حصر السلاح يضع العراق أمام تحديات التمويل والتنفيذ


 أحمد كوكب/المدى

يتصدر ملف حصر السلاح بيد الدولة واجهة التحديات التي تواجه الحكومة، بعدما بات يتداخل فيه البعدان السياسي والاقتصادي إلى جانب البعد الأمني، في ظل تقديرات بوجود أكثر من 15 مليون قطعة سلاح، وصعوبات مالية وسياسية تعترض تنفيذ المشروع، رغم ما يحمله من آثار مباشرة على الأمن والاستثمار وعلاقات العراق الخارجية.

وقال المتخصص بالشأن الأمني سرمد البياتي، في حديث لـ(المدى)، إن “نجاح مشروع حصر السلاح يرتبط أولاً بالموقف السياسي، لأن تدخل القوى السياسية بشكل سلبي سيجعل تنفيذ المشروع بالغ الصعوبة، وأن تعاون جميع الأطراف يمثل الشرط الأساس لإنجاحه”.

وأوضح البياتي أن “الملف لم يعد شأناً داخلياً فقط، بل أصبح مرتبطاً بالوضع الإقليمي، في ظل استمرار شكاوى بعض دول الجوار من استخدام الأراضي العراقية، رغم نفي بغداد المتكرر لذلك، وأن استمرار السلاح خارج سلطة الدولة يضعف موقف العراق أمام المجتمع الدولي ويزيد الضغوط الخارجية عليه”.

وأشار إلى أن “التقديرات السابقة تتحدث عن وجود نحو 14 مليون قطعة سلاح داخل العراق، موزعة بين الفصائل والعشائر والمدنيين، وهو ما يجعل حجم التحدي أكبر بكثير من مجرد جمع أسلحة لفصيل أو جهة بعينها”.

وأضاف أن “وزارة الداخلية تمتلك إجراءات لمعالجة الملف، نأمل أن تشمل عمليات الشراء الأسلحة الخفيفة والمتوسطة، فيما يجب أن تسلم الأسلحة الثقيلة فوراً إلى الدولة، مع محاسبة أي جهة تمتنع عن تنفيذ ذلك، لأنها تمثل تهديداً مباشراً للأمن الوطني”.

ومن جانبه، رأى المتخصص بالشأن الاقتصادي داوود الحلفي أن شراء هذا العدد من الأسلحة يتجاوز قدرة الموازنة العراقية، فإن امتلاك أكثر من 15 مليون قطعة سلاح يعني أن الكلفة ستكون “فلكية”، خصوصاً إذا تجاوز سعر القطعة الخفيفة مليون دينار، وهو ما يجعل خيار الشراء الشامل غير واقعي مالياً.”

وأوضح الحلفي، في حديث لـ(المدى)، أن “الحل الأكثر عملية يتمثل في ضم الفصائل إلى التشكيلات الرسمية، بحيث تنتقل الأسلحة الخفيفة والمتوسطة مع منتسبيها ضمن مؤسسات الدولة، بينما تُسلَّم الأسلحة الثقيلة إلى مخازن الحكومة، لأنها في الأصل من اختصاص الدولة ولا يجوز بقاؤها خارج سيطرتها”.

وأضاف أن “جزءاً كبيراً من أسلحة الفصائل مولته الدولة العراقية أصلاً من خلال الموازنات والرواتب والدعم اللوجستي، ولذلك لا يمكن التعامل معه بوصفه ملكية خاصة تستوجب دفع قيمته مرة أخرى، وأن التعويض قد يقتصر على الأسلحة التي ثبت شراؤها بأموال خاصة، ويمكن حينها اللجوء إلى تسويات مالية تقل كثيراً عن قيمتها السوقية”.

ولفت إلى أن “الأسلحة التي تكون قد زُوّدت بها بعض الفصائل من دول أخرى لا ينبغي أن تتحمل الخزينة العراقية كلفتها، وأن معالجتها يمكن أن تتم عبر التفاهم مع الجهات التي زودت بها أو من خلال ضمها إلى مخازن الدولة العراقية، بدلاً من شراء سلاح لم تدفع بغداد ثمنه أساساً”.

وأكد الحلفي أن “الدولة معنية أيضاً بشراء الأسلحة المتوسطة الموجودة لدى العشائر، فيما تبقى الأسلحة الخفيفة بحوزة المواطنين بعد تنظيمها وإجازتها قانونياً لأغراض الدفاع عن النفس، أما الأسلحة الثقيلة وفوق المتوسطة فلا يجوز أن تبقى خارج المؤسسات العسكرية”.

وبين أن “العائد الاقتصادي لحصر السلاح سيكون أكبر بكثير من كلفة تنفيذه، لأن استقرار الوضع الأمني سيعيد ثقة الشركات الأجنبية ويشجع رؤوس الأموال على الدخول إلى العراق، بعد سنوات ظل فيها السلاح المنفلت أحد أبرز أسباب تردد المستثمرين”.

وتابع أن “نجاح المشروع سيتيح للحكومة توجيه مواردها نحو الخدمات والبنى التحتية والتنمية بدلاً من استنزافها في معالجة الأزمات الأمنية والضغوط الخارجية، بما يعزز حركة الاستثمار والإنتاج ويرفع كفاءة الاقتصاد الوطني”.

وحذر في المقابل من أن “رفض بعض الجهات تسليم السلاح طوعاً قد يقود إلى خسائر اقتصادية جسيمة، تشمل تدمير البنى التحتية، وخروج رؤوس الأموال، وهروب الشركات الأجنبية، فضلاً عن تعطيل مشاريع التنمية، مؤكداً أن التسليم الطوعي يظل الخيار الأقل كلفة على الدولة”.

وختم بالقول إن “نجاح المشروع يحتاج إلى “عقلية دولة وإرادة وطنية”، وأن تغليب المصلحة العامة سيحول الموارد المهدرة إلى مشاريع استثمارية وخدمية يشعر المواطن بآثارها مباشرة”.

ويأتي هذا الملف بعد إعلان الحكومة المضي بخطة لحصر السلاح بيد الدولة، وتحديد مهلة تنتهي في 30 أيلول/سبتمبر لتسوية أوضاع الأسلحة غير المرخصة، ضمن مسار يهدف إلى إنهاء السلاح خارج المؤسسات الرسمية، وسط ضغوط داخلية وخارجية لإنجاز هذا الملف بوصفه أحد أهم استحقاقات ترسيخ سيادة الدولة وتحسين البيئة الأمنية والاقتصادية في العراق.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *