«جيوش الشمس».. أول فيلم تسجيلي حربي يُعيد تصوير مشاهد العبور


عقب انتهاء حرب السادس من أكتوبر/تشرين الأول، العاشر من رمضان مباشرة، وبالتحديد بعد مرور نحو ستة أشهر فقط على عبور قناة السويس وتحطيم خط بارليف، كانت مُبادرة المخرج الراحل شادي عبد السلام هي الخطوة الأولى في اتجاه توثيق الحرب عبر الفيلم التسجيلي «جيوش الشمس» الذي أعاد فيه شادي بناء الكوبري الذي عبرت عليه الدبابات المصرية إلى الضفة الشرقية من القناة وصور من جديد مشاهد اقتحام المانع المائي الحصين.
كان تنفيذ تلك الفكرة بعد انتهاء الحرب بشهور قليلة من الصعوبة بمكان، لكن الإصرار عليها من جانب المخرج الذي كتب بنفسه سيناريو الفيلم جعل تطبيقها مُمكناً وليس مستحيلاً، وبالفعل استعان المُبدع بعدد من المُساعدين، كان من بينهم المخرج الشاب في ذلك الوقت عاطف الطيب، كما أشرك في عملية التنفيذ الواقعي على الجبهة، الفنانة نادية لطفي التي تحمست بدورها للمشاركة ووجدت في ذلك فرصة للتعبير عن شعورها الوطني، فانتقلت إلى جبهة القتال مع مجموعة من الفنانين الشُبان آنذاك كان من بينهم أحمد ماهر.


ومع بداية تصوير الفيلم كان لا بد من نقل صور واقعية وحقيقية وحية لعملية العبور مطابقة لما حدث بالفعل، بما يعني إعادة المشاهد كاملة في جو من الحذر والترقب والدقة والحماس، كأن العبور يحدث في اللحظة ذاتها التي يتم فيها التصوير، حيث بناء الجسر الذي يربط بين الضفتين، الغربية والشرقية لقناة السويس، وعبور عدد كبير من الدبابات، مع فرق مُدربة على أعلى مستوى قتالي من الجنود والضُباط، بكامل مُعداتهم الحربية المحمولة على ظهورهم، تماماً مثلما حدث في اليوم الأول للحرب، ظهيرة السادس من أكتوبر 1973.
وبعد استعراض مشاهد العبور بالشكل التنفيذي الفني المُعاد، بدأت عملية تسجيل الشهادات للجنود، الذين عبروا بالفعل في اليوم المُحدد وفق الخُطة العسكرية الموضوعة بإحكام، شهادات موثقة بأصوات وصور أصحابها الحقيقيين، كمستوى ثاني للفيلم التسجيلي الذي حمل عنوان «جيوش الشمس»، كناية عن العدد والعتاد الدال على جاهزية القوات المسلحة المصرية واستعدادها الكامل لخوض الحرب بجيوش الشمس التي أضاءت عتمة الهزيمة وبددت ظلام الأيام العصيبة في حربين متتاليتين، الاستنزاف وأكتوبر.
وفي تأكيد حاسم وقاطع لمعنى الانتصار ومحو عار الهزيمة، استدعى شادي عبد السلام من الذاكرة الأرشيفية للقوات المسلحة، عددا من الصور للدبابات المصرية المُحطمة، وفي المُقابل حلت الصور الجديدة لحُطام دبابات ومدافع العدو الإسرائيلي محل الصور المصرية القديمة، كأنه تنويه واجب وحتمي عن بداية مرحلة أخرى من مراحل القوة والانضباط في تاريخ العسكرية المصرية، مع الحرص على تسجيل أمجادها في إشارات بليغة لحجم التضحيات المبذولة في الحرب إبان وقوعها واندلاعها.


تناغم يُنبئ بعبقرية التوظيف الإبداعي للصورة السينمائية بكل مفرداتها، من رمال سيناء إلى مياه القناة والزوارق المطاطية ومُعدات القتال، وصولاً لشهادات الجنود على الجبهة، من الذين خاضوا غمار الحرب وعبروا قناة السويس ورفعوا العلم فوق الأراضي المُحررة، وكتبوا شعارات النصر بدمائهم مع لفظ الجلالة الله أكبر، في ابتهال صادق إلى الله عز وجل بتأييدهم وإتمام نصرهم في معركة الكرامة والمصير.
تحدث أحد الجنود المُقاتلين عن ساعات المواجهة الأولى على الجبهة بينه وبين قوات العدو، فذكر ضمن ما ذكر أنه كان يُصوب مدفعه تجاه الأهداف الإسرائيلية بفرحة غامرة، بينما كان جنود العدو مذعورين وهم يحملون السلاح ويلبسون السترات الواقية، مشيراً إلى القوة الإيمانية التي كانت تحرك الجندي المصري والروح المعنوية المرتفعة التي صنعت فارقاً مهماً وفاصلاً في الكفاءة القتالية بينه وبين جنود الخوف من الجانب الآخر.
وحول تأثير الدعاية المضادة للإعلام الإسرائيلي، أعرب أحد الجنود المصريين البواسل داخل السياق التسجيلي للفيلم، أن الدعاية التي استهدفت الروح المعنوية للمُقاتل المصري كان تأثيرها عكسياً، لأنها كانت محض أكاذيب، فعلى النقيض من أهدافها عملت على إشعال نيران الغضب في النفوس، ودفعت قواتنا إلى بذل المزيد من الجهد لتحقيق أعلى مُعدلات البطولة، وهذا ما حدث بالفعل وغير موازين القوى داخل ميدان المعركة. وفي شهادة أخرى مُعتبرة لواحد من مُقاتلي الجبهة، جاء التصريح بأن الإعلام الإسرائيلي استخدم لهجة التحريض واستعداء منظمة الأمم المتحدة ضد الجيش المصري وقياداته العسكرية، بزعم أن الحرب استهدفت المواطنين الإسرائيليين في يوم عيدهم ـ عيد الغُفران، وهنا وضع شادي الرد على لسان الجندي المصري المُقاتل الذي ذكر العالم أجمع والمنظمات الدولية الحقوقية، بأن الطيران الإسرائيلي هو أول من قصف المدنيين المصريين في حرب 67 وكانت البداية من مجزرة مدرسة بحر البقر الابتدائية بمحافظة الشرقية، تلك التي راح ضحيتها عشرات الأبرياء من الأطفال المصريين. كما أن الطيران الإسرائيلي أيضاً هو من ضرب عُمال مصنع أبو زعبل أثناء الوردية، وهو ذاته الذي استخدم سلاح النابالم المُحرم دولياً. تلك هي جرائم العدو الصهيوني التي يشهد عليها التاريخ ولن تُمحى من الذاكرة الإنسانية.
وبمستوى ثالث للرؤية السينمائية، تضمن فيلم «جيوش الشمس» لمخرجة وكاتبة شادي عبد السلام، أحوال الجبهة الداخلية لمصر أثناء الحرب، إذ استعرضت المشاهد التسجيلية بعضاً من دلالات التعضيد، مُتمثلة في زيارة النجمة السينمائية نادية لطفي لمُصابي الحرب بأحد المُستشفيات وقيامها بالتسرية عن الجندي المُصاب ودعمه معنوياً، وتطوعها بكتابة رسالته لأمه نيابة عنه، لعدم قدرته على الإمساك بالورقة والقلم في إشارة واضحة على وحدة الشعور الوطني والإحساس بأهمية الظرف التاريخي الذي كانت تمر به البلاد وكشف عن معادن الأصالة والفداء والوفاء .



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *