بمناسبة صدور كتابه السيرذاتي «تأتي الذكريات لمُلاقاتي» (Les souvenirs viennent à ma rencontre)، أجرى كريستيان ديسكامب وتيفان سامويو حوارا مُطوّلا مع المفكر الفرنسي الراحل إدغار موران (1921- 2026)، وفيه أثارا أبرز معالم فكره التي استعادها في هذا الكتاب، وانتسجت خلال القرن العشرين. لكن نأخذ من هذا الحوار (بتصرف) ما يفيد الطابع السيري للكتاب، وما له علاقةٌ بمنهج التعقيد، وبتأثير الأدب في سيرة موران وفكره المركب.
*بخصوص نهجك، تقول بطريقة ساخرة: «للأسف، أنا من عائلة جان جاك روسو». فما الذي يميّز هذا الكتاب عن نصوصك السيرذاتية الأخرى؟
– كتبتُ من قبل نصوصاً ذات طابع سيرذاتي، لكنها كانت تتركّز أساساً على تطوري الفكري. أما الجانب المعيش من حياتي فكان يوجد دائماً في مرتبة دنيا. في هذا الكتاب، كان الدافع الأول هو أن أستعيد حياتي وشخصيّاتٍ طالما قدّرتهم وأعجبت بهم، وظلّ كثيرٌ منهم مجهولين، لاسيّما أولئك الذين شاركوا في المقاومة. أردتُ تأليف كتاب بعنوان: «أصدقائي، أبطالي». أثناء التفكير، أخذت شذراتٌ من الذكريات تنادي عليّ تباعاً. فأردت أن أترك الذكريات يتداعى بعضها من بعض، وأن تشكّل طرازا دائريا يضمّ إليه كل أولئك الأشخاص الذين عرفتهم. لم تكن ٍمذكّرات مرتّبة ترتيباً زمنياً، ولا هي تستعيدها بتمامها. لكن لنقل إن الكتاب يمثّل الجزء الأكثر شخصية من ذاتي، والذي أعتزّ به أكثر من غيره.
وبهذا المعنى، أقول عن نفسي بأنني ابْنُ روسو؛ فالكثير ممن يروون حياتهم يسعون إلى اختلاق صورة مثالية عن أنفسهم. أما أنا فأحاول أن أنزع عن نفسي هذه الصورة، لأظهر أنني أعيش بالأفكار بقدر ما أعيش بالتفاصيل الصغيرة، وأن كليهما معاً يخلق نسيج الحياة. وقد كنت أفعل ذلك بالفعل في يومياتي، غير أنني هذه المرّة فعلته على نطاق أوسع، وعلى امتداد الزمن الطويل الذي شكّل وجودي.
* في الوقت نفسه، لا يشعر القارئ بأن الكتاب يخضع لمنطق زمني وحيد.
– في البداية، حرصتُ على إعادة بناء نوع من النظام السِّيري. أردتُ أن أنطلق من سنوات ما قبل الحرب، ومن فترة «الحرب الزائفة»، ثم من الاحتلال فالمقاومة. بعد ذلك، تركتُ لنفسي قدراً من الفنتازيا، وسمحتُ لطبقات مختلفة من الذكريات أن تتقاطع بينها، حسبما تمليه الذاكرة وتقلباتها..
*في هذا الكتاب نرى كيف تولّدت فكرة «التعقيد» داخل مجالات متعددة: التاريخ، والفلسفة، والعلوم. وأنت تنتقل باستمرار من السيرة إلى القضايا الكبرى للفلسفة، مستنداً إلى تصور للعلم لا يقوم على سلطة أو حقيقة مطلقة.
– أعتقد أنني، بحكم كوني شخصاً لم يتلقَّ ثقافة جاهزة من أسرته أو من والده، اضطررت إلى أن أكوّن نفسي بنفسي. فأنا من مواليد سنة 1921، وقد عشتُ في زمن مضطرب، كانت تُعرض فيه على المواطنين حلول متعارضة أشدّ التعارض، وكانت تُطرح على البشر مشكلات تزداد تعقيداً وإثارة للقلق. لذلك وجدتُ نفسي، بصورة طبيعية تقريباً، مدفوعاً إلى التساؤل حول المجتمع والسياسة والإنسان ومصيرنا المشترك. ولأنني كنت ذا طبيعة منفتحة نوعاً ما، فقد كنت أتأثر بالأفكار المتعارضة. إذا قيل لي: «يجب أن نحدث ثورة شاملة»، أجيب: «نعم». وإذا قيل لي: «إن الثورات تُفضي إلى نتائج قد تناقض نواياها، ولذلك ينبغي إجراء إصلاحات»، كنت أجيب أيضاً: «نعم». ففي الحالتين معاً ثمة شيء من الحقيقة. وأحياناً كنت أجد صيغة تركيبية. فعلى سبيل المثال، عندما بلغت الثامنة عشرة من عمري، انضممتُ إلى حزب صغير كان يناضل في الوقت نفسه ضد الفاشية وضد الشيوعية الستالينية. وقد بدا لي الأمر مقبولاً. وعلاوةً على ذلك، كنا نفكر أنه يجب تجديد الديمقراطية. في بعض اللحظات، كان لي إحساس بالتركيب بين الاتجاهين، ولكن عندما اندلعت الحرب، انهار كل شيء، فلم يعد ثمة مثل هذا «الطريق الثالث». عندئذٍ أصبحت أكثر راديكالية، وكبتُّ في داخلي أشياء كثيرة، وصرتُ شيوعيّاً. لقد امتلكت حساسية كبيرة تجاه الرسائل التي تحملها الأحداث، وأعتقد أيضاً أنني اكتسبت، في ما بعد، قدرة على مقاومة ما يمكن تسميته بـ«الهستيريا السياسية»، الحركات الجماعية.
* لقد قلتَ ذلك مثلاً بشأن هيدغر: فلم ترغب إطلاقًا في وصمه رغم انخراطه.
– تماماً. لم أنسق وراء التابوهات والأحكام الواصمة.
*يمتدّ مفهوم التعقيد عبر مجمل أعمالك، سواء في المجال التاريخي، أو في المجال النظري. لقد ابتكرتَ نوعاً من التخصص الذي يعيد النظر في الطريقة التي يتعقّد بها العلم. فمختلف حلقات المعرفة العلمية تتصارع في ما بينها، وغالباً ما تمنح تناقضاتٍ مثمرة.
– بمجرّد أن نتأمل قليلاً في العلم، ولستُ الوحيد الذي فعل ذلك، ندرك أنه أكثر قابلية للتغير من اللاهوت نفسه. فمعظم النظريات الكبرى التي سادت في القرن التاسع عشر اختفت، ولم يبق منها سوى اثنتين. ومع ذلك ظلّت هناك قوة هائلة للنزعة الدوغمائية، التي كانت تعتقد بإمكان اختزال كل شيء إلى عناصره الأساسية، والقول إن الحتمية هي كونية. لقد تغيّرت دراسة سلوك الحيوانات بفضل تجارب أظهرت أن الوصف المتأني أكثر خصوبة من السعي إلى فرض قانون في حصر موضوع علمي داخل حدود مغلقة. فحين نفكّر في المعارف مجتمعةً، يتبيّن لنا أن كل شيء مرتبط ببعضه بعضا. لكن المؤسف أننا ما زلنا نلاحق أسطورة «التوحيد الشامل»، في حين أن خاصية الكون هي أنه لا يمكن اختزاله إلى كلمة رئيسية.
*ومع ذلك، حين شرعت في كتابة «المنهج»، انطلقتَ من تخصص محدد هو علم الاجتماع، خاصة بعد عملك الميداني الطويل في قرية بلوزيفيه.
– تكويني بدأ بإجازة في التاريخ والجغرافيا، ثم إجازة في القانون. كما تابعت دروساً في الفلسفة، وكانت لي ثقافة معتبرة في الرواية والشعر والأدب. وبالطبع، أثار علم الاجتماع اهتمامي، لكن التاريخ أكثر من أسهم في تكويني. التحقت بالمركز الوطني للبحث العلمي (CNRS) ضمن شعبة علم الاجتماع، لكن ذلك لم يكن سوى جزء من مسعاي الأنثروبولوجي، إذا شئت القول. فأنا أعتبر نفسي عالِمَ إنسان (Humanologue)، يهتم بمعرفة الإنسان في أبعاده الثلاثة: الفرد والمجتمع والنوع، وكذلك بمعرفة المعرفة نفسها. وردت علي التجربة من الشيوعية، فقد تساءلت: كيف لواحدٍ مثلي يدعي بأنه ذكي، ويملك كل عناصر المعرفة، أنه يمكنه أن يكبتها ويختلق الذرائع لتبرير أمرٍ مثل الشيوعية الستالينية، التي كانت في نهاية المطاف أشبه بِـدِينٍ؟ كنت غارقاً في وهمي إلى درجة أنني لم أعد أراه مجرد مشكلة شخصية، بل اعتبرته مشكلة حياتية عامة تطرح نفسها على الجميع.
* رؤيتك للعلوم تأخذ بعين الاعتبار أزمة الأسس، فالعلوم المعاصرة أصبحت، في الواقع، تخترقها أسئلة فلسفية.
– بالفعل، إن أزمات الأسس التي تمسّ الكون والمجتمع والمعرفة مترابطة في ما بينها، وعلينا أن نتعامل مع غنى هذا التعقيد.
*تُكنّ تقديراً كبيراً لهيراقليطس، بقدر ما تطبق عقلاً يفسح المجال للتناقضات.
– يجبرنا التاريخ أن نجمع بين ماركس وشكسبير. مفهوم الهوبريس (Hubris) لا يظهر فقط لدى أصحاب جنون العظمة، بل إنه دفع مجتمعنا الغربي نحو الهيمنة المطلقة. لا يمكننا أن نضع الجنون في تعارض مع العقل؛ فبينهما تقاطعات مدهشة. وقد بيّنت مدرسة فرانكفورت بوضوح كيف يمكن للعقلنة أن تنزلق إلى أشكال من الهذيان. لهذا السبب يبدو لي مُهمّاً أن نتعلم ربط الأفكار التي تبدو متعارضة. فالإنسان العاقل(Homo sapiens) هو في الوقت نفسه الإنسان المجنون أو المنفعل (Homo demens) ، ومن مهام الفكر أن يكشف إمكانية التكامل بين المُتضادّات. ورثتُ ذلك من هيغل، لكن قمتُ بتعديله. فنحن نتغذى من التناقضات ونحيا بها، وهي لا تُحَلّ دائماً بالديالكتيك. وورثته كذلك من باسكال، الذي هو عندي الأنثروبولوجي الوحيد الذي أدرك بعمق أن الكائن البشري نسيج من المتناقضات؛ وهو ما نجده أيضاً في الأدب.
*مَفْهومك للتعقيد يُستَخدم كثيراً في الدراسات الأدبية. هل كنتَ تفترض ذلك في مجالات أخرى؟
-الرواية معقّدة، والأدب معقّد؛ ولهذا السبب يحتاج المتخصصون فيه إلى مفهوم التعقيد. غير أنه من خواصّ التخصصات أن يحدث قطع الخيوط التي تربطها ببعضها بعضا، ولذلك غالباً ما يُحجَب التعقيد. عدا علم مثل الإيكولوجيا، الذي ندرك أنه لا يستطيع أن يتقدم إلا مع غيره. وهذا بالذات ما لم ينجح فيه بعدُ داخل الجامعة.
*من المؤسف أن نرى إلى أي حد ما تزال الجامعة أسيرة لهذه التقسيمات التخصصية. فكيف أن كتبك تترك أثراً اجتماعيّاً حقيقيّاً، ومع ذلك تظلّ الجامعة مرتهنة بهذه التقسيمات.
– الجامعة الحديثة لم تظهر إلا بعد الزلزال التاريخي الذي أحدثته الثورة الفرنسية وفكر الأنوار. في بروسيا، قام ويلهلم فون هومبولدت بمطاردة اللاهوت في الجامعة، وأنشأ التخصصات. والنموذج السائد اليوم هو نموذج اصطناعي بقدر ما هو ثيولوجي، ولتغييره نحن بحاجة، على الأقل، إلى ثورة ذهنية. يضاف إلى ذلك أن الإدارة لا تزداد مع الأيام إلا تباطؤاً. لقد كان رولان بارت، في أواخر حياته، قد تخلّى عن السيميولوجيا المجردة واتجه نحو الأدب الملموس، نحو متعة النص. وليس ثمة من الأمور الأكثر تعقيداً مثل الرواية. وكما أوضح ميلان كونديرا بعمق، فالأدب هو المرصد الوحيد الذي يمكن من خلاله مراقبة الشرط الإنساني في جميع مظاهره. عندما أكتب، حتى عندما كنت أكتب «المنهج»، فإنني ألعب بالكلمات، وأشعر في أعماقي بأنني كاتب.
*الطلاق بين العلوم والفلسفة ظاهرة حديثة نسبياً، فجميع الفلاسفة الكبار كانوا يمتلكون ثقافة علمية حقيقية، واستمر ذلك إلى هوسرل على الأقل. وبين ظهرانينا فيزيائيون لا يعرفون أعمال غاليلي، كما أن عدداً كبيراً من الفلاسفة لا يعرفون علوم عصرهم.
– نشهد في أيامنا إفقاراً للثقافة العلمية وللإنسانيّات. ويمثل كلٌّ من جاك مونوJacques Monod وفرانسوا جاكوبFrançois Jacob استثناءً. ولأمرٌ حاسم أن تُحفظ الانعكاسية (réflexivité) . فكروا في كارك بوبر، وغاستون باشلار، وتوماس كون، وجيرالد هولتون.. فالمتخصصون في العلوم عليهم أن يتأملوا في العلوم بما يكفي بديلاً عن الناس أنفسهم. أنا لست ضد التخصص، بل على العكس، إذا كنت أصف نفسي بأنني عابرٌ للتخصصات، فلأنني أحتاج إلى التخصصات، لكن التخصصات التي تكون في حالة تواصل حتى تتمكن من معالجة المشكلات الكبرى. وإلا فلن نحصل إلا على تقارير خبراء، وكثيراً ما يحبس الخبراء أنفسهم داخل مكاتبهم التقنية.
*منحت السريالية الحب مكانة رفيعة. واليوم يبدو أن هذه الحركة الكبرى المعترف بها في كل مكان، قد باتت مجهولة في الوقت نفسه. في ثمانينيات القرن الماضي كان لديك مشروع إنشاء «قصر للسريالية».
– بالنسبة لي، تمثل السريالية أهمية كبرى لأنها أعلنت أن الشعر يجب أن يُعاش. وكان جان شوستر، القريب من أندري بريتون، قد اقترح فكرة «قصر للسريالية»، لا بوصفه متحفاً، بل فضاءً حيّاً. كما كانت إليسا أرملة بريتون مستعدة للتبرع بكثير من الوثائق والمقتنيات. وعندما عرضتُ الفكرة على فرانسوا ميتران لم يُبدِ حماسة كبيرة تجاهها، فالسريالية لم تكن في ثقافته. وقد بذلت جهوداً كبيرة في الأمر بمساعدة الشاعر ميشيل ديغي، لكن الفكرة لن تموت بالضرورة.
كاتب مغربي