جدل في فرنسا بعد حذف إعادة حلقة تلفزيونية إثر تصريحات كاتبة وممثلة سابقة عن الإبادة الجماعية وتحرير فلسطين


باريس- “القدس العربي”: أثار سحب  مجموعة فرانس تلفزيون العمومية (France Télévisions) إعادة بث حلقة من البرنامج الثقافي الفرنسي La Grande Librairie، التي استضافت الكاتبة والممثلة السابقة أديل هانيل، جدلاً واسعاً في فرنسا، بعد تصريحات لها بشأن الحرب في غزة اتهمت فيها إسرائيل بارتكاب “إبادة جماعية” ودعت إلى فرض عقوبات عليها وتحرير فلسطين.

فبعد بث الحلقة مساء الأربعاء الماضي على قناة France 5، اختفت إعادة الحلقة الكاملة من منصة مجموعة فرانس تلفزيون بعد ساعات من انتشار مقطع من مداخلة هانيل على شبكات التواصل الاجتماعي وتداوله في وسائل الإعلام الفرنسية. وأوضحت المجموعة أن سحب الفيديو جاء “بصورة تحفظية”، في انتظار تحليل محتواه ومدى توافقه مع القواعد المنظمة للخدمة العامة السمعية البصرية، ولا سيما ما يتعلق بالتعددية والتوازن في معالجة القضايا السياسية.

كانت الحلقة مخصصة أساساً للأدب والكتب، بمناسبة صدور العمل الأول لأديل هانيل “Viser juste”، حيث استضاف مقدم البرنامج عدداً من الكتاب والكاتبات، قبل أن تصل الحلقة إلى فقرة “Droit dans les yeux”، وهي مساحة مخصصة لأحد الضيوف لتقديم نص شخصي مباشرة أمام الكاميرا.

بدأت هانيل مداخلتها بالحديث عن الخوف والصمت، مستعيدة تجربتها الشخصية مع العنف الجنسي والمسار الذي سلكته منذ تحدثها علناً عن هذه التجربة. ثم انتقلت إلى القضية الفلسطينية، معتبرة أن هناك أوجه شبه بين ما وصفته بالتكميم والإنكار في قضايا العنف الجنسي، وبين ما تراه صمتاً أو إنكاراً لما يحدث في فلسطين.

وقالت إن عليها استخدام المساحة التي مُنحت لها للتحدث عن القضية الفلسطينية، قبل أن توجه اتهاماً مباشراً إلى إسرائيل بارتكاب “إبادة جماعية في فلسطين”، وتحمّل فرنسا مسؤولية سياسية، وتدعو إلى فرض عقوبات على إسرائيل وتحرير فلسطين.

أثارت المداخلة سريعاً جدلاً سياسياً وإعلامياً، لكن الجدل اتسع بعد اختفاء إعادة الحلقة من منصة فرانس تلفزيون. وأصبح السؤال لا يتعلق فقط بمضمون تصريحات هانيل، بل أيضاً بسبب سحب الحلقة كاملة، وما إذا كان القرار يمثل إجراء تنظيمياً مؤقتاً أم شكلاً من أشكال الرقابة.

وبحسب تصريحات نقلتها مجلة Télérama أكدت فرانس تلفزيون أنها قررت “سحب الفيديو بصورة تحفظية” بعد تحليل المداخلة. وأوضحت المجموعة أن المسألة ترتبط بالقواعد التي تحكم الإعلام العمومي، خصوصاً مبدأ التعددية والتوازن في تناول القضايا السياسية.

تستند هذه المسألة إلى وضع فرانس تلفزيون باعتبارها مؤسسة إعلامية عمومية، إذ تخضع برامجها لالتزامات تنظيمية ومهنية تتعلق بالتعددية والتعبير السياسي ومعالجة القضايا الخلافية. ومن وجهة نظر المؤسسة، فإن تقديم المداخلة في برنامج ثقافي أو ضمن فقرة ذات طابع شخصي لا يلغي بالضرورة مسؤوليتها عن المحتوى الذي يُبث على شاشتها.

تزداد حساسية المسألة لأن تصريحات هانيل تضمنت مواقف سياسية مباشرة بشأن نزاع دولي شديد الاستقطاب، من دون أن تترافق داخل الفقرة نفسها مع وجهة نظر مقابلة. وفي هذا السياق، أشارت التغطيات إلى شكاوى تلقّتها الهيئة الفرنسية المنظمة للاتصال السمعي البصري والرقمي (Arcom) بشأن المداخلة.

غير أن تلقي الشكاوى لا يعني في حد ذاته أن الهيئة خلصت إلى وجود مخالفة. كما أن المعلومات التي تحدثت عن رغبة فرانس تلفزيون في إظهار تعاملها بجدية مع المسألة أمام Arcom جاءت، بحسب وسائل إعلام فرنسية.

في المقابل، انتقدت أديل هانيل قرار سحب الحلقة، ولا سيما أنه لم يقتصر على المقطع الذي تناولت فيه غزة وإسرائيل. وقالت إن حذف المداخلة وحدها كان سيكون مفهوماً في حال وجود مشكلة تتعلق بمحتواها، لكنها فوجئت بسحب الحلقة بأكملها. وأعادت نشر مداخلتها عبر حسابها على إنستغرام بعد اختفاء الحلقة من منصة مجموعة فرانس تلفزيون.

ويطرح هذا الجانب من القرار إشكالية إضافية، إذ إن سحب الحلقة كاملة يؤثر أيضاً على الضيوف الآخرين وعلى المحتوى الأدبي والثقافي الذي تضمنته، رغم أن الجدل انصب أساساً على تصريحات هانيل السياسية.

وأثار القرار انتقادات من عدد من المسؤولين السياسيين في اليسار الفرنسي. فقد اعتبر أعضاء في حزب فرنسا الأبية اليساري الراديكالي أن سحب الحلقة يمس حرية التعبير. كما انتقد السيناتور الشيوعي إيان بروسا القرار، إلى جانب القيادي الاشتراكي أوليفييه فور. ويرى منتقدو مجموعة فرانس تلفزيون أن منح هانيل مساحة تعبير شخصية ثم سحب الحلقة بعد بثها يثير تساؤلات حول حدود حرية التعبير في الإعلام العمومي، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالقضية الفلسطينية.

في المقابل، جاءت مواقف أخرى منتقدة لمضمون تصريحات هانيل، لا سيما من اليمين واليمين المتطرف. ومن بين المعلقين النائب عن التجمع الوطني جوليان أودول، الذي اتهمها بترديد ما وصفه بـ”دعاية الإسلاميين في حماس”، وانتقد غياب وجهة نظر مقابلة خلال البرنامج.

وتأتي هذه الواقعة في سياق مسار طويل لأديل هانيل في النقاش العام الفرنسي. فقد كانت من أبرز الأصوات التي تحدثت عن العنف الجنسي في الوسط الفني، بعدما كشفت عام 2019 عن تعرضها، عندما كانت طفلة، لسلوك جنسي من جانب المخرج كريستوف روغيا. وأثارت شهادتها نقاشاً واسعاً حول العنف الجنسي في صناعة السينما الفرنسية.

وفي السنوات التالية، اتسع حضورها في القضايا السياسية والحقوقية، قبل أن تعلن ابتعادها عن عالم السينما. ومنذ ذلك الحين، واصلت التعبير عن مواقفها من خلال الكتابة والنشاط العام.





Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *