جبهة البحر الأحمر: اليمن كخط زلازل إقليمية!


أنهى «أنصار الله» (الحوثيون) حالة «لا حرب ولا سلام» في اليمن بقرار غير مسبوق: إعلان الحصار البحري على السعودية مما دفع ناقلات وسفنا تجارية سعودية وغير سعودية إلى تغيير مساراتها.
رغم عدم إمكانية قيام الحوثيين بإغلاق فعلي كامل لباب المندب فإن الإعلان سيدفع شركات الشحن والتأمين لاعتبار المرور نحو الموانئ السعودية خطرا فترفع أقساط التأمين، وتغيّر المسارات، وتتأخر الشحنات.
ردّت الرياض على إغلاق باب المندب بقرار يمنع وصول السلاح إلى من سمتهم «الميليشيات الإرهابية»، ولكنه يسمح بإيصال المواد الغذائية، كما أعلن تكتّل يضم 22 حزبا ومكونا سياسيا يمنيا دعمه للحكومة اليمنية الشرعية وتوجهها لإنهاء «الانقلاب الحوثي».
مثّلت الخطوة فتحا لجبهة بحرية نشطة أخرى لصالح إيران مما يفرض على أمريكا التي تخوض حرب ضربات متبادلة مع إيران، توزيعا للموارد العسكرية والاستخبارية والدفاعية بين مسرحين مترابطين، وهو ما ردّت عليه أمريكا بإعلان اتخاذ تدابير لحماية السفن التجارية والرد على مصادر التهديد.
يؤدي جمع تهديد باب المندب إلى إغلاق مضيق هرمز مستوى الأزمة من محلية إلى عالمية تؤثر في سلاسل توريد الطاقة والتجارة، وهو ما انعكس بسرعة على أسعار النفط والأسواق الخليجية ومخاوف النمو العالمي.
أحد المستجدات الناتجة عن هذا الوضع هو إرسال الرياض وأبو ظبي رسائل تقارب علنية توحي بمحاولة احتواء خلافاتهما في اليمن، والأرجح أن يؤدي ذلك إلى تفاهم سعودي – إماراتي دفاعي وأمني محدود هدفه حماية الملاحة في البحر الأحمر، وتنسيق القوى اليمنية المناهضة للحوثيين، ورفع كلفة تهديداتهم البحرية، ولكن مع تجنب حرب مفتوحة لاستعادة صنعاء الواقعة تحت سيطرتهم.
موضعة هذا التطوّر الإقليمي المهم ضمن الإطار الواسع للمواجهة الأمريكية – الإيرانية ممكن ولكن من دون اختزال الحوثيين في كونهم مجرد أداة إيرانية أو اعتبار كل دينامية عربية مستقلة مكسبا تلقائيا لإسرائيل التي برغم كونها مخططا ومشاركا رئيسيا في الحرب على إيران، لا تخفي خططها لإخضاع المنطقة، ولمعارضة أي محور عربي – إسلامي، أو حتى معارضة تطوّر قوة دولة إقليمية بعينها، من مصر إلى السعودية فتركيا وباكستان، وهو ما كان واضحا في الغضب الإسرائيلي من إعلان أمريكا موافقتها على برنامج نووي سعودي.
يمثل التقارب السعودي – الإماراتي المحتمل حاليا توحيدا لإدارة الخطر أكثر مما يمثل قرارا بالحرب. ستكون الأولوية في هذا التقارب لحماية الملاحة والمنشآت، وضبط خلافات القوى اليمنية الحليفة، وبناء قدرة على الرد المحدود، مع الحفاظ على قناة تفاوضية عبر الأمم المتحدة وسلطنة عُمان، حيث كثّف المبعوث الأممي للمنطقة تحركاته بين الرياض ومسقط للحفاظ على مكاسب هدنة 2022 وعزل اليمن عن التصعيد الإقليمي.
سيحاول الحوثيون، في المقابل، إثبات أن تهديدهم قابل للتنفيذ لكن بشكل محسوب يؤكد تأثيرهم السياسي والاقتصادي من دون استجلاب حملة عسكرية تسحق منظومتهم العسكرية على سواحل اليمن. الخطأ في الحسابات، ولا سيما إصابة ناقلة كبيرة أو منشأة سعودية أو سقوط عدد كبير من الضحايا، سيؤدي، على الأرجح، لنقل الأزمة من معادلة الردع المتوازن إلى مواجهة أوسع.
حرّكت النقلة التي نفّذها الحوثيون على رقعة الشطرنج الواسعة للإقليم ملفّات يمنية وخليجية وعالمية متشابكة يمكن قراءتها أفقيا، ضمن الصراع الأمريكي – الإسرائيلي مع إيران، كما يمكن قراءتها عموديا، باعتبار اليمن موقعا لملفّات قديمة قد يكون الأوان قد آن لإعادة فكها وتركيبها بشكل جذري.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *