تكشف هذه المقالة حضور الرائحة في سيرة الشاعر العراقي علي جعفر العلاق «إلى أينَ أيتها القصيدةُ؟»، الصادرة عن دار الشؤون الثقافية العامة في بغداد عام 2022. وتنطلق من أن الرائحة في هذه السيرة ليست تفصيلاً حسياً عابراً، بل طاقة إدراك تكشف من خلالها الذات الساردة طبيعة العلاقة بين الإنسان وبيئته. وهي علاقة تحيل ضمناً إلى فاعلية الحواس في وصل السارد بأجواء القرية، التي حضرت في النص حضوراً حقيقياً، إلا في المواضع التي تولى فيها المجاز بناء السرد وتعقّب الأحداث.
يستدعي بيورن بيرجيه في كتابه «الشم: سيرة حاسة تتلاشى»، حاسة الشم المحيلة على اكتشاف طبيعة المشمومات عند الإنسان، وقد وقف مليا عند أثر الرائحة في تشكيل الذاكرة، بدءا من رائحة التراب بعد المطر، مرورا بعبق الخبز المنزلي، وانتهاء بالطازج من ذكريات الطفولة، والكتابُ يقدم تنظيرات مهمة لها صلة بتاريخ الإنسان، وفاعلية حاسة مهمة من حواسه التي لها صلة بتذوق الحياة، وقد فعلتْ فعلَها في تجلي مجموعة من الصور التي لها صلة بحياة الأديب التي تنعكسُ فيما بعد في خطابه.
يؤكد سارد «إلى أين أيتها القصيدة؟» أن حياة القرية تتيح فرصة لا تضاهى للامتزاج بالطبيعة والتشبع بما تكتظ به من براءة، وقسوة، ودعوة للتأمل، أو إغراء للحواس، وهذا التأكيد ينفتح على اعتراف السارد نفسه بأثر فضاء القرية في تشكيل حواس الطفل وتطبعه، بما في ذلك الاغتراف من فضاءات تربى الطفل من خلالها على مختلف العادات والتقاليد، فضلا عن أثرها في تشكيل حواسه التي ميزته في ما بعد عن أقرانه، وقد ظهرت طفولةُ سارد السيرة واضحة من خلال فاعلية الحواس التي عملت على ربطه بأجواء القرية زمنا طويلا، وأول تلك الحواس وأقوها، وقد ترددت في متن السيرة (حاسة الشم)، وهي متأصلة في سكان القرى، تعمل على إيجاد سلوك خاص يأخذ القروي نحو مساحات واسعة من الاشتباك مع الطبيعة والآخر، ولاسيما حين تتضافر مع حاسة البصر الأقوى لتنتج نمطا من البصيرة التي يهتدي بها القروي في حياته المتآلفة مع الطبيعة.
إن القرية تتيح لأطفالها فرصة نادرة للعيش جوار الطبيعة، وتحسس مظاهرها من خلال مجسات تنمو باطراد مع حياة الطفل حتى يبلغ أشده، فيكون عندها جامع حواس بامتياز، وهذا ما وجدته في السيرة التي فُتحت فضاءاتها على حاسة الشم، وهي تتلقى رائحة الأرض المحروثة، التي يعرفونها كما يعرفون الله، فضلا عن إدراكِ رائحةِ عاقولِ البراريَ، ونكهةِ الحقولِ الفواحة، وكان للسارد ميلٌ لم يفارقه إلى الآن في محبة الخريف، والبدايات الأولى للرعد، والمطر، وقطاف الثمر.
لا شك في أن حاسةَ الشم في النصين السابقين ظلت رهينةَ الأرض، وما تنتج من روائح اعتاد عليها أهل القرية وهم يواجهون في كل لحظة نباتات كانت بالنسبة لهم جزءا من تاريخ علاقتهم بالأرض، فضلا عن روائح الطبيعة التي تقترن عادة بمواسم الغيث، وما بعده حيث تزدان الأرض بالرائحة التي تشترك في إيجادها جملة مزايا نباتية، وطقسية لها أثرها الفاعل في تنشئة الطفل بوصفها الحيز الذي يعيش فيها، فهي الدالة على نمط الحياة التي عاش من خلالها لما لها من تأثير في ثقافته وسلوكه، ولي أن أقرأ في النصين السابقين نسقا مضمرا يحيل على الأمل المعقود في ضرورة حماية الطبيعة كناية عن حماية البيئة، وموجوداتها، ومظاهرها الطبيعية التي تتآلف وخلق حياة ينسجم فيها الإنسان مع ذاته، والآخر في محاولة استشرافية يراد منها العيش الأخضر.
لعل ساردَ السيرة كان قد تشمم رائحة: (الحاوي: المنطقة الخصبة الواقعة على ضفاف نهر دجلة) الذي يدفع بروائح الباقلاء، واللوبياء، واليقطين، والقثاء، والشمام، والبطيخ، والرقي (البطيخ الأحمر)، ولم يكن الطفلُ بمنأى عن ذلك العَبَق المنعش الذي تحمله في الليل أنسام النهر المبللة بروائح الحياة، والليل نفسه كان في حياة السارد مائيا إلى حد بعيد، فتشم منه روائحَ معطرة بالسمرِ البريء، وتقبلِ حكايات الماضي، وكان السارد كثيرَ الشم لرائحة التراب الرطب بعد المطر، فضلا عن رؤية منظر اللقالق البيضاء وهي تقف على مياه الغدران على قدم واحدة، والرائحة الخضراء البهيجة تملأ المكان، وثمة عطر الرز العنبر، والماش، والحلوى المدقوقة، والشعث، فكانت الروائحُ في ظل التوصيف السابق تدب نحو نوم الطفل مخترقة عتمة الكوخ، واستغراق العائلة بالنوم.
هل للرائحة لون؟ لماذا وُسمت بالأخضر؟ كناية عن تراسلها في لغة السارد وعقله، فقد نُقل الإدراك من حاسة الشم إلى حاسة البصر، وفق جمال لغة تبهر المتلقي، وثمة رائحة أخرى اخترقت أنف الطفل: تلك هي رائحة الأعماق المحروثة من الأرض، وهي تبث روائحها معلنة التهيؤ لموسم الزرع، لا شك في أن الروائح السابقة نتاج حضور الطبيعة بما فيها من غلات، فضلا عن رائحة الأرض زمن حراثتها، وهي رائحة تقترن بلحظة تقليب الأرض لتكشف عن حضور روائح السعد، فضلا عن روائح النباتات ذات العطر الفواح.
ولمخيلةِ الطفولةِ عند السارد تصوراتُها المحببةُ القادرةُ على أن تلتقط من التراب رائحةَ الحليب؛ وتلك سردية لا يعرفها إلا من عاش طفولة القرى وموروثها مؤداها: أن الأطفال يشمون رائحة الحليب، ويتذوقونه، وهو يندفع إليهم من تراب الأرض، فكلما مر بمحاذاة القرية البدو، وهم على ظهور جمالهم كان كل واحد منهم يختار خفا مرسوما على التراب يفتح راحة كفه اليمنى بشكل عمودي غارسا خنصره في التراب، وطرف إبهامه في الفم، وفجأة تتدفق رائحة الخرافة من التراب إلى الفم، ثم يمتلئ الجو برائحة الحليب بحسب إحساس الطفل.
لا شك أن السردية الصغيرة السابقة تفتح باب التصديق، والتخييل عند الأطفال، وهي تتصل باعتقاداتهم التي تبنى من خلال أنساق الخرافة، وتصوراتهم التي لا شك فيها حسب علمهم، وهي لوحدها كفيلةٌ بأنْ تجعل الطفلَ يعتقدُ جازما أن الحليب يصعد سريعا نحو فمه من تراب الأرض النقي، وخف الجمل، فيتشمم رائحته؛ تلك الصورة تدخل في باب حضور (المخيال)، وهو جزء من ثقافة اجتماعية تتحكم في سلوك الفرد، والمجتمع وتترك أثرها في ممارسات يحبذها المرء، وهو يصدق محتواها لتكون في ما بعد جزءا من خطاب يمكن تأويله.
على الرغم من أن السارد ترك قريته مهاجرا إلى بغداد، وهو دون التاسعة من عمره فإنها لم تفارقه أبدا، ظلت كائناتها تفوح في لغته، وطيورها الصباحية تملأ المخيلة بالضجيج الحي، والأعشاش الدافئة، ورائحة الجنة تطير من ثيابه لتغذيه بالحلم، والوهم والإبداع، وكانت تلك القرية بما فيها من فراديس طينية تفوح منها -حتى الآن- رائحةُ الكمأة، والطين الحري، ورواح نبات الخباز، ورشاد البر، وفاكهة الرقي، والبطيخ، ونكهة الشمام، وهي تملأ روحَ السارد غبطة، فثمة خيطٌ خرافي دافئٌ، ونحيلٌ يربطه للآن بتلك القرية وأكواخها. ظل طوال العمر يحفرُ نسقاً عامراً بالدلالة المحيلة على الجمالِ في الذاكرة.
فُتحت عينا السارد على الحياة في تلك القرية الضائعة في ريف (واسط)، ورائحة الغرين تملأ كونها، جداولُ طافحةٌ بالماءِ الخابطِ، وحقولٌ على امتداد نهر دجلةَ تملأ الجوَ برائحتِها الخاصة. ودخانُ الموقد لما يزل يتصاعدُ في ذاكرةِ الطفلِ الذي صار كهلا، تتكونُ رائحةُ الغرين بعد مزج ترابِ الأرضِ الرطبِ، بالماءِ بكثافةٍ عاليةٍ فتنتجُ رائحةً يدركها أهلُ القرى، لا يمكنُ وصفها، لكنْ يمكن تحسسُ شميتها الخاصة القريبة من رائحةِ الطين المخمرِ بالماء، فيما الماءُ الخابطُ يعطي رائحةَ تكثفَت بسبب أخلاطِ الماءِ الصافي بالماءِ العَكِرِ، أما دخانُ المواقدِ فيرتبط بالشواءِ، أو عملِ الشاي، أو طردِ البعوض، وفي الحالات كلها يُسهم الدخانُ في تقديمِ حياةٍ خاصةٍ للقروي على الرغم من فَقْر الحال.
اقترنتْ روائحُ النصوصِ السابقةِ بحضور مصطلحِ الاسترجاعِ في جوهرهِ الاستعادي الباحثِ عن شيء مفقود، مقرونا بحاسةِ الشم المنفتحةِ على منتجاتِ الطبيعةِ التي تفوحُ في اللغة المستعيرةِ لموجوداتِ الفضاء الأول الفاضح لرائحة الكمأة، وهي رائحة مسكية يمكن وصفها، فضلا عن الطينِ الحري برائحتهِ الخاصةِ، وروائحِ نبات الخباز بعطريته المحببة، ورشاد البر برائحتهِ الزكيةِ النافذةِ إلى الأنوف، والرقي معروفُ النكهةِ، والبطيخِ، ونكهةِ الشمامِ المنعشة، وروائح أخرى، فهي بمجملها تعطي فكرة عن طبيعتها الشمية، التي حفرتْ لها معنى ظاهرا في مخيلة الطفولة لا يمكن أن يُمحى.
ظل موروثُ الحقولِ يلاحق الساردَ في بغداد، وهو وسط الطابور الصباحي للمدرسة، وقد تخيل نفسه شاعرا كما شاعر المدرسة المعلم، لكنه كان غائبا عن نفسه، وقد أخذه فضاءُ المدرسة البغدادية إلى حقول القرية: وابلٌ من مطرٌ مفاجئٌ مشطَ الأدغال، وثمة غدرانٌ تحف بها طيورٌ فرحةٌ من كل صوب، فتمنى نفسَه ذاتَ صباحٍ شاعرا يقرأ وسطَ الطلاب قصيدة حيث الرائحةُ تملأ روحه، وهو يخطو بين التلاميذ مزهوا بعصاه، وقصيدته.
اقترن موروث الطفولة برائحةِ الحقولِ، وتمشيطِ الأدغالِ، وقتَ هطولِ الغيثِ، فتمني الطفلُ بعد شهور في المدرسة البغدادية أن يكون شاعرا، لتقترن الطفولةُ بمظاهرَ القريةِ، وحضورِ الشعرِ، فأعطى النص فكرةً عن طبيعة تأملات الطفلِ في تلكَ المرحلة التي تقتربُ من رومانسية رعوية اعتنتْ بأجواءِ القريةِ، وهي تسترجعُ صورةَ الزمن المنفتح على وداعةِ الحياةِ، وتواضعِها، وحنوِ مفرداتِها، وحضورِ الطبيعةِ، فقد جمع تأملُ السارد المكانَ والزمنَ في صورةٍ نادرةٍ تراءت من خلال المفرداتِ التي أحالتْ على نمطِ حياةٍ ماضيةٍ قنع الطفلُ بها، ورغبَ سارد السيرة في استرجاعها طمعا في التواصل مع حياة معاصرة أراد من خلالها أن يكون شاعرا فحسب.
أكاديمي وناقد من العراق