عن دار البيروني للنشر والتوزيع في العاصمة الأردنية عمّان، وبدعم من مؤسسة خالد شومان، صدر للباحث والمهندس محمد رفيع كتاب موسوعي بعنوان أصول الهوية المعمارية لعمّان القديمة/جبل اللويبدة 1933-1959 وهو كتاب يوثق تاريخ العمارة في العاصمة عمّان والتحولات التي مرّت بها المدينة عمرانيا واجتماعيا، وتحديدا في جبل اللويبدة، مُستندا إلى وثائق نادرة ومخططات بناء وصور تاريخية تعود إلى ثلاثينيات وأربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، في محاولة لإعادة بناء السيرة المعمارية لأحد أعرق أحياء عمّان، حيث يُضيء الكتاب محاور العمران والنشأة الحضرية لجبل اللويبدة وبيوته ومبانيه، بما في ذلك مباني دارة الفنون. كما يستعرض النشأة الحديثة لمدينة عمان المعاصرة وجغرافيتها وتاريخها العمراني، وكيف يُمكن الحفاظ على تراث المدينة المعماري وإحيائه والاحتفاء به.
جبل اللوبيدة
وفي تمهيده للكتاب يدرس الباحث محمد رفيع جبل اللويبدة بوصفه أحد المحاور العمرانية التي شكّلت نواة عمّان والتي تأسس مجلسها البلدي سنة 1909، وأصبحت عاصمة لإمارة الشرق العربي (إمارة شرق الأردن لاحقا) عام 1921، موضحا أن الكتاب يضمّ الأصول الوثائقية لمعظم أبنية الجبل، التي لا يزال معظمها قائما، ويتتبع محمد رفيع في هذا الكتاب ملامح النهضة الحضرية والعمرانية لمدينة عمان منذ صدور قانون تنظيم المدن في الأردن عام 1933، الذي مثّل البداية الفعلية والقانونية لتنظيم أحياء المدينة وشوارعها، بالإضافة إلى تنظيم عملية البناء السكني والتجاري.
كما يقف الكتاب عند المهندسين والمصممين الرواد الذين كان لهم دور في وضع المخططات الأولى للمدينة، ومن أبرزهم الشريف فواز آل مهنا؛ أول مهندس لبلدية عمان بين عامَي 1933 و1936، وسبع سعد الله سماحة الذي صمم عددا من البيوت القديمة في اللويبدة، كما يوثق الكتاب لبدايات التنظيم العمراني وإصدار رخص البناء وتخطيط الشوارع والخدمات، وهي جوانب قلما تناولتها الدراسات السابقة بهذا القدر من التفصيل والتوثيق الدقيق ويفرد المؤلّف فصلا لتحليل خمسة أبنية شيّدت بين عقديْ العشرينيات والأربعينيات، وأصبحت اليوم مجتمعة تكوّن ما يعرف باسم «دارة الفنون – مؤسسة خالد شومان»؛ المؤسسة التي أنشئت عام 1988، وعملت على توثيق الفن العربي وأرشفته ودعم الممارسات الفنيّة المعاصرة.
الهوية المعمارية
وتأتي أهمية الكتاب لسبقه في التأصيل للمواد الوثائقية المؤسسة للهويّة المعمارية لعمّان القديمة. وهو الجزء الأول من أصول المخططات والوثائق الخاصة بعمران كل أبنية عمّان القديمة، التي يعمل محمد رفيع على استكمال الأجزاء الأخرى لتغطية بقية المدينة، جبل عمّان ووسط البلد والمحطة والقلعة والحسين والنظيف ورأس العين.
ويشتمل الكتاب على الأصول الوثائقية المعمارية لمعظم أبنية جبل اللويبدة، التي لا يزال معظمها قائما، وهي النواة العلمية، التي تحفظ لجبل اللويبدة أصول هويته المعمارية والاجتماعية والتاريخية. ويستند الكتاب، إلى كم كبير من الوثائق التي جرى جمعها من الأرشيفات الرسمية والمصادر الخاصة، إضافة إلى شهادات شفوية ومقابلات مع أشخاص عاصروا تلك المرحلة أو احتفظوا بذكريات مرتبطة بها، وتكشف هذه المواد عن تفاصيل دقيقة تتعلق بأصحاب المنازل ومصمميها ومقاوليها وأساليب البناء المستخدمة فيها، فضلا عن تطور البنية التحتية والخدمات العامة في العاصمة خلال سنوات التأسيس.
أثر عالمي
يمثّل الكتاب أساسا علميا للباحثين، وكلّيّات الدراسات العُليا، في الهندسة المعمارية، وفي علوم الاجتماع البشريّ وعلم التاريخ، لإنتاج وتطوير دراسات حضريّة معمارية متقدّمة، عن هذا الجبل الفريد في تكوين عمّان العُمراني، وهو يحتوي على مقترح علمي أولي لفكرة إنشاء خطة إدارة تراثية لمنطقة اللويبدة ككل، وفق معايير اليونسكو، ومعايير حفظ التراث العالمي.
يضم الكتاب ستة فصول تتوزع عليها المادة التوثيقية التي يقدمها الباحث وفق منهجية تجمع بين التاريخ العمراني والتاريخ الاجتماعي، وهذه الفصول تحمل العناوين التالية: «النشأة الحديثة لعمان المعاصرة»، «أصول الهوية المعمارية لجبل اللويبدة»، «وثائق عُمران ثلاثينيات القرن العشرين»، «وثائق عُمران أربعينيات القرن العشرين»، «وثائق عُمران خمسينيات القرن العشرين»، «بين الأصالة والحداثة (نحو بناء خطة إدارية تراثية لمنطقة اللويبدة)»، بالإضافة إلى ملحق بقائمة أصحاب البيوت في منطقة العبدلي (1933-1959)، وفهرس للأعلام وآخر للأماكن، وثالث لأسماء المكاتب والشركات الهندسية. كما أن هذا الكتاب يشمل توثيق كل أبنية اللويبدة ومخططاتها ووثائقها، ويرى المؤلف أن لجبل اللويبدة مكانة عمرانية تاريخية فريدة، في التكوَن العمراني الحديث لعمان، تختلف عن تلك المكانة التي للجزء السفلي القديم من جبل عمان ومناطق وسط وأحياء عمان التاريخية الأخرى، كما يتضمن الكتاب شرحا عن نظام تخطيط المدينة العمراني ونسيج الشوارع والبيت العماني والمهارات المعمارية ومميزاتها ودور المعماري العربي والصناع والنحاتين والمواد التي استخدمت في البناء والبنية الإنشائية للبيت العماني إضافة إلى دورها وانعكاساتها على الواقع الاجتماعي والاقتصادي.
سيرة مدينة
ويرى يوسف الشواربة أمين عمّان في مقدمته للكتاب إن «هذا الكتاب يراوح بين سرد سيرة المدينة وساكنيها، وبين الرسومات والمخطوطات والوثائق التي توثق للهوية المعمارية لمباني عمان وتطور أساليب البناء خلال قرابة قرن من حياة المدينة، الذي يشكل في مجمله مرجعا غنيا لكل باحث، كما ينقل هذا الكتاب إلى القارئ على صفحاته حكاية عمران عمان من خلال صور ووثائق تعرض سيرة عمران المدينة التي امتدت من قاع المدينة وأوديتها الوادعة إلى تلالها الشامخة».
كذلك يرى الأكاديمي محمد شجاع الأسد في المقدمة المعمارية أن «هذا الكتاب يقدم حوالي 330 رخصة بناء لأبنية في جبل اللويبدة في عمان تعود لعقد الثلاثينيات والأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي. تحتوي هذه الرخص على بيانات مهمة للغاية تضم رسومات لهذه الأبنية وأيضا معلومات بخصوص تاريخها وأصحابها ومصمميها، وحتى تحدد عددا من المعالم وأيضا السكان المجاورين لها. إن هذا التوثيق منجمٌ قيم، إذ أن كل واحدة من هذه الرخص قد تكون مقدمة لدراسة بحثية متعمقة تستحق المتابعة من الباحثين عن مواضيع مرتبطة بالعمارة والعمران والبيئة المبنية عامة في مدينة عمان وعن حياتها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية»، إضافة إلى أن الكتاب يقدم معلومات مهمة أيضا عن التطور العمراني لمدينة عمان منذ عودة سكانها في الربع الأخير من القرن التاسع عشر- بعد انقطاع دام عدة قرون- وحتى نهاية الخمسينيات من القرن الماضي. إذ إن هذه فترة مهمة للغاية تشمل نهاية الحقبة العثمانية، وتشمل فترة تأسيس إمارة شرق الأردن، ومن ثم استقلال الإمارة وتأسيس المملكة الأردنية الهاشمية، وهي فترة تضمنت أيضا أحداثا عالمية وإقليمية ذات تأثيرات بالغة، أهمها الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية ونكبة فلسطين.
كاتب أردني