لندن- “القدس العربي”: نشرت مجلة “فورين أفيرز” مقالا لمدير مشروع القرن الأفريقي في “مجموعة الأزمات الدولية”، آلان بوزويل، قال فيه إن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو صرح أمام الكونغرس، في 3 حزيران/ يونيو، بأن القتال المستعر منذ ثلاث سنوات في السودان قد تحول الآن إلى “حرب بالوكالة”، محملا المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة مسؤولية عرقلة الجهود الأمريكية الرامية لإنهاء الصراع.
وعليه، يعد اتساع نطاق الصراع في السودان جزءا من تحول جيوسياسي أكبر، فعلى مدى معظم القرن الماضي، تعامل صناع السياسات مع منطقة القرن الأفريقي وشبه الجزيرة العربية كمنطقتين استراتيجيتين منفصلتين يفصل بينهما البحر الأحمر. غير أن هذا التمييز بدأ يتلاشى الآن، إذ أصبحت الحروب الدائرة على أحد جانبي البحر تؤثر بشكل متزايد على الحسابات العسكرية في الجانب الآخر. ويزداد هذا التشابك عمقا في أعقاب قرار الولايات المتحدة وإسرائيل في شهر شباط/ فبراير شن حرب على إيران، وهو قرار أدى إلى تعميق الخلاف بين أبوظبي والرياض، وإضعاف النظام الأمني الذي ترعاه الولايات المتحدة في المنطقة، فضلا عن تسليط الضوء على أهمية تأمين البحر الأحمر لحركة الملاحة البحرية.
وأشار بوزويل إلى أن دولة الإمارات كانت خلال العقد الماضي اللاعب الخارجي الأكثر نشاطا وتدخلا في منطقة القرن الأفريقي، حيث عملت على إنشاء موانئ وقواعد عسكرية وقدمت حزم مساعدات مالية ضخمة لحلفاء رئيسيين وانخرطت بشكل مكثف في الحرب الأهلية السودانية.
إلا أن الحرب الأخيرة على إيران، إلى جانب انهيار الشراكة الأمنية الإماراتية السعودية في اليمن في كانون الأول/ ديسمبر الماضي، جعلت الرياض أقل ثقة في الحماية الأمريكية، وأكثر قلقا بشأن العلاقات الأمنية الإماراتية الإسرائيلية، وأكثر تصميما على التحكم في المشهد الأمني للبحر الأحمر. وفي ظل توجه السعودية نحو تعزيز تحالفاتها مع مصر وتركيا وباكستان، فقد وظفت هذا التوجه لتقوية شراكاتها الاستراتيجية في منطقة القرن الأفريقي. وهي تسعى لمواجهة الفصائل المدعومة من الإمارات أو إسرائيل في المنطقة، بالتزامن مع جهودها لاحتواء التهديدات الصادرة عن إيران وحلفائها، بمن فيهم الحوثيون الذين سيطروا على ساحل اليمن المطل على البحر الأحمر.
وفي الوقت نفسه، تتزايد مخاطر اندلاع صراع بين القوات المسلحة السودانية (المدعومة من السعودية وحلفائها) وإثيوبيا (حليفة الإمارات)، فضلا عن احتمالية نشوب حرب مباشرة أخرى بين إثيوبيا وإريتريا.
ويضيف بوزويل أن بعض حكومات الشرق الأوسط، نظرت في السابق إلى القرن الأفريقي باعتباره ساحة ذات أهمية محدودة، يمكنها التنافس فيها لكسب النفوذ بتكلفة منخفضة نسبيا. ولكن مع تزايد الارتباط الوثيق بين الحروب في الشرق الأوسط وتلك الدائرة في القرن الأفريقي، بدأت تتشكل “منطقة أمنية موحدة”. وما لم يدرك القادة في كل من الشرق الأوسط والقرن الأفريقي مدى ترابط معضلاتهم الأمنية، فإن حالة عدم الاستقرار ستستمر في الانتقال والتأثير المتبادل بين المنطقتين، مما سيجعل تسوية الصراعات والنزاعات المتداخلة أكثر صعوبة.
ويعتقد أن هذا التشابك المتزايد بين القرن الأفريقي والشرق الأوسط، يمثل عودة إلى نمط تاريخي قديم، فعلى مدى آلاف السنين، كان البحر يربط بين المناطق التي تعرف اليوم بجيبوتي وإريتريا وإثيوبيا واليمن، وشهدت هذه المناطق حركة منتظمة للبشر والبضائع والاتجاهات الثقافية فيما بينها.
ومع ذلك، بدأت فجوة تفصل بين ضفتي البحر الأحمر تترسخ منذ القرن العشرين، إذ أدت الحقبة الاستعمارية الأوروبية وصعود الحركات القومية إلى قطع روابط الحكم التي كانت تمتد عبر مياه البحر الأحمر وخليج عدن. ورغم ذلك تدفقت ثروات الخليج العربي نحو الدول الأفريقية المجاورة، بينما انتقلت الأيدي العاملة والصادرات الأفريقية في الاتجاه المعاكس. غير أن الهوة السياسية بين الساحلين العربي والأفريقي للبحر الأحمر اتسعت أكثر فأكثر بعد انتهاء الحرب الباردة. فقد أحدثت حرب الخليج الأولى (1990-1991) اضطرابات هائلة في الشرق الأوسط ووسعت نطاق الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، مما منح دول الخليج فرصة للابتعاد عن الانشغال المباشر بشؤون جوارها القريب. وفي الوقت نفسه تقريبا، بدأت الكيانات السياسية في منطقة القرن الأفريقي تتفكك، إذ دفع انهيار الصومال منطقة “أرض الصومال” وهي مستعمرة بريطانية سابقة تقع على خليج عدن- إلى إعلان استقلالها عام 1991. كما أدى تغيير النظام في إثيوبيا إلى انفصال إريتريا عام 1993، في حين أفضت الحرب الأهلية المحتدمة في السودان في نهاية المطاف إلى انفصال جنوب السودان عام 2011.
وخلال اضطرابات “الربيع العربي”، بدأت منطقة القرن الأفريقي تنجذب مجددا نحو دائرة النفوذ في الشرق الأوسط. وفي تحول محوري عام 2011، أصبح رجب طيب أردوغان، الزعيم التركي، أول قائد غير أفريقي يزور مقديشو، عاصمة الصومال، منذ نحو 20 عاما، وذلك في إطار سعيه لتوسيع النفوذ التركي في المنطقة. كما أدت الانتفاضات إلى زعزعة الاستقرار في اليمن، مما مهد الطريق أمام سيطرة الحوثيين على أجزاء واسعة من البلاد عام 2014. وقد عزز قرار السعودية والإمارات بالتدخل العسكري ضد الحوثيين عام 2015 من الأهمية الاستراتيجية لمنطقة القرن الأفريقي.
وفي الوقت نفسه، بدأت دول الشرق الأوسط تشكك في الالتزامات الأمنية الأمريكية تجاه المنطقة، وذلك في ظل سياسة “التحول نحو آسيا” التي روجت لها إدارة أوباما على نطاق واسع، والمسار الدبلوماسي مع إيران، مما سرع من وتيرة سعي هذه الدول لتأمين مصالحها في نطاق جغرافي أوسع. فمثلا راهنت الإمارات على الزعيم الإثيوبي آبي أحمد الذي تولى السلطة عام 2018 من خلال دعم نظامه بضخ مبلغ أولي قدره 3 مليارات دولار، وتقديم دعم عسكري حيوي عندما واجه تمردا في إقليم تيغراي.
كما أدت الحرب الكارثية في السودان إلى زيادة ترابط منطقة القرن الأفريقي بالشرق الأوسط. عندما هددت الاحتجاجات الحاشدة عام 2019 بإسقاط نظام البشير في الخرطوم، دعمت كل من أبوظبي والرياض المجلس العسكري الذي استولى على السلطة. وبعد أن انقلب قائدا المجلس العسكري أحدهما على الآخر في عام 2023، برزت الإمارات باعتبارها الداعم الرئيسي لقوات الدعم السريع في السودان. وكانت السعودية أيضا ترتبط بعلاقات تاريخية مع قوات الدعم السريع وحاولت في البداية التوسط بين الطرفين، إلا أن نطاق التدخل الإماراتي دفع الرياض في نهاية المطاف إلى دعم القوات المسلحة السودانية بشكل أكثر حزما لتصبح بذلك السعودية الحليف الأهم للجيش السوداني.
ويبدو أن التوترات بين أبوظبي والرياض بشأن الحرب في السودان قد ساهمت في تفكك الشراكة الإماراتية- السعودية الرامية لمواجهة الحوثيين. ففي كانون الأول/ ديسمبر 2025، طالبت السعودية والحكومة اليمنية دولة الإمارات بالانسحاب من البلاد عقب هجوم مفاجئ شنته قوات انفصالية مدعومة إماراتيا بالقرب من الحدود السعودية. وفي الشهر نفسه، أصبحت إسرائيل أول دولة تعترف باستقلال “صوماليلاند”. وقد عارضت كل من مصر والسعودية وتركيا -إلى جانب دول أخرى في أفريقيا والشرق الأوسط- هذه الخطوة بشدة، في حين التزمت الإمارات الصمت، مما أدى إلى تفاقم التوترات داخل البيت الخليجي.
ولهذا، فقد أعاق الخلاف الإماراتي- السعودي الذي زادت حدته بسبب تعقيدات السياسة في القرن الأفريقي، التوصل إلى رد خليجي موحد عقب إعلان الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب على إيران في شباط/ فبراير. وأدت الحرب ذاتها إلى زيادة تشابك الأوضاع بين منطقة القرن الأفريقي والشرق الأوسط بشكل أكبر؛ إذ سعت السعودية لحماية نفسها عبر اتفاقيات أمنية إقليمية وتحالفات دبلوماسية جديدة، بينما عززت الإمارات شراكاتها الأمنية مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
وكثفت السعودية انخراطها في الشؤون السودانية والصومالية بالتنسيق مع مصر وتركيا، ويبدو أن هذا الدعم قد ساهم في المكاسب الميدانية الأخيرة التي حققتها القوات المسلحة السودانية، وشجّع قادتها على مواصلة رفض مقترحات الهدنة الأمريكية.
إن تزايد انخراط دول الشرق الأوسط في شؤون القرن الأفريقي يرفع من احتمالية اندماج الصراعات الداخلية في كل من إثيوبيا والسودان لتشكل ساحة حرب إقليمية أوسع نطاقا. فقد ساهم تدفق الدعم العسكري الإماراتي لقوات الدعم السريع عبر إثيوبيا في تأجيج حالة انعدام الثقة بين الخرطوم وأديس أبابا. وفي المقابل، تتهم إثيوبيا القوات المسلحة السودانية بتوفير ملاذ آمن لآلاف المقاتلين الموالين لـ”جبهة تحرير شعب تيغراي”، التي ألغت فعليا في أبريل/نيسان اتفاق سلام أُبرم عام 2022 واستعادت السيطرة على إقليم تيغراي الإثيوبي.
وفي الصومال، تتشابك الصراعات السياسية الممتدة منذ فترة طويلة بشكل متزايد مع النزاعات الأمنية المتفاقمة في الشرق الأوسط. فقد أثار اعتراف إسرائيل بـ”صوماليلاند” قلقا عميقا لدى كل من مصر وتركيا والمملكة العربية السعودية. وردا على ذلك، وقعت مقديشو في أوائل عام 2026 اتفاقية رسمية للتعاون الدفاعي مع الرياض، وألغت الاتفاقيات الأمنية والاقتصادية القائمة مع أبوظبي.
وكانت الإمارات قد عززت تحالفها مع جمهورية أرض الصومال الانفصالية من خلال إنشاء بنية تحتية عسكرية رئيسية هناك وتحديث ميناء حيوي في مدينة بربرة، كما أنشأت موقعا عسكريا وسيطرت على ميناء بوصاصو في منطقة “بونتلاند” المجاورة التي تتمتع بحكم شبه ذاتي وتعيش حالة من الخلاف مع الحكومة الفيدرالية الصومالية منذ سنوات. ومع توسيع الحوثيين في اليمن نطاق عملياتهم حول مضيق باب المندب وتجديد هجماتهم على السعودية، أفادت تقارير بأنهم يسعون أيضا لترسيخ موطئ قدم لهم في منطقة القرن الأفريقي، لا سيما من خلال التعاون مع حركة “الشباب” الإسلامية المتمردة التي تسيطر على مساحات واسعة من جنوب الصومال.
يأتي توسع الشرق الأوسط نحو منطقة القرن الأفريقي ليملأ فراغا تركه الآخرون؛ فقد شجّع التراجع العام للولايات المتحدة عن الانخراط في الدبلوماسية وتقديم المساعدات في أفريقيا قادةَ دول القرن الأفريقي على البحث عن شراكات في أماكن أخرى.
ويرى الكاتب أن تجدد اندماج منطقة القرن الأفريقي مع الشرق الأوسط الأوسع ليس توجها سلبيا في حد ذاته. إلا أن طريقة الاندماج تجري بشكل كبير عبر حروب بالوكالة وتدفقات السلاح. وتكمن المخاطر الكبرى في حال استمرت بعض حكومات الشرق الأوسط في التصرف وكأن بإمكانها دعم فصائل متحاربة مختلفة في القرن الأفريقي دون تحمل العواقب، وفي حال سعت حكومات القرن الأفريقي للحصول على رعاية شرق أوسطية بهدف تسليح نفسها في المقام الأول لمواجهة خصوم محليين. ويتطلب وقف هذا المسار من السعودية والإمارات العربية المتحدة الاتفاق على العمل معا لخفض حدة الصراع في القرن الأفريقي قبل اندلاع حرب إقليمية جديدة.