جيش الاحتلال يحاول قتل ذاكرة بلدة زوطر الشرقية جنوب لبنان


لندن ـ بيروت ـ «القدس العربي»: تواصل قوات الاحتلال الإسرائيلي تدمير ونسف المباني في جنوب لبنان مستغلة الهدنة التي التزم بها «حزب الله» لكنها لم تلتزم لتصبح عشرات القرى مدمرة بشكل شبه كامل. وشردت قوات الاحتلال أهالي الجنوب وقضت على مصادر أرزاقهم ومنازلهم وأشجارهم وعاثت فساداً كثيراً وحفرت الطرقات التي كانت يوماً جميلة بهدف قتل فرص الحياة في قراهم ومدنهم.
بين تلك البلدات الجنوبية زوطر الشرقية القريةٌ الوادعة على كتف نهر الليطاني وتوصف بـ«عروس بلدات النبطية» لجمال بيئتها ومناظرها الطبيعية الخلابة والتي كثرت فيها قبل الحرب المنتجعات السياحية الجميلة التي تطل على نهر الليطاني لتضفي بيئة وأجواء من الراحة والهدوء تسحر السائحين الذين كانوا يقصدونها من الشمال إلى الجنوب.

حقد وعداء

لكن الحقد والعداء أعمى الإسرائيليين الذين حولوا زوطر الشرقية كما شقيقتها زوطر الغربية والقرى الأخرى الى كتل من الخرسانات المدمرة بهدف «كي الوعي» وكسر إرادة الأهالي ضمن المعادلة التالية «سنرد على المقاومة بالدمار الشامل وقتل فرص الحياة».
وكانت زوطر الشرقية قد صمدت حوالي 3 أشهر وبقيت عصية على جيش الاحتلال الذي وضع كل ثقله ليحتلها ولتكون ممراً له لاحتلال قلعة الشقيف التي تحدها من الشرق ولا تبعد سوى عدة كيلومترات قليلة عنها وعن النبطية وتلة علي الطاهر التي تدور حولها أشرس المعارك.
بدأ جيش الاحتلال بكسر نقاط قوتها. فزوطر الشرقية معروفة علمياً بتخريج المهندسين والأطباء والفنانين وحتى النوابغ الذين يعمل الكثيرون منهم الآن في أمريكا وأوروبا والمثقفين. ومعروف عن أجواء الحرية التي تعيشها البلدة فأبناؤها ينتمون إلى تيارات حزبية إسلامية ووطنية وسقط فيها في الحرب الأخيرة عشرات الشهداء بينهما عائلات بأكملها دفاعاً عنها وصموداً فيها.
زراعياً، البلدة معروفة بكروم الزيتون والعنب والتين وينبت فيها أجود أنواع الزعتر البلدي المعروف في كل لبنان لكن الاحتلال دمر كل شيء واقتلع مئات من أشجارها المعمرة وخاصة شجر الزيتون وسرقها جنوده ليزرعوها في أرض فلسطين المحتلة.
وأجبرت الأعمال الحربية أهالي زوطر على النزوح قسراً وتشتتوا في مناطق عدة آمنة محاولاً بذلك تفكيك اللحمة المجتمعية وتفريق الأهالي تلك اللحمة التي تشكل عصب الحياة في القرية ولم يبق أمام جيش الاحتلال إلا الحجر والشجر ليدمرهما ويقتل فرص الحياة.

مختار القرية: تهجير 800 عائلة

وفي لقاء لـ«القدس العربي» مع مختار البلدة محمد حرب أكد أن معظم عائلات القرية نزحت وتقدر بحوالي 800 عائلة توزعت في مناطق قريبة من زوطر وبعضهم وصلوا الى صيدا وضواحيها واستقروا مؤقتاً على أمل العودة القريبة. ويواجهون الآن وضعاً معيشيّاً صعباً نظراً لفقدانهم مصادر رزقهم وممتلكاته لكن رغم ذلك يحاولون النهوض والتأقلم مع حياة جديدة، إذ لا مكان لليأس هنا.
وأشار المختار محمد حرب إلى إهمال الجهات الحكومية وتقصيرها في مواكبة ودعم النازحين بينما تقدم بعض الجمعيات الأمميّة والمحليّة مساعدات عينيّة.
أما المساعدات المادية فتأتي بمعظمها من المغتربين والعائلات الميسورة حيث تتزايد أعمال التكافل الاجتماعي في ظل التقصير في تقديم العون الرسمي لأبناء البلدة.

دمر المدرسة والجامع والحسينية والبلدية والمستوصف ومئات المنازل

ولم يكتفِ العدو بقصف وتدمير وتفجير المنازل والمحال التجارية بل عمد إلى العبث بمحتوياتها وسرقتها وترك عبارات مسيئة على جدرانها، كما لجأ لحرق البيوت وهدمها أمام مرأى أبنائها المتواجدين على مشارف القرية في شقيقتها بلدة زوطر الغربية.
في لقاء مع أحد أبنائها المعروفين محلياً حافظ إسماعيل الذي فقد منزله وحقول الزيتون ومحطة الوقود التي ورثها عن أهله منذ أربعين سنةً اعتبر أن هذا الإجرام الذي يمارسه العدو محاولة منه لهدم الذاكرة العائلية وطمس معالمها لكنه يصرّ على أن العودة إلى زوطر مؤكدة رغم كل الخسائر التي ألمت به ويحمل الأمل ليعيد بناء كل ما تهدم.
ومن المعروف أن زوطر تشتهر بأراضيها الخصبة لاسيما كروم الزيتون التي طالتها يد الغدر فعملت على اقتلاع المئات من اشجارها وسرقتها وحرق البعض الآخر وهذا ما أشار إليه أحد أبنائها المهندس عدنان شعيتاني الذي فقدَ حوالي مئة شجرة زيتونٍ معمّرة، ومثل اقتلاعها ضربةً للزراعة والاقتصاد المحلّي بالإضافة الى ما يربطه من ذاكرة بالأرض التي ارتبطت بها عائلات البلدة عبر أجيال.

تدمير المدرسة والبلدية

وبعد احتلالها والعمل على تغيير معالمها وتدميرها، لم يكتف بتدميره للحجر بل هدف الى محو الذاكرة الجماعية للبلدة ظناً منه أنّه قادر على إزالتها.
وبينما كان أهالي القرية يطالبون عبر بيانات متتالية بوقف الهدم والتفجيرات فيها، ولأن الاحتلال يعرف مكانة مدرسة زوطر التي خرّجت أجيالاً من المتفوقين فاستهدفها مؤخراً ودمر بناءها الواسع المؤلف من 3 طبقات وسواها بالأرض كما نسف مبنى البلدية بالكامل والنادي الثقافي وداراً للحضانة ومستوصفاً في اليوم ذاته وفي الحي نفسه محاولاً ضرب كلّ مصدر إشعاع حضاري لحرمان الأبناء من العودة لحياتهم الطبيعية نظراً لأهمية هذه المؤسسات في بناء جيل متعلم وواعٍ.
تؤكد مديرة المدرسة الأستاذة غادة أيوب أن تدمير المدرسة عمل همجي بحت هدفه كسر إرادة المجتمع المحلّي ومنعه من التطور فقد أدّى إلى خسارة حوالي مئة وخمسة وسبعين طالباً مقاعدهم الدراسيّة لكنها رغم ذلك تسعى إلى الاستمرار في تقديم الخدمات التعليميّة لطلابها عن بُعد في الوقت الحالي ريثما تستقر الأوضاع حيث ستؤمن غرف جاهزة مؤقتة للتعليم وختمت حديثها بإصرارها على إكمال الطريق ولملمة الجراح وإعادة البناء.

«حين تُنسف الذاكرة»

الأستا ذ صبحي إسماعيل أحد مؤسسي المدرسة ومديرها السابق قال بعد تدميرها «لم أبكِ حجارةً اليوم، بل بكيتُ ذاكرةً تسكن فيها.
حين رأيتُ مدرسة زوطر الشرقية الرسمية، مدرسة الشيخ نعيم مهدي الرسمية، تُنسف، شعرتُ أن جزءًا من طفولتنا وأصوات أجيالٍ تعلّمت فيها يُنتزع من مكانه. ثم جاء نسف مبنى مركز البلدية، الذي كان يومًا أول مبنى لمدرسة في زوطر الشرقية، ليضاعف الوجع.
ليست هذه أبنيةً قديمة فحسب؛ إنها صفحات من تاريخ بلدتنا. هنا تعلّمنا وعلّمنا، وهنا بدأت أحلام أجيال. لم ولن أبكي بيتي حين نسف أو ينسف (لا أعلم حتى الآن) لكن الآن صدقاً بكيت… اليوم لم أبكِ مبنيين… بكيتُ زمنًا كان له مكان، وبكيتُ جزءًا من روح زوطر الشرقية».

«المكان الذي احتضن طفولتنا»

الأستا ذ قاسم شعيتاني أحد مدراء المدرسة السابقين علق على «فيسبوك» بعد تدمير المدرسة «ليس أبشع من أن يُنسف المكان الذي احتضن طفولتنا وعلّم أجيالنا، فتتبعثر معه الوجوه والأصوات والحكايات.
اليوم لم تُهدم حجارة زوطر الشرقية فحسب، بل جُرح تاريخها، ونُسف جزءٌ عزيزٌ من ذاكرتها وروحها. الذاكرة العظيمة لا تُمحى، لكن وجعها يبقى عصيًّا على الكلام. فهذا العدو لا يريد محو الحجر والشجر وقتل الأبرياء فحسب، بل يسعى أيضًا إلى اغتيال الذاكرة وطمس التاريخ والحضارة الإنسانية. وهذه من معتقداته التلمودية. ولا يعتقدن أحد ان إجرامه سببه أننا نقاوم الاحتلال، بل أن تاريخه يشهد على الإجرام والتوسع. لقد علمنا التاريخ أن الذاكرة التي تسكن الناس لا تُهدم، والحضارة التي صنعتها الأجيال لا يمحوها عدوان».

تدمير الجامع والحسينية

ونظراً لارتباط الثقافة بالدّين وتكاملهما في خلق بيئةٍ صلبةٍ في مواجهة الظلم والعدوان، قام الجيش الإسرائيلي بشلِّ هذا الشريان الحيويّ من خلال تدمير المسجد وحسينية البلدة وجرف مقبرتها حيث كان يجتمع الناس لممارسة شعائرهم الدينيّة والاعمال الاجتماعية ما يشكلّ مساساً بالقيم الروحيّة والذاكرة الجماعية.
ومنعاً لعودة الأهالي إلى زوطر ولجعل فرص العيش فيها مستحيلة، أقدم العدو على ضرب المراكز الحيوية فيها من صيدليات ومستوصف صّحي كما دمر المقاهي والمحال التجارية فيها وهذا ما ذكره رئيس البلدية الأستاذ محمد إسماعيل وأن فرص الحياة في زوطر معدومة نظراً لقضاء العدو على معظم البنى التحتيّة من ماء وكهرباء وطرقات، ودعا الجهات الرسميّة والدوليّة والجمعيات للالتفات إلى خطورة الوضع في القرية التي باتت شبه مدمرة وتفتقد كل مقومات العيش.
ووصل حقد وكره جيش الاحتلال حداً خطيراً الذي نسف أي فيللا أو بناء جميل ليشمل التدمير عشرات الفلل التي لا تقل تكلفة البناء لكل منها عن مليون دولار إذ كانت تمثل تحفاً فنية جميلة مصنوعة من حجارة نادرة جلبت من محاجر منطقة عرسال شرق لبنان لتزين القرية ـ المجروحة الحزينة الآن ـ كما دمر معظم البيوت التراثية القديمة وحتى تلك التي بنيت من الطين وصمدت أمام آلة الزمن. كما دمر جيش الاحتلال ساحة القرية ودار آل حرب الذي جمعهم لعشرات السنين في الأفراح والأحزان.
ورغم الألم الذي يعاني منه الأهالي من نزوحٍ وفقدان الممتلكات والأرزاق والوضع المعيشي الصعب في ظلّ صمتٍ محليٍّ ودوليٍّ وتجاهل لقضاياهم المحقة ومأساتهم والكارثة التي حلت ببلدتهم تبقى لديهم إرادة صلبة في الصمود ورغبة وأمل في العودة القريبة لبناء ما تهدم وإعادة إحياء وجبر الذاكرة التي يحاول العدو عبثاً محوها مؤكدين أنهم سيزرعون شتلات الزيتون من جديد في أرضها التي رويت بدماء عشرات الشهداء.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *