حسين آيت أحمد كان يعلم بتوجهي المحافظ


الجزائر- “القدس العربي”: يثير ترشح السكرتير الأول السابق لجبهة القوى الاشتراكية محمد حاج جيلاني (2018-2019)، على قوائم البرلمان لحركة البناء ذات التوجه الإسلامي، جدلا واسعا بسبب البون الشاسع في التوجه الأيديولوجي والسياسي للحزبين، وهو ما جلب على هذا السياسي انتقادات كبيرة وصلت حد وصفه بالانتهازية.

وظهر محمد حاج جيلاني كمتصدر لقائمة حركة البناء الوطني التي يقودها عبد القادر بن قرينة، في ولاية عين الدفلى (150 كيلومتر غرب العاصمة)، وهو ينافس على مقعد في المجلس الشعبي الوطني خلال الانتخابات التشريعية التي ستجرى يوم الثاني من تموز/ يوليو المقبل.

وبينما يرى منتقدوه أن انتقاله من أحد أعرق أحزاب المعارضة الديمقراطية والعلمانية في الجزائر إلى حزب محسوب على التيار الإسلامي الموالي للسلطة، يمثل تناقضا سياسيا يصعب تفسيره، يرد الرجل بأن مساره لم يكن انتقالا بين نقيضين بقدر ما هو استمرار لقناعات يعتبر أنها ظلت ثابتة طوال سنوات نشاطه السياسي والنقابي والجمعوي.

وفي تصريح لـ”القدس العربي”، قال حاج جيلاني إن كثيرا مما جرى تداوله بشأن انتقاله السياسي بني على قراءة وصفها بالسطحية لمساره النضالي، مبرزا أنه لا ينظر إلى نفسه باعتباره “موظفا سياسيا” يؤدي وظيفة وفق رغبات الآخرين أو ينتظر بلوغ ما سماه “سن التقاعد السياسي”، وإنما مناضلا يسعى إلى مواصلة نشاطه أينما وجد الفضاء الذي يسمح له بالتعبير عن أفكاره، على حد قوله.

وعاد المتحدث إلى بداياته، مشيرا إلى أن انخراطه في العمل الجماعي سبق نشاطه الحزبي بسنوات طويلة، حيث بدأ ضمن صفوف الكشافة الإسلامية الجزائرية، ثم واصل نشاطه داخل الاتحاد العام للشبيبة الجزائرية خلال مرحلة الشباب، كما شارك في هياكل الهلال الأحمر الجزائري قبل التحاقه بالقطاع الصحي كموظف.

أما دخوله المعترك الحزبي، فيقول إنه يعود إلى سنة 2006 عندما التقى في مدينة جنيف السويسرية بالمجاهد الراحل حسين آيت أحمد خلال مشاركته في ملتقى دولي حول العمل النقابي نظم على هامش الندوة السنوية للمنظمة الدولية للعمل. وأضاف أن مؤسس جبهة القوى الاشتراكية اقترح عليه آنذاك الانضمام إلى الحزب وخوض العمل السياسي ضمن صفوفه.

وهنا، شدد حاج جيلاني على نقطة اعتبرها أساسية في الجدل الدائر حول انتقاله الحالي، إذ أكد أن حسين آيت أحمد كان على علم مسبق بتوجهاته الفكرية والسياسية. وقال إن الراحل، كما القيادة الوطنية للحزب آنذاك، كانا يعرفان جيدا أنه صاحب توجه “وطني محافظ”، مضيفا أن ما جمعه بجبهة القوى الاشتراكية لم يكن الانتماء إلى تيار علماني أو أيديولوجي معين، وإنما المرجعية الوطنية المشتركة المستمدة من بيان أول نوفمبر.

وأوضح أن كل الأحزاب الجزائرية، بمختلف توجهاتها، تستند بدرجات متفاوتة إلى مرجعية ثورة التحرير، وأنه لم يكن يوما من “المؤدلجين بالعلمانية”، كما لم يكن داعية إلى أي أيديولوجيا بعينها، معتبرا أن بعض منتقديه يحاولون تصويره بصورة لا تعكس حقيقة قناعاته.

وبخصوص خروجه من جبهة القوى الاشتراكية، أكد أن استقالته من رئاسة الأمانة الوطنية للحزب كانت بتاريخ 8 آذار/ مارس 2019، في سياق صراع داخلي قال إنه لم يبدأ مع توليه المسؤولية، بل تعود جذوره إلى سنة 2012 وتفاقم بشكل أكبر بعد وفاة حسين آيت أحمد.

وأضاف أن اشتداد الخلافات الداخلية حال دون استمراره في العمل داخل الحزب، ما دفعه إلى الانسحاب نهائيا أواخر سنة 2020. وأوضح أنه حاول بعد ذلك، رفقة عدد من رفاقه، تأسيس حزب سياسي جديد يتيح له مواصلة نشاطه، غير أنهم لم يتمكنوا من الحصول على الاعتماد القانوني.

اشتداد الخلافات الداخلية حال دون استمراره في العمل داخل حزب جبهة القوى الاشتراكية، ما دفعه إلى الانسحاب نهائيا أواخر سنة 2020

وقال إن تجربته داخل جبهة القوى الاشتراكية تبقى محطة يحترمها ويقدرها، لأنها مكنته من اكتساب خبرة مهمة في العمل السياسي، لكنه يرفض في الوقت ذاته أن يبقى “حبيس فضاء أو إطار يصادر رأيه أو يسجن قناعاته”، على حد تعبيره.

وفي معرض حديثه، تطرق المتحدث أيضا إلى مشاركته في الانتخابات المحلية لسنة 2021، تحت راية جبهة التحرير الوطني، مبرزا أنه ترشح آنذاك استجابة لنداء أبناء منطقته للمساهمة في التنمية المحلية، حيث تم في البداية إعداد قائمة حرة قبل أن تفرض الظروف السياسية والتنظيمية لذلك الوقت التحالف مع حزب جبهة التحرير الوطني والدخول ضمن قائمة موحدة تحت غطائه.

وأكد أن ذلك التحالف كان خيارا استراتيجيا فرضته معطيات المرحلة والرغبة في خدمة المواطنين من داخل المؤسسات المنتخبة، نافيا أن يكون مرتبطا بالسعي إلى المناصب أو التخلي عن قناعاته الوطنية.

أما عن انضمامه إلى حركة البناء الوطني، أوضح حاج جيلاني أن القرار لم يكن وليد ظرف انتخابي أو بحثا عن موقع سياسي جديد، بل جاء بعد ما وصفه بدراسة وتقييم للمرحلة الحالية ومتطلبات العمل السياسي. وكشف أنه التحق بالحركة منذ أواخر سنة 2023 بدعوة من إطاراتها على مستوى ولاية عين الدفلى.

وأضاف أن اختياره حركة البناء استند إلى قناعة بأنها تمثل “تيارا وطنيا جامعا” يؤمن بالدولة الوطنية ويفتح المجال أمام الكفاءات والنقابيين للمساهمة في بناء الجزائر الجديدة بعيدا عن منطق الإقصاء.

ومن هذا المنطلق، قال إنه لا يعتبر نفسه قد غيّر اتجاهه السياسي، بل اختار إطارا جديدا يرى أنه يتقاسم معه المبادئ والقناعات التي ظل يدافع عنها منذ سنوات، ويوفر له مساحة أوسع لخدمة سكان ولايته وتمثيل انشغالاتهم داخل البرلمان.

كما اعتبر أن تزكيته على رأس قائمة الحركة في عين الدفلى تعكس الثقة في رصيده النضالي وخبرته السياسية، وليست دليلا على انتهازية أو بحث عن مكاسب شخصية كما يروج البعض.

وانتقد ما وصفه بمحاولة حصر المناضل داخل قالب أيديولوجي جامد طيلة حياته السياسية، معتبرا أن المرونة السياسية والقدرة على بناء التوافقات الوطنية تمثلان شكلا من أشكال الوعي السياسي، وأن الأحزاب تبقى أدوات للعمل السياسي وليست هويات مغلقة أو عقائد ثابتة، على حد وصفه.

وللدفاع عن وجهة نظره، استحضر عدة أمثلة من التاريخ السياسي الدولي، مشيرا إلى أن الرئيس الأمريكي الراحل رونالد ريغان انتقل من الحزب الديمقراطي إلى الحزب الجمهوري، كما ذكر حالات أخرى لشخصيات سياسية غيّرت انتماءاتها الحزبية، مثل البروفيسور أبركان، الذي كان عضوا قياديا بالمكتب السياسي لجبهة التحرير ووزيرا في الحكومة قبل أن يصبح مرشح بلدية الخروب في قسنطينة تحت غطاء جبهة القوى الاشتراكية، وفق ما قال.

وشهدت الجزائر خلال الفترة الأخيرة تشديدا متزايدا على ظاهرة “التجوال السياسي” التي لطالما أثارت جدلا واسعا في الساحة الحزبية، حيث تضمن قانون الأحزاب الجديد أحكاما تمنع المنتخبين من تغيير انتماءاتهم السياسية، في إطار مسعى معلن للحد من الانتقالات المرتبطة بالمواعيد الانتخابية. كما ذهبت السلطة الوطنية للانتخابات، قبيل تشريعيات 2026، إلى منع النواب والمنتخبين المحليين الذين فازوا تحت راية أحزاب معينة من الترشح ضمن قوائم تشكيلات سياسية أخرى، معتبرة أن الإجراء يهدف إلى ترسيخ أخلاقيات العمل الحزبي واحترام الإرادة الانتخابية للناخبين الذين منحوا أصواتهم لقوائم حزبية محددة.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *