب من قدر قلوبنا، ومن حتمية وقوعنا في الحب. ظهر شابّ يسير على عكازين، وكان يبدو مذهوب العقل عندما قام بإطلاق صيحات الإعجاب بصوت منفعل حاد. هل كان مخموراً؟ رغم أني كنت صغير السن في ذلك الزمان، لكني تنبّهتُ إلى لمعان الشهوة في عينيه، وهو يثبّت ديناراً عند المنبت الغسقي لثدي الغجرية الأيسر، وكان يتأمل النار الهادئة في عينيها، ويستنشق بشغف كتفها العاري. قبّلها على عجل، وظهرت ابتسامة صغيرة في زاوية فمها. للحظات راحت ترتعد بين ذراعيه ارتعاداً ظاهراً للعيان، فهما ملتحمان في عناق تلوّن بضباب القمر القرمزي اللون، ما جعل المشهد يبدو للحاضرين غارقاً في مياه حلم، فتخيّلوا أنهم أيضاً عاشقون، وكانوا متعطشين إلى السعادة، إلى الجمال والبريق في الدنيا، بعيداً عن حيّهم البائس وفقر حالهم الأبدي.
النفوس، عندما تسمع الموسيقى وتشهد الغناء والرقص، تصفى وتتقارب. لكن الحال على عطية كان مختلفاً، إذ حسب ما قام به الشابّ الكسيح اعتداء على شرف امرأة داخل بيته، والعار سوف يلحق به وبعائلته إلى الأبد. كانت الظلمة تهبط على مكان الحفل، وشعرتُ برجفة في قلبي لمّا رأيته يجري بخطى واسعة واثقة، حاملاً عصا غليظة. حاول الشابّ الهرب، تحمله عكازتان طويلتان تضربان الأرض بصوت علا على صخب الموسيقى، لكن عطية كان يسير كأنما على الريح. شاهدناه جميعاً وهو يضرب الشاب على رأسه، وكان الأمر جنوناً في جنون. لا يمكن نسيان نظرة التوسّل في عيني العاشق تعيس الحظّ، وهو يتمرغ في التراب المعجون بدمه.
بعد ذلك حضرت الشرطة وأخذت تفتّش عن عطيّة، واقتادت ابنه العرّيس مقيّداً بالأصفاد، ريثما يقوم الأب بتسليم نفسه. القمر الأصفر زاد من حدّة بكاء أم العريس، ولم يعلن نهاية الحفل كلّ ما مرّ، بل الصوت المبحوح للقملات الضئيلات اللاتي انتشرن في الساحة، يبكين بأنين يتطاول ويعلو، يكشف البؤس الشديد المستقر في نفوس ساكني هذا الحي.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *