أردت – قبل حضوري فيلم «الأوديسة» لكريستوفر نولان- أن أستحضر أجواء هذه الملحمة فأعيد قراءة شيء منها لأستعيد ما نسيته مما تعلمناه في الجامعة عن الأدب اليوناني من جهة، ولأشاهد الفيلم متسلحة بخلفية معرفية تساعدني على المقارنة والفهم والاستمتاع الواعي من جهة ثانية.
وكانت صدمتي كبيرة حين لم أجد في لغتنا العربية سوى أربع ترجمات للأوديسة (دريني خشبة 1945، أمين سلامة 1961، حنا عبود 2007، ومحمد مظلوم 2026)، ثلاث منها معرب عن الإنكليزية، أما ترجمتها الوحيدة عن اليونانية التي أنجزها أمين سلامة فيقول عنها محمد مظلوم (صاحب أحدث ترجمة للأوديسة بالشعر الحر عن الإنكليزية) بأنها «افتقدت إلى الروح الهوميرية الملحميَّة وبلاغتها الشعرية، ولم تلتزم بروح البيت الشعري».
وتضاعفت صدمتي حين علمت أن النص الكامل للأوديسة تُرجم إلى الإنكليزية قرابة سبعين مرة، ثلثها تقريبا عن لغتها الأصلية اليونانية، منذ أقدم ترجمة لجورج تشابمان قبل أربعة قرون، إلى أحدثها لدانيال مندلسن قبل سنة. وهذا المؤشر يوسّع الهوة بين تلقينا للكلاسيكيات التي أصبحت تراثا عالميا مشتركا، وتلقي الغربيّين لها، فلا نستغرب أن تتصدر ملحمة شعرية كتبت قبل 3000 سنة قوائم الكتب الأكثر مبيعا، فترتفع مثلا «الأوديسة» في بريطانيا في شهر واحد بنسبة 1400%، بل وتنتقل العدوى إلى كتب أخرى تدور في الأجواء نفسها مثل «الإلياذة» الأخت الكبرى للأوديسة، ورواية «سيرسي» للروائية مادلين ميلر، و»البينيلوبية» للكاتبة مارغريت أتوود، فتزداد مبيعاتها فمن جاور السعيد يسعد. ولا أريد أن أعرف حجم مبيعات الأوديسة في عالمنا العربي تفاديا لصدمة ثالثة! لم يقتصر أثر الفراشة العملاق الذي أحدثته أوديسة نولان على مبيعات الكتب فقط، فزيارة مواقع تصوير الملحمة مثل جزيرة فافينيانا الصقلية التي جسدت مدينة إيثاكا في الفيلم، أصبحت قِبلة مستجدّة للسيّاح، وأنعشت اقتصاد الجزيرة من خلال سياحة الشاشة. وليس هذا بمستغرب على فيلم كلّف 250 مليون دولار لإنتاجه، وستتجاوز عائداته المليار دولار عند صدور هذا المقال بعد أقل من شهر من إطلاقه، من دون احتساب ما سيصله من العائدات حين يدخل السوق الصينية منتصف هذا الشهر.
وبعيدا عن حساب الربح والخسارة قدم لنا المخرج كريستوفر نولان ملحمة مشهدية لمتن كلاسيكي يوناني مكون من 24 نشيدا ونحو 12000 بيت. ومن بين الاقتباسات الكثيرة السابقة على الشاشة الفضية للملحمة الهوميرية ينقل نولان الأوديسة إلى بعد آخر تجاوز سابقيه وسيُتعِب حتما لاحقيه بمن فيهم الملياردير إيلون ماسك، الذي أعلن عن نيته إنتاج فيلم سينمائي طويل مقتبس من الأوديسة بواسطة أداته للذكاء الاصطناعي «غروك إيماجن» قبل نهاية هذا العام. فما سر هذا النجاح اللا متصوَّر لفيلم يستعيد حكاية لا نجد وسيلة من سينما وإذاعة ومسرح وكتب لم تستهلكها؟
انطلق كريستوفر نولان في فيلمه من فكرة «قانون زيوس» وجعلها محورا مركزيا تدور عليه أحداث الفيلم. وهذا القانون المسمى في الأساطير اليونانية «قانون الضيافة أو الزينيا – Xenia» يقوم على فكرة رابطة مقدسة بين المضيف والضيف، فعلى المضيف إيواء الغريب وإطعامه وعدم إيذائه، وعلى الضيف احترام مضيفه وعدم الاعتداء عليه أو استغلال كرمه، وقد ذكر نولان ذلك حين صرح «قانون زيوس هو القاعدة الذهبية: عامل الآخرين كما تحب أن تُعامل، وفكرته تستند إلى أساس لاهوتي خاص، مفادها أن الضيف قد يكون إلهاً متخفياً». فالضيافة حسب هذا القانون ليست كرم أخلاق بقدر ما هي واجب يُعاقَب من يخالفه، لذلك اعتمد نولان على فكرة أن أوديسيوس خالف هذا القانون الزيوسي حين حوّل الهدية (حصان طروادة) إلى وسيلة غدر وخداع، فانعدمت الثقة بين البشر، فكان محتما عليه أن يدفع ثمن ذلك عشر سنوات من عمره، في رحلة كان يمكن أن تستغرق أسابيع قليلة، فالمسافة التي تفصل أوديسيوس عن إيثاكا لم تكن جغرافية بقدر ما كانت مسافة صنعتها الآلهة، وأخطاؤه وأخطاء رفاقه. وقانون زيوس يتجلى في محطات كثيرة في الفيلم ومن دون فهمه يعيش مُشاهِد الفيلم تيها مشابها لتيه أوديسيوس، فخُطّاب بينيلوبي زوجة أوديسيوس خالفوا بدورهم هذا القانون وهم الضيوف، حين استغلوا غيبة أوديسيوس فاستهلكوا لعشر سنوات كاملة خيرات القصر وأهانوا أصحابه، وينطبق الأمر نفسه على الساحرة سيرسي التي حوّلت ضيوفها إلى خنازير في مشهدية مذهلة ومقززة في آن واحد، وكذلك كاليبسو التي منعت ضيفها من الرحيل لسبع سنوات كاملة.
وفكرة قانون زيوس المركزية عند نولان لا تكتسي الأهمية نفسها عند هوميروس الذي يجعل الضيافة المقدسة معيارا للسلوك داخل عالم تحكمه الآلهة، في حين حوّلها نولان إلى قانون شبه كوني يفسّر انهيار ذلك العالم كله. فحصان طروادة الذي كان عند هوميروس انتصارا للدهاء، صار عند نولان أداة للخداع. وليس هذا الاختلاف الوحيد بين هوميروس ونولان، فأكبر الاختلافات استبعاد الآلهة في الأوديسة النولانية، فبدل صراع أوديسيوس مع إرادات الآلهة أصبح صراعه مع ذاكرته ومسؤوليته. فأوديسيوس الذي يبدو عند هوميروس «رجلاً كثير الحيل شجاعاً ومخادعاً، صبوراً ومتباهياً، قادراً على النجاة، ومسؤولا في الوقت نفسه عن كثير من مصائبه»، يغدو عند كريستوفر نولان رجلاً ذكيّا شجاعا، أنهكته الحرب وأثقلَه الذنب، يشكّ في بطولته، ويعود من أجل الخلاص لا المجد. وتغييب الآلهة يلاحظه كل من له أدنى اطلاع على الأوديسة الهوميرية، ففي الفيلم لا نسمع بزيوس إلا من خلال قانونه ويبقى بوسيدون إله البحر والعواصف قوة غير مرئية، وهو المعرقل الأساسي لعودة أوديسيوس انتقاما لابنه السيكلوب العملاق، أما أثينا الإلهة القوية التي تحمي أوديسيوس وابنه تليماخوس في النص الأصلي، فتبدو كأنها تجسيد لضميره أو رؤيته الداخلية، وحتى نهاية الأوديسة بين النص التاريخي والمعالجة السينمائية مختلفة، فعند هوميروس يستعيد أوديسيوس عرشه، وتوقف أثينا الحرب مع أقارب الخطّاب. أما في الفيلم فيتنازل أوديسيوس عن الحكم لابنه، ويبحر مع زوجته غرباً لتكريم رفاقه القتلى.
هذه الاختلافات بين الأصل الهوميري والصورة النولانية، ليست الاعتراض الوحيد على الفيلم فبقدر ما حظي بإشادة واسعة وتقييمات مرتفعة وشبه إجماع من النقاد على تميزه، ارتفعت أصوات وازنة أيضا لا تخلو من قسوة مثل رأي أرموند دانغور أستاذ الأدب الكلاسيكي في جامعة أكسفورد، الذي رأى أن فيلم الأوديسة هو «فيلم أكشن، مليء بالعنف الصريح. وقد صُمم في الأساس لترفيه جمهور عصري على دراية بأفلام مثل سيد الخواتم». فالأوديسة صُنعت للجمهور الذي يعشق مسلسلات صراع العروش والفايكنغ، وأفلام نهاية العالم التي تتضمن الزومبي، وأفلام الوحوش، فهي في رأيه «لا تحتوي على الكثير من العناصر الهوميرية، ولا تحمل أي روح يونانية على الإطلاق. لكنها أوديسة نولان، وليست أوديسة هوميروس».
وفي مقال نقدي من 4000 كلمة هاجمت إيميلي ويلسون بضراوة الفيلم ومخرجه، وهي مترجمة الأوديسة إلى الإنكليزية التي اعتمد كريستوفر نولان على ترجمتها في كتابة السيناريو، فكتبت عن الفيلم أحكاما شديدة فيها بعض التجني، إذ وجدت أنه يملك ضخامة المشهد، ولكنه يفتقر إلى ضخامة المعنى، فرأته عرضا سمعيا بصريا مناسبا للعائلة مثل عرض الألعاب النارية في عيد الاستقلال الأمريكي، وهو في رأيها فيلم مشوش للغاية وشخصياته غير مطورة بما فيه الكفاية، خاصة الشخصيات النسائية التي تبدو بسيطة، فكاليبسو لا تغضب أبداً، ولا تبدو مضحكة أبداً، وليست بارعة في الخطابة ثم هي في الفيلم معالجة نفسية غير مدفوعة الأجر. وبينيلوبي تُختزل في امرأة تنتظر زوجها، وانتقاد كريستوفر نولان على تسطيح الشخصيات النسائية أسال حبرا كثيرا يحتاج منا وقفة أطول. كما تذهب ويلسون إلى أن كتابة الحوار ليست من مواهب نولان، فاللغة تفسيرية بلا هوادة، خالية من الفكاهة ومملة، وقالت بقسوة «سأشعر بالخجل لو كنت قد كتبت أي جزء من هذا السيناريو»، ومع هذا تورد مفارقة لافتة في نهاية مقالها الطويل: فالفيلم الذي أخفق في نظرها في نقل العمق النفسي والأخلاقي للأوديسة، نجح في إعادة الجمهور إلى السينما، ودفع قراء جدداً إلى اكتشاف هوميروس.
وللإنصاف وبعيدا عن الانتقادات التي انصب معظمها على مضمون الأوديسة، قدم لنا كريستوفر نولان ثلاث ساعات من الفرجة السمعية البصرية، بثورة التصوير بكاميرات (IMAX 70mm) الضخمة، حيث استطاع مدير التصوير هويت فان هويتيما استغلال هذه التقنية لتقديم كادر يزاوج بين الضخامة البصرية للأمواج والجبال الهائلة، والاقتراب الدقيق والملامسة المباشرة لوجوه الممثلين وتفاصيل انفعالاتهم. وما بين أفق واسع يكاد يبتلع الإنسان، ولقطات قريبة نرى فيها آثار التعب والخوف والشعور بالذنب على وجه أوديسيوس، قدّم لنا كريستوفر نولان ملحمة غير خطية تقوم على التقطيع الزمني، تروي لنا حكاية رجل انتصر في الحرب، لكنه عجز عن مغادرتها نفسيا، مصحوبة بموسيقى استخدم الموسيقار لودفيغ غورانسون فيها تركيبات صوتية تعتمد على آلات نسيجية وإيقاعات بدائية تحاكي حركة الرياح والبحار، ممزوجة بصرخات وأصوات بشرية تخدم البعد الدرامي للعزلة والخوف.
خرجتُ من مشاهدة الفيلم منبهرة لكن مصحوبة بشعور أن حصان طروادة خدعني مجددا، ولكن هذه المرة على يد نولان لا أوديسيوس، حين علمت أنني شاهدت الفيلم على شاشة IMAX حقيقية، ولكنها ليست الشاشة المطلوبة التي تمنح التجربة البصرية الأكثر اكتمالا للفيلم، فصالة السينما المزودة بشاشات (IMAX 70mm) توجد منها 41 صالة فقط في العالم منها 25 في الولايات المتحدة ولا واحدة منها في عالمنا العربي كله. ومع هذا فالعالم المسحور الذي حبسنا فيه كريستوفر نولان يغفر لحصان طروادة خديعته الجديدة.
شاعرة وإعلامية من البحرين