جسر الحلم وانطباعية القلب في لوحات اللبنانية سهام بشنق


تنير ريشة الفنانة التشكيلية سهام بشنق سكون الوجدان اللبناني، وترسم صلاةً بصرية ممتدة بين الأرض والسماء، حيث تتشكل الطبيعة عندها كائنا حيا يتنفس عبر طبقات اللون والضوء. ففي أعمالها، نلمس ذلك الانعتاق من أسر المحاكاة الفجة نحو فضاء الرومانسية الواقعية، التي تعيد صياغة الجغرافيا بروح حالمة، تجعل من الجبل والبحيرة والشجرة مفردات في قصيدة وجدانية تحاور الذات الإنسانية في لحظات تجليها القصوى.
تتجلى في لوحات الفنانة تلك المسحة الرهيفة التي تذكرنا بروحانيات نيكولاي رويريش، في تعامله مع شموخ الجبال وهيبتها، ولكنها هنا بلمسة مشرقية دافئة تفيض حنيناً. فنجدها في مشهد البحيرة الفيروزية والأشجار السامقة، تتقاطع مع عوالم الفنان السوري نصير شورى رائد المدرسة الانطباعية، في شفافية الضوء المنسكب، حين يتحول اللون إلى وسيط روحي ينقلنا من ضجيج العالم إلى طمأنينة العزلة المختارة إنها لا ترسم الغابة، إنما ترسم السكينة الكامنة في قلب الغابة، ولا الماء أيضا، بل المرآة التي تعكس صفاء الروح وتوقها للأبدية.
ثمة حوار خفي في أعمال الفنانة بشنق بين السكون والحركة؛ فالأشجار النحيلة الممتدة نحو الأعلى تعكس رغبة إنسانية فطرية في السمو، تذكرنا أحياناً بأشجار كلود مونيه في انغماسها داخل الضوء، إلا أن بشنق تمنح شخوصها، سواء ظهروا جسدياً كالعاشقين على المقعد، أو غابوا خلف الطبيعة حضوراً ميتافيزيقياً طاغياً، حيث جعلت من المقعد الخشبي المطل على التلال منصة للتأمل الوجودي، يجسد الغربة الجميلة والبحث المستمر عن المعنى وسط اتساع المدى.


تستخدم الفنانة الألوان الدافئة والباردة بتوازن شعري مذهل ؛ فالأرجواني النابض في الزهور يتآلف مع زرقة المياه العميقة، خالقاً هارموني بصرياً يمنح العين شعوراً بالامتلاء والراحة. هذا الأسلوب يتقاطع مع نزعة المدرسة الانطباعية في اصطياد واقتناص اللحظة، لكنه يتجاوزها نحو التعبيرية الوجدانية، فيصبح اللون صدىً للذاكرة والمكان. إنها تقدم لنا الطبيعة كوطن بديل، كملاذ آمن من انكسارات الواقع، محولة اللوحة إلى نافذة تطل على جنات خيال تسكن في أعماقنا جميعاً.
في لوحة الجسر والبجع، تحول المشهد إلى استعارة للعبور! العبور من ضفة القلق إلى ضفة الأمان، فتنساب العناصر في وحدة عضوية متماسكة. سهام بشنق لا تكتفي بنقل الجمال فقط، إنما تستمر في استنطاقه، لتجعله يتحدث لغة إنسانية شمولية تخاطب القلب قبل العين، لتؤكد أن الفن في أسمى تجلياته هو فعل حب، ومحاولة نبيلة لاستعادة التوازن المفقود بين الإنسان وبيئته، وبين الروح ومبدعها.
في أثر هذه المقاربة، تتحوّل لوحات سهام بشنق إلى عتبة بين الواقع والحلم، بين العين والوجدان، وبين المنظور والعاطفة. ترسم الطبيعة، وتصغي إلى موسيقاها الداخلية، فتمنحنا عالماً يشبهنا في حنينه، ويعيد إلينا شيئا من الصفاء الذي فقدناه في زحمة المدن ودواليب الغياب.
من منظور سيميائي، تشتغل بشنق على تفكيك العلاقة بين الضوء والزمن، والمكان والذاكرة. فتعيد بناء العلامة البصرية، بحيث لا تشير إلى موضوع خارجي، بل إلى معنى داخلي يتخفى في الملمس واللون والانسياب. كل تفصيل في اللوحات ـ طريق، ماء، جسر، ظل، شجرة – يعمل كإشارة تتبادل أدوارها في النص التشكيلي، لتنتج بنيةً دلالية واحدة بأن الإنسان لا يعيش في الطبيعة، إنما في المعنى الذي تولّده الطبيعة فيه.
بهذا الوعي البصري الإنساني، تُصبح لوحات سهام بشنق كتابةً صامتة بلغة الضوء، نصا متحوّلاً من المنظر إلى البصيرة، ومن العين إلى القلب، في زمن يفتقد السكينة، لكنها تكتبها من جديد بلون يُشبه الحنين إلى البداية.
عرفتها في لبنان امرأةً تنتمي إلى الطبيعة كما تنتمي الروح إلى جسدها الأول، عاشقةً لمرتفعات الأرز التي تفتح قلبها للسماء، وللمساحات الجبلية التي تحفظ سرّ الصمت وعمق التأمل. فتنمو مع اللون ككائن حيّ يتنفّس عبره، يشتدّ حضوره كلما اتسعت الرؤية واشتد الضوء. وتكبر في علاقتها بالأفق كما تكبر أشجار الأرز، بطيئةً في صعودها، واثقةً في جذورها، شامخةً الثبات قدرٌ اختارته منذ البدء. فاللون بالنسبة لها امتداد لنبض داخلي، والطبيعة وطنٌ روحيّ تعود إليه كلما ضاق العالم واتسعت الحاجة إلى المعنى.

كاتب من ليبيا



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *