نواكشوط –«القدس العربي»: لم تعد حرية الصحافة في موريتانيا التي اختارت مبكرًا تحرير الكلمة كمدخل للإصلاح، محل جدل بقدر ما أصبح السؤال الأهم: كيف يمكن تحويل هذه الحرية إلى ممارسة مهنية مستقرة وقادرة على الصمود؟
وفي خضم إحياء الثالث مايو، اليوم العالمي لحرية الصحافة، تتكشف في موريتانيا ملامح قطاع إعلامي يعيش مرحلة انتقالية دقيقة، تتداخل فيها الإنجازات مع الإخفاقات بين نصوص قانونية متقدمة نسبيًا وواقع مهني مضطرب.
وفي سياق إقليمي يتسم بتراجع عام في حرية الصحافة، حيث تواجه عشرات الدول أوضاعًا صعبة أو خطيرة، تبدو موريتانيا في موقع أفضل نسبيًا، لكن هذا التفوق يضعها أمام مسؤولية مضاعفة للحفاظ عليه وتطويره، خاصة في ظل تحولات متسارعة داخل البيئة الإعلامية.
وعلى المستوى المهني، تتقاطع هذه المعطيات مع مواقف الهيئات المحلية، إذ تؤكد نقابة الصحفيين الموريتانيين أن حرية الصحافة لا تكتمل دون ضمان كرامة الصحفي وتحسين ظروف عمله، فيما تحذر رابطة الصحفيين الموريتانيين من تمييع المهنة نتيجة الخلط بين الصحفيين وصناع المحتوى، ومن غياب استراتيجية واضحة لإصلاح القطاع.
في المقابل، يعكس الخطاب الرسمي تمسكًا بخيار تعزيز الحريات؛ فقد أكد وزير الثقافة الحسين ولد مدو أن حرية التعبير تشكل ركيزة أساسية في المشروع الوطني للرئيس، مشددًا على التزام الحكومة بتحويل هذا التوجه إلى إصلاحات ملموسة. وأوضح خلال احتفالية اليوم العالمي لحرية الصحافة، أن موريتانيا تتصدر الدول العربية في هذا المجال وتعزز مكانتها قارياً، معتبرًا أن ما تحقق يمثل مكسبًا ينبغي البناء عليه.
وفي سياق التحولات الراهنة، لفت الوزير إلى أن القطاع الإعلامي يواجه تحديات جديدة مرتبطة بالثورة الرقمية، وعلى رأسها صعود الذكاء الاصطناعي، وما يرافقه من إشكالات تتعلق بمصداقية المحتوى وانتشار الأخبار الزائفة وخطابات الكراهية. كما أشار إلى أن الحكومة تعمل على مسارات متوازية تشمل تطوير الإطار القانوني والتنظيمي، وزيادة الدعم العمومي للمؤسسات الإعلامية، وتوسيع حضور الإعلام العمومي في الداخل، إضافة إلى دعم المحتوى باللغات الوطنية لتعزيز التماسك الاجتماعي.وفي هذه الأثناء، أظهر تقرير منظمة مراسلون بلا حدود السنوي عن حرية الإعلام، أن موريتانيا سجلت تراجعًا جديدًا في التصنيف العالمي، حيث حلت في المرتبة 61 بعد أن كانت في المرتبة 50 العام الماضي، أي بخسارة 11 مركزًا إضافيًا، وذلك بعد تراجع سابق بـ17 مرتبة دفعة واحدة من المركز 33 إلى 50. ويعكس هذا المسار التراجعي المتسارع، وفق قراءة تحليلية، اختلالات لم تعد ظرفية، بل أصبحت بنيوية تمس البيئة القانونية والمهنية والاقتصادية في آن واحد.
التقدم عربيا
ورغم هذا التراجع، لا تزال موريتانيا تحتفظ بموقع متقدم نسبيًا عربيًا، وهو ما يعكس استمرار هامش من الحرية مقارنة بدول الجوار.
غير أن هذا التقدم النسبي يخفي وراءه فجوة متنامية بين الإطار القانوني والتطبيق العملي؛ فمنذ إلغاء تجريم جرائم الصحافة سنة 2011، وتعزيز التشريعات المتعلقة بحرية التعبير والوصول إلى المعلومات، بدا أن موريتانيا تؤسس لمنظومة إعلامية منفتحة، غير أن ممارسات ميدانية وتأويلات قانونية، خاصة فيما يتعلق بقانون حماية الرموز الوطنية الصادر عام 2021، تثير مخاوف من إمكانية تقييد العمل الصحفي.
في تفسير أعمق لهذا التراجع، يرى أسامة بو عجيلة مدير مكتب مراسلون بلا حدود في شمال إفريقيا، أن الإشكال الجوهري لا يكمن في غياب الإصلاحات، بل في عدم تنفيذها.
ويؤكد أن التعهدات التي أطلقت منذ بداية مأمورية الرئيس محمد ولد الغزواني، سواء على المستوى القانوني أو الهيكلي، لم تجد طريقها الكامل إلى التطبيق، خاصة فيما يتعلق بحماية الصحفيين وتحسين الممارسات الأمنية تجاههم.
ويضيف أن بعض التجاوزات التي سُجلت خلال العام الماضي، خصوصًا أثناء التغطيات الميدانية، ساهمت في تراجع ترتيب البلاد، حتى وإن وُصفت بأنها حالات فردية، فإن غياب المحاسبة، حسب رأيه، يحولها إلى مؤشر مقلق؛ كما يبرز العامل الاقتصادي، وفقا لتحليله، كأحد أبرز مكامن الضعف، حيث لا تزال أوضاع الصحفيين هشة رغم بعض الخطوات الإيجابية، ما ينعكس على استقلاليتهم وجودة أدائهم المهني.
هذا وتوضح القراءة المتأنية للمشهد أن التحدي الحقيقي لا يكمن في غياب الرؤية أو التشخيص، بل في القدرة على تحويل هذه التوجهات إلى سياسات فعالة ونتائج ملموسة؛ فالتقدم النسبي الذي تحققه موريتانيا في محيطها الإقليمي لا يمكن أن يكون بديلاً عن إصلاحات عميقة تعالج جذور الأزمة، خاصة على مستوى الاستقلالية الاقتصادية، والتنظيم المهني، وحماية الصحفيين.
بين المؤشر والطموح
الحقيقة أن الصحافة الموريتانية اليوم تعيش لحظة مفصلية، حيث لم يعد كافيًا الحفاظ على هامش الحرية، بل أصبح من الضروري بناء منظومة إعلامية متماسكة قادرة على مواجهة التحديات الجديدة، فالتراجع في المؤشرات الدولية، رغم رمزيته، يعكس واقعًا يتطلب مراجعة شاملة.
وبين خطاب رسمي يؤكد الالتزام بالإصلاح، ومطالب مهنية تدعو إلى إجراءات ملموسة، يبقى مستقبل القطاع مرهونًا بمدى القدرة على سد الفجوة بين التعهد والتنفيذ.
إنها لحظة اختبار حقيقية: إما أن تتحول إلى نقطة انطلاق نحو إعلام أكثر مهنية واستقلالًا، أو أن تستمر حالة التوازن الهش التي تطبع المشهد منذ سنوات.